سوريا وإشكالية العقد المستحيل: السلطة والمجتمع وانعدام الثقة

مصطفى إبراهيم المصطفى

كان للسقوط الدراماتيكي المفاجئ لمنظومة الحكم في سوريا وقع عظيم لدى السوريين، فعلى اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم أخذتهم المفاجأة. وما إن بدأ السوريون يستعيدون توازنهم حتى امتلأ الفضاء العام بأطروحات ومطالب لا حصر لها، ولكن الملفت كان ما طرحته بعض النخب التي رفعت الصوت عاليا مطالبة بصياغة عقد اجتماعي جديد، فماذا يقصد السوريون بالعقد الاجتماعي؟ وأي عقد اجتماعي كان لديهم؟ وهل يمكن للنخب السورية أن تتوافق على عقد يرضي الجميع؟

العقد الاجتماعي والدستور

ظهرت فكرة العقد كأساس لنشأة الدولة في القرن السادس عشر، وكان للفلاسفة الثلاث: “توماس هوبز” و”جون لوك” و”جان جاك روسو” الفضل في صياغة نظرية العقد الاجتماعي وإبراز مضمونها. اتفقت النظريات التي قال بها هؤلاء الفلاسفة على إرجاع النشأة الأولى للدولة إلى فكرة العقد، وأن الأفراد انتقلوا من الحياة البدائية التي كانوا يعيشونها إلى حياة الجماعة المنظمة بموجب العقد.

وبهذا المعنى يمكن تعريف العقد الاجتماعي بأنه اتفاق افتراضي أو ضمني أبرمه الأفراد فيما بينهم للخروج من حالة الفوضى والانتقال إلى حالة النظام عبر إنشاء سلطة سياسية تتولى إدارة المجتمع.

تعرضت نظريات العقد الاجتماعي لنقد واسع ولم تكن أفكارها مقبولة في تفسير نشأة الدولة، إذ لا يمكن القبول بفكرة أن الدول نشأت من خلال اجتماع الناس وتعاقدهم مع مجموعة صغيرة منهم بأن يتنازلوا لهم عن جزء من حريتهم مقابل إدارة شؤونهم وحمايتهم وتحقيق الصالح العام كما تطرح هذه النظريات. ولكن رغم ذلك؛ فإن هذه النظريات قدمت الإطار الفكري والفلسفي للديمقراطية وتقرير الحقوق والحريات العامة، إذ جعلت الحكام يحكمون بموجب عقد مع المجتمع خلافا لفرضيات الحق الإلهي وسواها. ومع مرور الزمن انتقلت نظرية العقد الاجتماعي من كونها مجرد تفسير فلسفي لنشأة الدولة إلى كونها أساساً قانونياً يبرر شرعية الدستور.

على المستوى الأكاديمي مازال المفكرون يميزون بين العقد الاجتماعي والدستور، فالعقد الاجتماعي هو مفهوم في الفلسفة السياسية يشرح أصل السلطة السياسية وشرعيتها، ويهتم بسؤال: لماذا نطيع السلطة؟ بينما الدستور – باختصار – هو الإطار القانوني لتنظيم السلطة داخل الدولة، ويهتم بسؤال: كيف تُمارس السلطة؟ وعلى هذا المنوال يتحدث المنظرون عن فوارق جوهرية بين المفهومين، ولكن الجميع يقر أن الدستور غالبا يعكس نوع العقد الاجتماعي السائد، فإذا كان العقد قائما على الحرية يكون الدستور ضامنا للحقوق، أما إذا كان قائماً على الأمن فقط فإنه يميل للسلطوية.

الدستور هو الإطار القانوني لتنظيم السلطة داخل الدولة، ويهتم بسؤال: كيف تُمارس السلطة؟

العقد الاجتماعي في عهد حافظ الأسد    

عرف السوريون في مرحلة ما بعد الاستقلال بذور عقد اجتماعي ليبرالي هش، فهناك دستور قائم ومؤسسات ناشئة، وهناك تعددية سياسية نسبية مع محاولات لبناء الشرعية عبر الانتخابات، لكن الانقلابات العسكرية المتكررة أضعفت هذا العقد ولم يتحول إلى اتفاق مستقر بين الدولة والمجتمع. وهكذا إلى أن جاءت نقطة التحول الحقيقية مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، حيث أرسى معادلة هي أقرب إلى الترتيب السلطوي المستقر منها إلى العقد الاجتماعي. وإن جاز أن نسميه عقداً فهو “عقد استقرار مقابل الطاعة”.

ومن ملامح هذا العقد أن الدولة توفر الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية وقدراً واسعاً من الوظائف الحكومية، بينما يقدم المجتمع الولاء السياسي ويمتنع عن المعارضة. ومن خصائصه أنه ضمني غير معلن قائم على التوازنات الاجتماعية ومدعوم بالقوة. وكجزء من هذا العقد المفترض كان حافظ الأسد حريصاً على أن تكون أغلب فئات المجتمع ومكوناته ممثلة في مؤسسات السلطة، ولكنه تمثيل يمكن أن نسميه “التمثيل القسري”. بمعنى أن السلطة، أو رأس السلطة هو من يختار ممثلي هذه الجماعات وليست هي من تختارهم. وبمعنى آخر كان حافظ الأسد يختار أشخاصاً يوالونه ولا يكترثون كثيراً بمن يُفترض أنهم يمثلونهم.

كان تحالف حافظ الأسد قائماً على اقتصاد ريعي – سلطوي. بمعنى أن الدولة تحصل على موارد (ريع) ثم تعيد توزيعها على فئات معينة: موظفو الدولة، والجيش والأجهزة الأمنية، وفئات ريفية صاعدة. مقابل ذلك كان يحصل على الولاء السياسي ومن ثم الاستقرار. وهذا النموذج يحتاج إلى موارد ثابتة، ونمو سكاني متوازن، وقدرة على التوظيف العام. ونتيجة للتضخم السكاني الكبير والعجز المالي المتزايد، وترهل القطاع العام بدأ الأساس الاقتصادي للعقد يتآكل، فسقط ضلع الوظيفة والدعم، وبقي الأمن وحده، ولم تعد الدولة قادرة على الوفاء بواجباتها من العقد.

السلطة، أو رأس السلطة هو من يختار ممثلي هذه الجماعات وليست هي من تختارهم. وبمعنى آخر كان حافظ الأسد يختار أشخاصاً يوالونه ولا يكترثون كثيراً بمن يُفترض أنهم يمثلونهم

سوريا بدون عقد اجتماعي

بدأ العقد الاجتماعي الذي صاغه حافظ الأسد بالتآكل منذ العقد الأخير من حكمه نتيجة لتراجع الريع، وخاصة بعد نهاية الدعم الخليجي وانخفاض الموارد مع الزيادة الكبيرة في عدد السكان. لذلك كان من الضروري أن تتغير الصيغة العامة للعقد الاجتماعي الذي ساد في عهد حافظ الأسد بعد أن انتقل الحكم إلى وريثه بشار الأسد. وبعبارة أدق: حتى لو أن حافظ الأسد ذاته استمر في الحكم فهو لن يستطيع أن يحافظ على الصيغة الأساسية للعقد الذي أرساه بنفسه، فنتيجة لشح الموارد وزيادة الطلب لم تعد الدولة قادرة على شراء الولاء كما في السابق.

عند وصول بشار الأسد إلى الحكم أجهز على ما تبقى من عقد أبيه المتآكل (التوزيع مقابل الولاء)، لكنه في الوقت ذاته فشل في بناء عقد جديد رغم أنه في بداية عهده لمح لفكرة عقد جديد فحواه: المشاركة مقابل الشرعية، لكن وعوده بالإصلاح وفتح المجال أمام المشاركة السياسية قد تبحرت. وعلى هذا الأساس يمكننا فهم العقد الاجتماعي في عهد بشار الأسد بوصفه حالة من التحول من عقد ريعي – سلطوي إلى غياب العقد. وهكذا أطلت المشكلة الأزلية التي تعاني منها الأنظمة المغلقة، فهذه الأنظمة – بالعموم – تفتقر إلى مسار إصلاحي داخلي مستدام، وعندما تظهر الأزمة، لا تجد سوى خيارين: القمع، أو الانهيار.

مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011 تحولت العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى علاقة صراع مفتوح، وفقدت الدولة لدورها كضامن شامل، وانقسم المجتمع سياسياً وجغرافياً، أما في السنوات الأخيرة، فيمكن الحديث عن شكل جديد ومحدود جدا من العقد الاجتماعي، فالدولة تؤمن حداً أدنى من الأمن في مناطق سيطرتها، بالإضافة إلى شبكات دعم محدودة (خبز، ووقود، ومساعدات) مقابل الولاء السياسي أو على الأقل عدم المعارضة والقبول بالأوضاع الاقتصادية الصعبة. وهذا في الحقيقة ليس عقداً اجتماعياً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو أقرب إلى ترتيب بقاء.

مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011 تحولت العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى علاقة صراع مفتوح، وفقدت الدولة لدورها كضامن شامل، وانقسم المجتمع سياسياً وجغرافياً

نحو عقد اجتماعي جديد

بالعودة إلى مطالب بعض النخب السورية بصياغة عقد اجتماعي جديد يبدو أن المفهوم هنا يتطابق مع الدستور. بمعنى أنه “كيف يجب أن تمارس السلطة لكي نطيعها”، ففي ظل انعدام الثقة بين مكونات المجتمع يبدو أن جميع هذه المكونات تطالب بالمشاركة بالسلطة، وبما أن الجميع لا يثق بالجميع، فالكل يتحدث عن ضمانات دستورية شديدة الوضوح. وفي قراءة ما بين السطور تبدو المطالب في حقيقتها هي دستور محاصصة طائفية من شأنه أن يكرس انقسام المجتمع ويعمقه إلى أجل غير مسمى.

تظهر العقود الاجتماعية عادة عندما لا يستطيع طرف أن يحسم الصراع نهائياً، ولا يستطيع طرف أن يُقصي الآخرين. وهذه الفكرة قريبة من منطق توازن القوى، فإذا وُجد توازن بين قوى المجتمع تكون الحاجة ماسة إلى التفاوض والتعاقد، أما إذا وُجد منتصر مطلق فإنه يفرض نظاماً. وعلى هذا الأساس حاولت بعض القوى أن تتحالف لعلها تفرض حالة من توازن القوى على أمل أن تجعل الحكومة ترضخ لمطالبها وتتعاقد معها. وعلى هذا الأساس أيضا كانت الحكومة السورية الجديدة تسعى لإنهاء حالة الصراع أولاً، وتثبيت حد أدنى من الاستقرار.

نظريا، تبدو مطالب معارضي الحكومة أكثر جاذبية وتقدماً مما تسعى إليه الحكومة من فرض النظام، ولعل فكرة العقد الاجتماعي الجديد أكثر تماشيا مع الفكر الثوري، ولكن يبدو أن الأمور لا تقاس على هذا المنوال دائما، فالعقد الاجتماعي الذي يهدف إلى المحاصصة وتكريس الانقسام المجتمعي ليس أفضل من نظام يحافظ على وحدة المجتمع؛ شرط أن تسعى الحكومة لصياغة عقد اجتماعي جديد ينال رضى الأغلبية من السوريين ويحقق مصالحهم. ولأن العقد ليس مجرد مصالح فقط، لا بد للحكومة من إنتاج سردية وطنية مشتركة تجيب عن سؤالي: لماذا نعيش معاً؟ وما الذي يجمعنا؟

في مجمل الأحوال تقدم الحالة السورية نموذجاً صارخاً عن الدول التي يصعب فيها الوصول إلى عقد اجتماعي حضاري يرضي الجميع، وذلك لغياب الثقة العميق بين مكونات المجتمع نتيجة لتراكمات تاريخية من القمع والخيانات السياسية والانقلابات. ولكن رغم ذلك لا بد من عقد ضمني بالحد الأدنى، وإن كانت الحكومة عاجزة عن إنتاج هذا العقد في الوقت الراهن، فلا بد من تأمين حد أدنى من الاستقرار والخدمات وسبل العيش، فنظام الأسد لم يكن محبوباً بالضرورة، لكنه كان مقبولاً وظيفياً لأنه كان يؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار والعيش.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى