إضراب

أيوب الحمد 

دُعيت إلى المشاركة في إضراب أعلنت عنه نقابة العمال في هذا البلد  من أجل تحسين الأجور وظروف العمل، لقد كنت متردّدا في البداية لأنّي لم أألف في بلدي مثل هكذا إضرابات فهي من المحرمات، ومن يقوم بها أو يشارك فهو عميل للاستعمار، هدّام للوطن، ينفذ أجندات خارجية، عميل للإمبريالية العالمية التي تستهدف القائد وحزبه الذي استولى على السلطة، فأصبحت الدولة ومقدراتها ملكا شخصيا له ولأفراد عائلته، يتصرف بها كيف يشاء، بلا حسيب أو رقيب، ومن يعترض ولو بنصف كلمة مصيره السجون والمعتقلات، والفصل من العمل، وخسارة الحقوق المدنية، ليس فقط هو نفسه، بل أفراد عائلته وأقربائه، القريبن له والبعيدين الذين سيصبحون على القوائم السوداء لذلك الحاكم.

بدأ الإضراب مع ساعات الصباح الأولى بالكلمات والخطابات الرنانة والهتافات والأغاني الحماسية. ثمّ تقرّر أن ننطلق بمظاهرة من مقرّ عملنا باتجاه مبنى عمدة المدينة لتقديم مطالبنا في مقدمة المظاهرة تسير شاحنة معدة كمنصّة لإلقاء الخطابات، تحمل على جوانبها مكبّرات الصوت ، حضرت سيارات الشرطة بعضها يسير في مقدّمة المظاهرة والأخرى في المؤخرة وبعض الشرطة الراجلين يسيرون على الميمنة والميسرة، الأمر الذي أثار دهشتي وجعلني أقارن بين عسكر نظامنا الحاكم الذين واجهوا المظاهرات السلميّة بالرصاص الحي والدهس بالعربات، والاعتقالات، وبين شرطة هذا البلد الذين انتشروا حول المظاهرة لحمايتها وإخلاء الطرق لتسهيل مرورها، ازدادت الخطابات وازداد الحماس، وبدأت أهتف بأعلى صوتي وأصفق وأرقص وأهتف لأروي عطش سنين طوال، ولأزيل شعور الخوف الذي نما وترعرع بداخلي منذ نعوم أظفاري إلى يومي هذا.

وممّا زاد حماسي تلك الحسناء من فريق منظمي الإضراب والمظاهرة التي اقتربت مني تشجعني وتهتف معي وتراقصني وكانت نارا سقطت على هشيم، وبصوتها الساحر طلبت مني الصعود إلى المنصّة المتحرّكة وإلقاء كلمة، وأنا الذي لم أمسك بيدي طوال حياتي “مِكرفونا” وألقي خطابا، شجعتني أكثر عندما أمسكت بيدها الناعمة يدي، وسحبتني باتجاه المنصّة وصعدت أمامي،  وسقطت مني الممانعة أو الرفض، ساعدتني بيديها الاثنتين الصعود. عندما استقر بنا المقام على ظهر المنصّة نظرت خلفي ياله من منظر رهيب! سيارات الشرطة بأضوائها البراقة وأصواتها التحذيرية في المقدمة والمؤخرة

الأعداد الهائلة من المتظاهرين بستراتهم الصفراء المميزة يحملون اللافتات يتراقصون على أنغام الموسيقى المصاحبة، وعندما رأوني بدأ التصفيق والهتاف. حملت الحسناء “المِكرفون” وبصوتها الساحر قدمتني لجمهور المتظاهرين: والآن هاهو زميلكم “حامد” سيلقي كلمة يقول فيها عن تجربته في العمل ومطالبه

أخذت “المكرفون” بيد مرتجفة وبصوت مخنوق خائف مرتجف يأبى الخروج تكلمت، وكلّما خرجت الكلمات ازدادت قدرتي على الكلام وتنامت جرأتي وانطلق لساني، وتصفيق المتظاهرين أزال توتري وتردّدي، والحسناء بجانبي تثني عليّ وتحثّني على المزيد.

وصلنا مبنى عمادة المدينة وتجمعنا أمام البناء وبدأت الهتافات والكلمات والمطالبات، وازداد الحماس، وازدادت الرغبة لدي بأن ألقي كلمتي في هذا المحفل، وبلا تردّد طلبت “المِكرفون” وبصوت عالٍ وبلا تردّد قدمت نفسي: “أنا حامد من قسم النقل أريد أن أقول إنّني وزملائي في القسم نمشي كلّ يوم أثناء العمل أكثر من أحد عشر كيلومترا أي ما يقارب نصف سباق الجري  “مارتون” وأنا أقيس هذه المسافة باستخدام تطبيق على هاتفي الجوال، وأريد أن أسأل العمدة: السيد العمدة هل تستطيع أن تعمل عملي هذا فقط ليوم واحد؟”

لقد كان لكلمتي هذه وقع كبير الأمر الذي زاد هتاف الزملاء وتصفيقهم وإشادتهم بما قلت وخاصة تلك الحسناء التي حطّمت حاجز الخوف والتردّد لدي. عندما اقتربت منّي وهنأتني على جرأتي وكلمتي المميّزة.

انتشرت مقطع الفيديو الذي وثّق كلمتي في وسائل التواصل الاجتماعي، والتقطته الصحافة المرافقة وطُلب منّي السماح بنشره فلم أتردّد وأنا الذي يبحث عمّا يشهره في هذه البلاد.

اهتزّ هاتفي الجوال منبئا بقدوم رسالة، قرأتها كانت من مديري المباشر في العمل يطلب منّي الحضور فورا إلى مكتبه.

توجهت إلى المكتب وعندما وصلت لم يرحب بي كعهده، بل طلب منّي تسليم عهدة العمل التي لدي فورا، فأنا مفصول من العمل، لأنّني أخللت بعقد العمل الموقع بيني وبينهم بألّا أستخدم هاتفي الجوال أثناء العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى