
لم يكن عدد دارسي الفرنسية في تلك السنة كبيراً. كنا أحد عشر تلميذاً من الصف العاشر الأدبي في ثانوية التجهيز الأولى الرسمية باللاذقية ( صار اسمها ثانوية جول جمال ، بعد استشهاد هذا الضابط البحار السوري خلال حرب السويس عام ١٩٥٦) ، التي يقع بناؤها الرائع، الذي تم بناؤه في اواخر العشرينات في منتصف المدينة .
في تلك الأيام ، كان الأهل هم الذين يختارون لأبنائهم اللغة الأجنبية التي يدرسوهنا ، فاختار أبي لي ولثلاثة من أخوتي اللغة التي درسها واتقنها زمن الانتداب الفرنسي ، أي اللغة الفرنسية ، رغم تراجعها أمام اللغة الانجليزية ، لغة أميركا الصاعدة في سماء السياسة والاقتصاد الدوليين، ورغم كرهه لفرنسا الاستعمارية . من جانبنا ، نحن التلاميذ، فان تصاعد المد القومي المعادي للغرب في الوطن العربي ، وهو تصاعد تجند الطلبة له بحماسة واندفاع ، كان يثير لدينا احساساً غامضاً بأننا نضيع وقتنا في دراسة لغات استعمارية فات زمانها ، فكنا ننظر باستخفاف الى الساعين لتعلم واتقان اللغتين الانجليزية والفرنسية ، ونتمنى في قرارة أنفسنا دراسة اللغات المستقبلية ، لغات الأمم الثورية ، كالروسية أو الصينية أو الكورية أو الفيتنامية أو المنغولية، التي كان انتماؤنا إلى الحزب الشيوعي السوري يضعنا في صفها ومعها ، وانتمائنا إلى طائفة الروم الارثوذكس يقربنا روحياً من قوتها القائدة ، التي كان
لساننا المذهبي يسميها روسيا ولساننا الايديولوجي يتغنى بها بوصفها بلاد السوفيات.
في تلك الاجواء ، دخل الى صفنا في أحد أيام شهر شباط من عام ١٩٥٥ شاب أبيض الوجه جميل العينين نحيل الجسد ، قال الموجه انه استاذ الفرنسية الجديد وان اسمه هوالياس مرقص . فقلنا في سرنا ونحن نتبادل نظرات ذات معنى : هو ذا اذن ابن البرجوزاية ( كان آل مرقص من أغنى أسر اللاذقية ، ذات يوم ) آت لتعليمنا لغة الاستعمار . وأحسسنا بالعدائية تجاهه. انصرف الموجه ، فوقف الشاب الناحل يقدم نفسه ويحكي لنا بطريقة شائقة تخلو من التكلف عن دراسته واهتماماته وقراءاته وعن الظروف والبلدان التي درس بها . حين انتهى بعد عشرة دقائق ، طلب الينا تعريفه بأنفسنا كأفراد ، وبالوسط الاجتماعي الذي ننتمي اليه . ثم أصغى الى كلماتنا المتعثرة بانتباه وتعاطف ، وساعدنا بأسئلة مازحة ودقيقة على تجاوز هذا الاختبار، الذي كان الأول من نوعه بالنسبة لنا ، لأن غيره من الأساتذة كانوا يعطوننا ورقة بيضاء وهم يطلبون الينا كتابة اسمائنا فيها ، دون أن يقدموا أنفسهم لنا الا في حالات نادرة . بنهاية الفترة المخصصة للدرس ، كان الرجل قد حفظ أسماءنا جميعا وكسب مودة قسم منا ، بل اننا كنا قد تلقينا دعوة مفتوحة منه لزيارته ، وللإفادة من مكتبته أو لمناقشته في ما نريده من قضايا . خلال هذه الساعة الممتعة والفريدة من نوعها بالنسبة لعلاقاتنا
مع اساتذتنا ومع بعضنا ، اكتشفنا اننا لم نتعرف عليه فقط ، بل تعرفنا على بعضنا أيضاً ككائنات اجتماعية، وقد ألقى أحدنا خلال التعارف نكتة ، فضحك حتى كاد يقلب على قفاه وهو يضرب كفاً بكف ويكرر : فظيعة، فظيعة. مهولة ، مهولة . باختصار: في نهاية هذه الساعة الأولى كنا قد أيقنا ان الرجل واحد منا ، وان ابن ” اسرة مرقص البرجوازية ” ليس سوى شاب مكافح من وسط اجتماعي يشبه الوسط الذي نعيش فيه ، ويشبهنا .
خرجنا من الصف الى الباحة نخبر أحد مسؤولي الحزب (المرحوم ابراهيم الخليل) بقدوم استاذ جديد لمادة الفرنسية الينا ، فقال : هذا واحد من رفاقنا المناضلين ، وهو مثقف ستاليني كبير. ويقال انه شارك ، عندما كان في اوروبا في قيادة ثورة فلاحية في ايطاليا وانه خاض حرب كوريا في صفوف المتطوعين الامميين . يقال أيضا ان الرفيق خالد استقبله شخصياً عند عودته الى البلاد وتدارس معه بعض القضايا الحساسة ، وقال انه مثقف الحزب الأول .
ما ان مرت أسابيع قليلة ، حتى كان اسم الرجل العائد من أوروبا على كل شفة ولسان في المدينة الصغيرة ( كان عدد سكان اللاذقية آنذاك ٧٠ ألفاً ) بسبب الأفكار التي طرحها على الجو السياسي ، والآراء التي قال بها ، وقامت ، آما كان يقول آنذاك ، على السباحة ضد التيار السائد. أمن المستغرب ان يتحول هذا المناضل الكثير المعرفة المتنوع الاهتمامات الشديد التواضع الى نقطة جذب للجيل الفتي من الاتجاهات السياسية المختلفة ، وان يصبح مركز استقطاب للشبيبة الشيوعية ، التي كان الحزب يكرر على مسامعها بصورة يومية ان امتلاك الحقيقة هو شرط الوصول الى الخلاص الطبقي والوطني ؟ . وقد زاد من أندفاعنا الى الياس ومن التصاقنا به ان حزبي البعث والاخوان المسلمين كانا يملكان طاقماً كبيراً من الاساتذة في مختلف المدارس لم يتوفر الحزب الشيوعي على مثله ، فكان جل مدرسي العلوم الاجتماعية والانسانية من البعثيين ومعظم اساتذة العلوم الطبيعية من الاسلاميين ، بينما المنتمون الى الحزب من الاساتذة نادرين في الجهاز التعليمي ، فان وجدوا فيه مارسوا أدوراً ثانوية بالقياس الى غيرهم . لهذا ، عندما جاء الياس، والتحق بالتدريس، بدا وكان الحزب قد نجح في موازنة التيارات الأخرى وانه تفوق عليها ، بسبب العلم الغزير والثقافة الاسطورية التي يملكها مناضله ، القادر على التصدى عن معرفة وجدارة لأية مشكلة
تربوية أو علمية تطرح نفسها عليه أو تطرح في حضوره . من هنا عد وصوله الى المدينة ونشاطه فيها نقلة نوعية بالنسبة للحزب كله ، وخاصة منه نحن الشبان ، الذين آنا على تماس يومي معه ، مثلما غدا نشاطه خلال الفترة التي تلت خلافه مع الحزب وطرده منه نقلة نوعية بالنسبة للماركسية العربية ولوجود الحزب الشيوعي ولعلاقته بالمجتمع وبأعضائه . وعلى آل ، فانه من الضروري العودة الى أوضاع تلك الأيام ، لتبيان الدور الذي
لعبه الياس في الحزب في أواسط الخمسينات ، ولماذا مثل نقلة نوعية ومنعطفاً سياسياً وفكرياً تاركاً في جيلنا وفي الأجيال التالية له أآبر الأثر وأبعده .
كان الحزب الشيوعي السوري يركز في أواسط الخمسينات القسم الأكبر من جهده على علاقاته الخارجية ، التي رأى فيها رافعة عمله كله ، والعامل المقرر لنمط روابطه
ومواقفه مع قوى الداخل السوري . أما مركز هذه العلاقات الخارجية فكان الاتحاد السوفياتي ، ” الوطن الحقيقي لجميع بروليتاريي وكادحي العالم ” ، وعدو
الاستعمار ( لم تكن كلمة امبريالية متداولة أنذاك) الذي يجب مساعدته وحمايته والقتال الى جانبه في آل مكان. أما داخل البلاد ، فكانت سياسة الحزب تقوم على نظرية ستالين ( تلازمه صفة العظيم آلما ذكر اسمه ) حول ثورة مرت بمرحلتين تمثل عملياً ثورتين مختلفتين : مرحلة أو ثورة ديموقراطية برجوازية ( اسميت ثورة وطنية ديموقراطية أيضا ) ستقودها البرجوازية ، علامات نجاحها الهامة التصنيع والعداء للاستعمار ( وهما مهمتان ستنجزهما ، آما كان يقال انذاك ، البرجوازية الصناعية) والقضاء على الاقطاع أو على نمط الانتاج ما قبل الرأسمالي . في هذه الثورة الأولى ، على الحزب الشيوعي أن ينظف الطريق امام مرحلة البرجوازية المتقدمة ، فيكافح ضد الاقطاع من جهة، وضد الأطراف المرتبطة بالاستعمار حكماً من البرجوازية الكومبرادورية والمصرفية من جهة ثانية ، مضفياً طابعاً ديموقراطياً وثورياً على الثورة الديموقراطية البرجوازية ، ومعداً الطبقة العاملة للمرحلة أو للثورة الثانية ، المرحلة أو الثورة الاشتراكية ، عن طريق تعليمها فنون النضال الجذري ، وادارة المعارك السياسية والاجتماعية الكبرى ، وبناء حزبها كسلطة بديلة ، مؤهلة للاستيلاء الحكم عقب اقامة حلف شعبي يتمحور حول العمال والفلاحين الفقراء ، تنتشر من خلاله ايديولوجية الاشتراكية إلى أوسع فئات السكان ، ويتم تسليح الشعب ( بما ان الثورة هي اسقاط طبقة حاكمة لا يمكن ان تتخلى عن الحكم بمحض اختيارها ، فإن تسليح الشعب يصبح أمراً لا مفر منه ) . هذه الثورة الثانية ستصل بالحلف الثوري الى السلطة التي ستنتزع من البرجوازية .
على الصعيد الايديولوجي كان الحزب آنذاك في طور ما قبل لينيني ، طور ستاليني مخلوط بنزعة ارادية جامحة ، تأخذ شكلاً يمينياً جبانا مرة ويسارياً ثوروياً متهوراً مرات ومرات . لم يكن الحزب يعرف الماركسية- اللينينية،
فكان يقول في ادبياته ” بالماركسية – الستالينية ” . وما زلت أذكر اجابة احد مسؤولي التثقيف على سؤال أردت أن أعرف من خلاله من يكون لينين ، فقد قال انه
شخص قليل الأهمية في الثورة عينه الرفيق ستالين رئيساً للاتحاد السوفياتي ، فبقي في هذا المنصب سنتين قبل أن يموت مغتالاً على يد التروتسكيين . هذه الايديولوجية الماركسية – الستالينية تكون من قواعد وأسس تصلح في
آل مكان وزمان ، يكفي أن يفهمها الرفيق الشيوعي حتى يصير عبقرياً لا يشق له غبار، يتفوق على أي مفكر برجوازي مهما بلغ علمه . من هذه القواعد والأسس أن الستالينية نظرية معصومة تتضمن سائر تجليات
الحقيقة العلمية والاجتماعية ، وأن الحزب حامل الستالينية معصوم بدوره ، وان أمين الحزب العام ، ستالينه المحلي ، هو أسمى وأقدس كائن في بلاده وشعبه ، بما انه أسمى كائن في الحزب، الذي ليس تجمعاً طوعيأ من أبناء مجتمع ما ، بل هو عصارة الخير والمعرفة ، ومجسد الارادة التاريخية السامية ، المبثوثة في سائر الأحداث العملية ولكن الخفية ، في الوقت نفسه ، والمستغلقة جزئياً على افهام الحزبيين وآليا على البشر العاديين ، و التي ينفرد الرفيق الأمين العام بادراكها، فيفيض بجزء من ادراكه على الحزب ، الذي يفيض بدوره بقسم منه على الطبقة العاملة ، حاملة الخير المطلق ولكن الخام والنقي، التي ما ان تتلقح بوعي الحزب (مفهوماً بالطريقة التي وصفناها ، كاستكانه لإرادة تاريخية مقررة و خفية لا يدرآها احد غير الأمين العام وخاصته من القادة ) حتى تتحول إلى طبقة ثورية تتطابق ارادتها السياسية – الاجتماعية تطابقاً تاماً مع خامتها التاريخية الثورية فتبلغ عندئذ مرحلة النزاهة المطلقة وتعجز عن ارتكاب الخطأ حتى لو أرادت ذلك ، و يجسد آل
فرد فيها أعلى ما في مجتمعه من اثرة وتضحية وتفان . هذه الصفات الخام، اللصيقة بالعمال، تؤهلهم للقيام ، متى انتقلوا إلى الوعي وانتسبوا الى الحزب ، بمهمة تاريخية فريدة من نوعها هي مهمة تحرير الانسانية مما علق بها من طور ما قبل انسانيتها وحريتها البرجوازي أو الاقطاعي . و لكن بما ان العمال يعجزون بمفردهم عن بلوغ وعي ما بعد نقابي ، فإن الحزب ، ناقل الوعي اليهم من خارجهم ، هو بالضرورة قاطرة التاريخ
الحقيقية وخميرة التغيير الشامل والتحرر الكوني ، الذي تظهر من خلاله قدرات أمين الدعوة العام ، الكائن القدسي ومالك مفاتيح واسرار الارادة التاريخية ، العارف بسيمياء المجتمع وبأساليب انتقاله من حالة
العبودية المطلقة التي يرزح تحتها دون أن يعيها إلى حالة الحرية الشاملة (كان الحزب يعلمنا أنذاك أغنية يقول أحد مقاطعها : خالد (خالد بكداش) يهدي خطانا في طريق الخالدين !. ماذا كانت حاجتنا اذن الى الفهم والعلم ؟ ) .
بهذه الايديولوجية المأخوذة من الفكر المذهبي ، وكانت وظيفتها الأساسية تحويل الحزب الى عصبة مفصولة عن مجتمعها ، تمتنع عن محاورته باسم تقدمها ورجعيته ،
طهرها الثوري وفواته وبؤسه واختلاط الأمور عليه .. الخ، كان الحزب يواجه التحولات الكبرى، التي وجدت بلادنا نفسها حيالها بعد تحررها من الاستعمار. وزاد الطين بلة ما كانه وضع الحزب الذاتي، الذي لم يكن يملك أية تقاليد أو بنى ديموقراطية في داخله ، أو يعرف أساليب الحوار، صريحاً كان هذا أم خفياً ، أو يؤمن بأي شكل من
أشكال الأخذ والعطاء الفكري مع المجتمع أو مع الطبقة العاملة ، بل كان يرى في نفسه ( وبالاحرى في امينه العام ) مالك الحقيقة الوحيد ، الذي يخلعها على من هم خارجه ، فيطهرهم بمعجزات الايديولوجية الثورية من
أوصابهم الطبقية والاجتماعية والسياسية ويدخلهم الى ملكوته القدسي . كان الحزب يفيد يومذاك من صراع العرب القومي ضد الاستعمار ، ومن وقوف السوفيات ضد الغرب ، فيمتد وينتشر الى طبقات المجتمع الدنيا وخاصة منها عمال المرفأ ( نظم الحزب المظاهرات ضد بناءه ،
بذريعة انه سيكون قاعدة لحلف الأطلسي ضد الاتحاد السوفياتي . أما دليله على ذلك فكان أن شركة يوغسلافية ( تيتوية وتحريفية بلغة تلك الأيام ) هي التي بنته ! ) والى الفلاحين الفقراء في القرى القريبة من المدينة، وأوساط الطلبة والموظفين . ومع ان انتشاره لم يكن قابلاً للمقارنة بحجم انتشار حزبي البعث والاخوان المسلمين ، فإنه كان انتشارا مقبولا .
كان وضع الحزب العام ، الموضوعي ، مرضياً من الناحية الظاهرية . أما وضعه الخاص، الذاتي ، فم يكن كذلك ، بسبب سيادة الايديولوجية الستالينية في وعيه ، وانعدام الديموقراطية انعداماً مطلقاً في حياته الداخلية وفي علاقاته مع الشعب ، واعتقاده ان ما سيجري في سوريا هو بمعنى من المعاني تكرار لما جرى في
روسيا من حيث السياسة ، أي من حيث الفاعلية الثورية، وتكرار لما حدث في اوروبا من حيث التطور الاجتماعي الذي كانت الايديولوجية الرسمية تساويه دوماً بالتطور الطبقي . في تلك الأيام ، لم يكن الحزب يملك
نظاما داخليا ، وكان عهده بالمؤتمرات بعيداً ( عقد مؤتمرين منذ تأسيسه عام ١٩٢٤ ) وكانت هيئاته تعين من قبل أمينه العام ، الذي كان يتصرف بها على هواه ( سأل الرفيق خالد بكداش الرفيق هاني حداد ، عضو القيادة المنطقية في مدينة اللاذقية انذاك ، عن عدد أعضاء منظمة الحزب، فأجاب : مائة وثلاثون رفيقاً . قال
الرفيق خالد له : كلكم كم بلعوص ، وتعملون هذه المشاكل. بدي أطرد المنظمة وأسس غيرها وارتاح . عاد الرفيق هاني الى اللاذقية ثم ترك الحزب بعد حين، لأنه يرفض أن يكون في مزرعة يملكها خالد بكداش! ) تتحكم به
أعراف وعادات تنظيمية تشبه الأحكام العرفية الداخلية، التي كانت القيادة تبررها بالوضع السياسي العام ، ” نصف السري- نصف العلني ،، الذي كان يسمح لها بكل شيء عدا بناء مؤسسات ديموقراطية . من جهة
أخرى ، فان مبادئ التنظيم تقلصت إلى مبدأ وحيد هو خضوع الأدنى للأعلى ، فصار شخص الأمين العام أعلى هيئة في الحزب وغدا فوق أي نقد وأية مساءلة . آما غدا آل من تحته خاضعاً لسطوته دون أن توجد نواظم من أي نوع لعلاقاته بها أو لعلاقاتها به ، ودون أن يكون بينها وبينه أية معيارية تنظيمية معترف بها . في هذه الأجواء، كان لا بد أن ينجب الأمين العام الكبير امناء عامين صغاراً على صورته ومثاله في المنطقيات والفرعيات ، فتحول الحزب الى منظمة للعسف والتسلط ، تحكم الأعلى فيها بالأدنى ، وسيطر القوي على الضعيف ، واضطهد المسؤول غير المسؤول ، فكمت الافواه وشلت العقول وعمل
الحزبيون في جو خوف من المحاسبة والمساءلة الانتقاميتين شل اراداتهم ، وتحول المناضلون الى أدوات تنفيذية بيد القيادة الغائبة والبعيدة ، التى لا تعرفهم ولا تعرف مشاكلهم ؛ أو أنهم تركوا الحزب خائبي الأمل ، بعد أن صدمهم وجود هذا القدر من الظلم والارهاب والعسف في
حزب يدعي الرغبة في تحرير المجتمع ، واحبطتهم مقدرة حزب البؤساء على التسبب بهذا القدر من البؤس لأعضائه .
من بعيد ، من خارجه ، كان الحزب يغرى بالانتساب اليه . اليس هو حزب العقلانية والنظرية الثورية والعدالة الاجتماعية ، واداة الضعفاء الى حقوقهم والى إنصاف مجتمعهم كله في آن معاً ، والتجسيد الحي لمستقبل نظيف تنتفي فيه أشكال الاستغلال والتمايز ، رغم ان الواقع المحيط به فاسد وظالم ؟ غير إن من كانوا ينتسبون اليه سرعان ما كانوا ينتبهون الى تعارض صورتهم عنه مع واقعه الفعلي . فكانوا يقومون بمحاولات يائسة لإصلاحه ، قبل ان يطردوا منه أو يتركوه ، تطاردهم تهم العمالة
لمخابرات اميركية أو انجليزية أو ألمانية أو فرنسية ما. بدورهم ، كان الرفاق الذين يبقون في صفوف الحزب ، يتقمصون شخصية أمينه العام ، الذي كانت “القيادة” تقدم لهم ممارساته بوصفها شكلاً نبيلاً لثورية قصوى ، تضرب عرض الحائط بالاعتبارات البرجوازية للحياة اليومية التي يعيشها عامة الناس . من أمثلة هذا
التقمص الذي أفضى الى أجواء من العسف والاضطهاد ، ان الحلقة التي آنت فيها ضمت رفيقاً قروياً عرف بترك الحبل على غاربه لسجيته وفطرته السليمة ، فكان يقول دون تعقيد ما كان يفكر به . هذا الرفيق قال خلال اجتماع ،
رداً على استشهادات مسؤول الخلية بلينين : ان استشهادك بلينين ليس في محله ، وعلى آل حال فإن لينين كان يغلط كغيره من البشر، ثم تساءل بلهجة غاضبة : شو لينين االله!. فما كان من المسؤول الا ان عنفه بغضب عاصف ، لأنه حط من قيمة لينين وحقره ، قبل ان يأخذ ” الاجراءات الضرورية ” ضده ، بحجة أنه لا بد أن يكون ” اخونجيا ” تسلل الى صفوفنا . وهكذا كان ، فقد قرر طرده فوراً من
الفرقة الحزبية ، وأبلغه ، و نحن ما نزال في الاجتماع ، موافقة الفرعية والمنطقية الفوري على قرار الطرد ، مع انه لم يكن عضواً فيهما ولم يستشرهما في الأمر . وقد اخرجنا ” فلاحنا الفصيح ” من الاجتماع دون ابطاء ، بعد ان أخذنا قراراً يلزمه ، هو المطرود من الحزب ،
بالحفاظ على سرية التنظيم واسراره !. هذا الرفيق كان ينقض علي معانقاً ومقبلاً آلما رآني ، لأنني اسهمت، عن غير قصد مني ، في اخراجه من حالة كان متورطاً فيها دون أن يفهمها ، هي حالة الشيوعي الذي يراد منه ان يغير العالم دون ان يشغل عقله أو يجرؤ على خوض أي نقاش من
أي مستوى كان مع ” رفاقه ” في الحزب والقيادة !. الى ذلك ، فقد ضمتني في مرة أخرى حلقة الى حزبيين بينهم
عامل في المرفأ ودهان وميكانيكي وحارس ليلي . بما انني آنت “المتعلم ” الوحيد بينهم ، فقد قرر مسؤول الفرعية تعييني مسؤولاً عن الخلية ، رغم ان أعضاءها كانوا أآبر سناً مني ، ورغم ان العامل كان صاحب خبرات نضالية جدية وعضواً قديماً في الحزب . ذات مرة سأل الدهان ، الذي كان مسيحياً يعارك وعيه الديني ، عن
الفرق بين الأديان المقدسة الثلاثة ، فقدم له مسؤول التثقيف الحزب في اللجنة المنطقية شروحاً اعتقد اهنا ليست كافية ، فأخذ يماحك ويجادل ، بأمل الافادة من معارف رفيقه. أخيراً قال له المسؤول : ” أنت تضيع وقتنا بهذه التفاهات ، فالدين تجاوزه الزمن والتطور ، وما عاد من الضروري الوقوف عنده واضاعة الوقت في مناقشات عقيمة حوله ، فسكت الآخر . بعد أيام اخبرني مسؤول التثقيف الحزبي انه تدارس أمر الرفيق مع القيادة ، وابلغني قرار طرده من الحزب ، لكونه
برجوازياً صغيراً طائفياً . حين أبدى أخيراً استغرابه للسرعة التي قبلناه بها في الحزب ، وكاد يكتشف مؤامرة مرتبة بعناية ، اخبرته انه رفيق قديم صمد أيام الشيشكلي في السجن ، وانه يوزع يومياً عشرات النسخ من
جريدة الحزب في القرى المحيطة بالمدينة ، ولم يسبق ان تخلف عن اجتماع أو مهمة حزبية ، فقال بصوت متأمل : لقد عرف كيف يتسلل الينا ويخدعنا طيلة الفترة المنصرمة ، وهوما يجعل طرده مسألة ملحة بصورة خاصة . قبل ذلك وأمام ترددي عرض لي بألوان مخيفة الأخطار الناجمة عن تسلل قوى البرجوازية الصغيرة الى ” حزبنا البروليتاري”، وأخبرني اهنا هي التي حالت بيننا وبين القيام بالثورة .
كان الرفاق الذين يفضلون البقاء في الحزب يعرفون تمام المعرفة افكار قيادتهم حولهم ، فكان المثقفون منهم يبررون بقاءهم داخل صفوفه بالقول : ان ” التطور الموضوعي ” سيفرز بالتأكيد قوى من داخل الحزب تضع حداً للشطط الحاصل في قياداته وعمله . أما الأقل ثقافة ومعرفة ، وهم اغلبية الأعضاء ، فكانوا يؤمنون ان الحزب الطليعي لا يمكن ان يكون الا هكذا، وانه بغير هذه البنية والعقلية لن يصل في أي يوم من الأيام الى انجاز الثورة ، هذا الفعل الجبار، الذي يتطلب قدراً كبيراً من التضحية والانضباط على صعيد اعضائه ، وقدراً أآبر من الحزم والقوة والمركزية على مستوى قياداته . بمثل هذا
الايمان بالحزب كجسدية حاملة للخير الموضوعي ، تحمل رجال شجعان واحرار الضمير مظالم لا يحتملها العبيد ، وبرروا سلوكيات وسياسات استغربوا فيما بعد انهم قبلوها ، ودفعهم خجلهم * اعتبر التطور الموضوعي التطبيق العملي، التكتيكي ، للإرادة التاريخية ، فتمتع بدوره
بصفات قدسية وخفية مستقلة عن البشر وخارجة عن وعيهم. منها الى انكار حدوثها ، او الى ادانة أنفسهم التي احتملتها في حينه ودافعت عنها. من أمثلة هذه الازدواجية ، ما جرى لنا مع أحد مبعوثي القيادة
الحزبية الى اللاذقية في أواسط عام ،١٩٥٦ الذي جاء يحل أزمة المنظمة ويشرف على العمل فيها باسم القيادة المركزية . هذا الرفيق ، الذي انحاز الى الصف المعادي لخالد بكداش في أواخر الستينات، كان يروي في أواسط
الخمسينات ان الاستعمار والصهيونية يتآمران على خالد شخصياً لمعرفتهما انه العقل المدبر للحركة الشيوعية العالمية ، التي تلجأ اليه في الملمات ، آن يعترضها مشكل نظري معقد أو تجابه قضية سياسية أو عملية صعبة . بل ان رفيقنا القيادي الكبير كان ينفعل عندما يصف دور خالد بكداش الكوني ويقول ان الرفيقين ستالين وماوتسي تونج يستشيرانه في كل كبيرة وصغيرة ، وان الأول تساءل ذات مرة عن المصير الذي كانت ستؤول اليه الحركة الشيوعية العالمية ، لو لم يقيض لها قائد كالرفيق خالد. عند هذا الحد كان قائدنا يسألنا بصوت اداني واستنكاري : ابعد هذا تتفلسفون وتقرؤون الكتب وتنظرون ؟. انكم تعرقلون عمل الرفيق خالد، حامل هذه المسؤوليات وتحبطون عمل حزب لستم فيه الا أدوات تنفيذية وحسب . عندما كان يرى علامات الندم والتوبة
وقد أخذت ترتسم على وجوهنا ، كان يصرخ : والصهيونية، اتعرفون ما هو دور الصهيونية ؟. آم مرة حاولوا اغراء رفيقنا بالنساء ، وقد صدقوا اشاعات الاستعمار حول حبه لهن ، وآم حاولوا استدراجه الى سلوكيات ومواقع جانبية تبعده عن دوره الكبير، لكن الرفيق خالد ، الذي يضج جسده بالقوة والعافية ، كان
يقف للصهاينة بالمرصاد، ويحرض الكادحين العرب واليهود عليهم ويكشف مؤامراتهم … الخ . فيما بعد ، خلال أزمة عام ،١٩٦٩ روى هذا الرفيق عينه ان خالدا امضى قسماً من فترة حرب عام ١٩٤٨ في جونية بلبنان ، وقال انه كان يقيم ، وهو الهارب من سوريا ، حيث كان الحزبيون
يتعرضون للملاحقة والاضطهاد والقتل ، بسبب موقف الحزب من حرب وتقسيم فلسطين ، حفلات طرب وفرفشة في حديقة الفيلا التي استأجرها له الحزب . بل ان قادة الحزب ، الذين كانوا يتخلفون عن حضور هذه الحفلات كانوا يتهمون بعداء للأمين العام ويرغمون على نقد أنفسهم علنا ، آما فعل الشهيد فرج االله الحلو في احدى حلقات النقد الذاتي ، الذي كان يرغم على ممارسته بصورة متكررة !) .
كان الحزب يعيش اذن حياتين ، واحدة له وأخرى للأمين العام . وكانت حصته في صياغة نفسه تقلص بقدر ما تتعاظم حصة الأمين العام في حياته ووعيه . وقد عبرت هذه الحقيقة عن نفسها في تدني وعي الحزب من جهة ، وفي حفلات الزار التأليهية التي كان يقيمها عن قناعة وسعادة وبمناسبة وبلا مناسبة لأمينه العام ، الذي تحول الى موضوع مركزي لحقله السياسي ولوعيه وغدا ” الحلقة المركزية ” لعمله . فتحولت فاعلية الحزب السياسية الى فاعلية مذهبية، وسقط الشيوعيون من موقع يتيحه انتماؤهم الى حزب سياسي الى موقع تفرضه عصب وحلقات مذهبية على اتباعها ، يرتكز الى شخص ” الهادي ” أو “الحكيم ” ، صاحب الأمر والدعوة (استخدم خالد بكداش في الثلاثينات والأربعينات اسمين سريين هما “هادي نعمان ” و”هادي حكيم “. ان ربط صفات الهداية والنعمة والحكمة بشخص شيوعي تعطي فكرة معبرة عن درجة تحرره من الأوهام والغيبيات) . هكذا تقلص الواقع الموضوعي ، الذي لم يقلع الحزب عن التغني به ، الى ان اختفى تماماً ، وحلت محله عصبية الدعوة المذهبية ، التي ما لبثت ان تخلت عن لغة الحزب السياسية لتتبنى عوضاً عنها اللغة الملائمة لها: لغة الهداية المحض مذهبية .
وكان الحزبي منقسم النفس والوعي بدوره ، يمارس طقوس التعظيم على أمينه العام ، بأمل ان يظهر هذا معجزاته في مقبلات الأيام ، فيقلب حياة الشعب بضربة واحدة رأساً على عقب، وينقله من طور البؤس والشقاء الى حالة من النعيم المقيم ، حصته منها السير على هدي الرسالة وعلى الخطى التي يقررها الأمين العام . كان الحزبيون يحتملون الشقاء داخل الحزب لقناعتهم ان خاتمة الصبر الفرج ، وان جزاء الصابرين جنة أرضية يعد الحزب
بها الصالحين من اتباعه ، ما ان يستولي على السلطة . وكان هؤلاء يعتقدون انهم يضحون بذواتهم الفردية ، وهي قليلة القيمة على آل حال ، وبالحقيقة السياسية ، وهي جزئية بدورها ، من أجل ذات الشعب السامية وحقيقة الحزب الكونية والمطلقة ، التي لن تنتصر داخل الحزب أو خارجه انتصاراً هنائياً ما دام المجتمع البرجوازي قائماً ، أي ما دامت الثورة التي ستقوم بها الطبقة العاملة
بقيادة الأمين العام والحزب لم تحدث بعد . داخل الحزب ، كان الحزبي يشعر بالضياع والانخلاع ، بيد انه كان يسترد توازنه بعض الشيء حين يفكر بالهيئة الطبقية الكونية في بلاده وفي العالم ، فيغمض عينيه عما تقعان عليه من عفن سياسي ، ويتقدم وسط الأخطاء والخطايا نحو أرض خلاص وطهر، ترسمها عين خياله المؤدلجة ، وقد زينتها بألوان بؤسه وحرمانه أو بألوان البؤس والحرمان الانساني الذي يكافحه في المجتمع ولدى الآخرين . هكذا ينتهي انقسام الوعي الى تصالح الحزبي مع النبي الكامن فيه ، والى هروبه من واقعه الشقي نحو مستقبله المتخيل ، الذي ما يفتأ ان يعيش فيه ، بقوة ايمانه السحري بآت أفضل وبدوره الشخصي في قدومه .
بهذه البنية الفكرية والايديولوجية للحزب ، كان الابتعاد عن الواقع هو شرط الايمان بالنجاح ، واغماض العين عن الحقيقة القائمة هو شرط تحويل الأوهام الذاتية الى “حقائق” سياسية. وكان غياب وتغييب العقل هو ألف باء السياسة . كما كانت مصادرة قابليات الشيوعي الفكرية هي شرط قبوله في الحزب أو ابقائه فيه . مع ان آل شيء في هذا الحزب كان يبدو نحو الخارج منسجما ، بل ومتماسكاً بدرجة تبرر، في أعين أعضائه ، اتهام من يحاولون تغيير واقعه أو مجرد المساس به ، بالخيانة . من جهتها كانت قيادة الحزب تغذ السير بعيدا عن الواقع القائم نحو واقع آخر من صنعها ، يختلط الوهم بجزئيات الحدث السياسي ، والارادة العاجزة بالرغبة في تجاوز واقع لا سبيل الى تجاوزه (تغييره) عملياً ، لأنه لا سبيل الى مقاربته (تفسيره) بـ “المنظومة الفكرية ” التي تستخدمها، والتي انحدرت منذ وقت طويل الى قبليات وأحكام مسبقة ورغبات واحلام يقظة ، لم يبق أمام الحزب من خيار سوى التعلق بها ، لتمفصلها مع أوضاعه التنظيمية ، وتحولها الى طوق نجاة بالنسبة له ، وقدرتها
على اثارة الوهم لديه حول فاعليتها في الواقع ما دامت “متماسكة ومنطقية ” في متخيله الايديولوجي .
هذه الأزمة الذاتية ، التي لم تكن تظهر على صورتها الحقيقية في الاطار السياسي السوري الضيق، ما لبثت أن تراكبت مع أزمة خارجية ، أزمة موضوعية ، ترتبت على التبدلات الجذرية التي احدثتها الثورة التي قادها عبد الناصر في مصر، وسرعت صداماتها مع البرجوازية والاقطاع في الداخل والاستعمار الجديد والامبريالية في الخارج تحولها من انقلاب على السلطة الملكية الى ثورة ديموقراطية قومية بمعنى الكلمة . لئن كان الحزب قد امتلك العدة “النظرية” والأوضاع التنظيمية ، والتكتيكات والعلاقات الملائمة لأوضاع بلد كسوريا ، عرف كيف يعير أموره على التعاطي مع قضاياه بعد فصلها عن قضايا الوطن العربي الأخرى ، فان التطورات التي ترتبت على الثورة المصرية قد ادخلته في متاهة لم يكن يتوقعها ، ولم يمتلك أدوات معرفية ، أو هياكل تنظيمية ، أو رؤية سياسية للتعامل معها أو الافادة منها .
كان الحزب قد اعتاد على الظاهرة العسكرية في سوريا، التي درج على اعتبارها انجليزية ، ان هي رفعت شعارات التقارب مع العراق أو اقامت بالفعل تقارباً كهذا، واميركية، ان هي اخذت بسياسة تفاهم أو تحالف مع مصر . أما في الداخل ، فكان يناصبها العداء ويصارعها مطالباً بعودة البلاد الى الديموقراطية ، وسبيلها اسقاط النظام العسكري واقامة نظام دستوري برلماني . هذه السياسة كانت ، على عجرها وبجرها ، تعبيراً عن رؤية
الحزب لاحتمالات التطور السياسي والاجتماعي السوري . فالانقلابات كانت تشوش علاقات الطبقات، وتسيء الى دور البرجوازية السياسي ، وتربك النظام البرلماني ، وتدفع الى ساحة السياسة بقوى من الطبقة الوسطى لا يعرف أحد المؤثرات التي ستترتب على أدوارها بالنسبة ” للثورة الوطنية الديموقراطية السورية ” . بما ان الانقلابات لم تكن تمس علاقات الملكية القائمة ، فقد رأى الحزب فيها
اعاقة سياسية للتطور البرجوازي الطبيعي واعتبرها انقلابات استعمارية تخدم هذه أو تلك من آتل البرجوازية الكبرمبرادورية والمصرفية (ذات الأصول الأجنبية أساسا) الساعية الى اضعاف البرجوازية الصناعية ، منمية القوى
المنتجة ، ومضعفة الاقطاع وخالقة السوق الوطنية ، التي ترشحها طبيعتها، آما يرشحها دورها لقيادة الثورة الديموقراطية الوطنية، التي ستكون لصالح البلاد والشعب حتماً .
بهذه المعايير، لم يكن الحزب قادراً على فهم الثورة المصرية وأخذ موقف صحيح منها . لا شك في ان الثورة كانت عملاً عسكرياً شبيهاً بما كانت سوريا تشهده ، لكنها لم تكن مجرد انقلاب عسكري ، في الوقت نفسه . فقد ضربت علاقات الملكية السائدة ، وقضت على النظام السياسي القائم ولم تكتف بعزل الحكومة القائمة واحلال حكومة من اختيارها في مكانها كما ألغت الحياة البرلمانية المعبرة عن هذا النظام ، وذهبت الى أبعد من ذلك فحلت الأحزاب ، وكان الحزب الشيوعي قد نظر اليها دوماً بوصفها تعبيراً عن الطبقات الاجتماعية ، ليس بوسع المجتمع ابتداع تنظيمات أخرى تعبر عنه سواها ، لذا فان الغاءها هو الغاء للطبقات لذاتها وللسياسة . إلى ذلك ، فان الانقلاب الناصري لم يعد قابلاً للتفسير بالعلاقات الاستعمارية السائدة في العالم العربي ، فسرعان ما وضع نفسه خارجها وتوجه الى الاتحاد السوفياتي طلبا للسلاح ، والى الصين ويوغسلافيا والهند من أجل اقامة كتلة دولية جديدة ، تعبر عن استقلالية العالم النامي وتدافع عن مصالحه في وجه محاولات احتوائه من جديد في النظام العالمي القائم ، الامبريالي أساساً .
هكذا، كان الحزب ينتظر قيام مجتمع على غرار المجتمع الرأسمالي الغربي ، ينبثق من تطور برجوازي سيفضي بالضرورة الى ثورة برجوازية من طراز أوروبي . وكان يعتقد ، فضلاً عن ذلك ، ان النظام السياسي الملائم لهذا التطور والممهد لهذه الثورة هو النظام الحزبي البرلماني، فاذا بالثورة المصرية تقدم منظورات مخالفة ساقت التطورات الداخلية والخارجية نحو آفاق لم يتوقعها ، وسلكت سبلاً لم يرها ، وقامت على اكتاف قوى من خارج
عالم الأحزاب، التي حصر منظوراته بها وحدها . بقول آخر: لقد رأى الحزب الثورة الوطنية الديموقراطية ، في حين قامت الثورة المصرية بثورة قومية ديموقراطية ، وربط منظوراته وخطه بأقسام من البرجوازية وبنضالات القوى المساندة لها في بلد واحد ، بينما قالت الثورة المصرية
بشيء يشبه تحالف الطبقات الأربع في الثورة الصينية الديموقراطية ، بحلف شعبي واسع معاد للإقطاع وللاستغلال ، تكون مصالحه وليس مصالح البرجوازية هي موجه الحركة الثورية . الى هذا، رأى الحزب في الامبريالية عدوا
خارجياً ، فاعتبرتها الثورة المصرية بنية داخلية أيضاً . وقال ان طريق النجاة هو التصنيع ، فقالت اهنا النهضة الشاملة ، فلم يقبض على معضلة التأخر ومشكلاتها المعقدة ، ومنها مشكلة الثورة ذاتها ، بل ركز انظاره على موضوع التخلف بمعناه التقني- الكمي ، كالتخلف بالقياس الى مجتمع مصنع ، أوروبي غربي . هكذا تباينت التجربة المصرية عن آل ما تصوره الحزب وسعى اليه ، وشقت لنفسها طرقاً عجز عن فهمها عجزاً تاماً . فأخذ يغطي عيوب تصوره بتحليلات ترى في الثورة مؤامرة
اميركية كونية ، تشمل فيما تشمله الصعيد الاقتصادي- الاجتماعي ، الى جانب الصعيد السياسي ، غرضها تشويش صورة “الثورة الوطنية الديموقراطية ” المحضة ، التي توهم اهنا كانت تجري في سوريا ، وان خرّب البعث والجيش من حين لآخر مسارها وحرفوها قليلا عن طريقها . أو تراها بمنظار فاشية عالمثالثية برجوازية عسكرية ، أو تعتبرها في النهاية نظاماً برجوازياً استبدادياً يتأقلم وحاجات تراكم رأسمالي لا يتقيد بآليات نهب واستغلال معينة ، يقيم شكلاً دكتاتورياً من الحكم ، كي لا تخفف الحقوق الدستورية للمواطنين من حدة الاستغلال الواقع بهم ، آما
هو الحال في التجربة الديموقراطية السورية .
باختصار : لم ير الحزب شيئاً اسمه الثورة الديموقراطية القومية ( وهو لا يراها اليوم أيضاً ، بل يرى ” الثورة ” الديموقراطية الوطنية ، التي تعتبر الثورة الديموقراطية القومية “انفرادها وانبساطها “
على الساحة العربية ، وكفى االله المؤمنين شر الفهم ) . لقد رأى ” ثورة وطنية ديموقراطية ” ليس فيها من عالمية الامبريالية سوى معارضة الرأسمالية الدولية للتصنيع ولنمو ” البرجوازية الوطنية ” ، فاخرج من ثورته سائر قضايا الثورة الديموقراطية آما فهمها لينين، أي كثورة اشتراكية في طورها الديموقراطي ، يتوقف تحققها على تحققه ، وليس طوراً مفصولاً عنها ومغايراً لها، تنجزه قوى طبقية وسياسية غير تلك التي ستنجز الثورة الاشتراكية. لم ير الحزب الثورة الديموقراطية بما هي
الثورة الاشتراكية فلم يطرح مشكلة القوى التي ستنجزهما، والبرنامج الضروري لإنجازهما والحلف الاجتماعي اللازم لذلك ، بل ألقى بنفسه الى تصور بدائي قدر ما هو ساذج بقول ان المرحلة الوطنية الديموقراطية هي من اختصاص البرجوازية الوطنية ، وان على الحزب ان لا يقوم بأي شيء قد يشوش قيادتها (هذا التشويش كان واحدا من
التهم التي وجهت دوما للبعث) ما دام ذلك سيعيق انجاز طور الثورة الأول ، وسيؤخر حتماً التحول الى الثورة الاشتراكية ، التي ستتم ضد البرجوازية على يد حلف أو حزب العمال والفلاحين (عنوان كراسة اصدرها الرفيق خالد عام ،١٩٥٦ وهي ترجمة لكراسة روسية تحمل العنوان ذاته ! ) حين ستصبح البرجوازية في موقع يتعارض مع ” التقدم ” وتكون قد قامت بالدور “التاريخي ” المخصص لها، وهو تنمية القوى المنتجة والقضاء على الاقطاع .
صحيح ان الحزب كان يتحدث عن ” ثورة وطنية ديموقراطية ” ، الا ان رؤيته كانت مقطوعة الصلة بالوطنية والديموقراطية كأولية لأي عمل ثوري . بل اهنا كانت في الحقيقة رؤية محض طبقوية ، ترى الديموقراطية بما هي انتقال المجتمع الى طوره البرجوازي في بلد واحد، وتجعل ” الثورة البرجوازية ” ثورة ديموقراطية ووطنية !. ان جوهر الثورة ليس هو التحول الديموقراطي أو التصدي الناجح لمهام الثورة الديموقراطية ، التي قلنا اهنا هي عينها مهام الثورة الاشتراكية في تحققها الأول ، بل هو التحول البرجوازي ، مفهوما كسيادة للبرجوازية الصناعية على الكسور البرجوازية الأخرى و على المجتمع ، وكهيمنة للتصنيع على مناشط الاقتصاد . انه ، بمعنى من المعاني ، تحول البرجوازية الى طبقة مهيمنة في مجتمع سيقطع الحزب تحوله التام الى الرأسمالية ، لأن عدم قطع تحول كهذا من شأنه تأجيل الثورة الاشتراكية الى أمد طويل . في المضمون المضمر لتصور الحزب ، كانت الثورة الديموقراطية ثورة برجوازية محض طبقـية، لا تطرح ولا تحل أية واحدة من مهام الثورة الديموقراطية ، ومنها تلك الثورة الثقافية والفكرية التي تكنس موجودات الوعي التقليدي والقديم ، وتحل محلها موجودات عصرية وعقلانية، والتي تقضي على قيم الاقطاع المتخثرة كي تحل محلها قيما برجوازية تنظم علاقة المنتج والمجتمع الحديث مع العمل والوقت ، وتعلي مكانة الفرد والشغل والمنفعة والمصلحة
… الخ . كان الحزب يقصر رؤيته على الجانب السياسي من ثورة البرجوازية الطبقية ، فغابت عنه سائر الجوانب الأخرى، آما غابت سائر الطبقات الاجتماعية ، أو قل غاب المجتمع ذاته . وبالفعل ، فان التصور العام الذي انتظم نظرته الى المجتمع والسياسة أخذ شكلاً كاريكاتورياً رأى في الطبقات ادراجاً منفصلة عن بعضها تتنضد فوق بعضها في عمارة تجريدية هي المجتمع ، مع اهنا منفصلة في
مصالحها وايديولوجياتها وتنظيماتها ورؤاها وبرامجها . فان حدثت بينها تماسات سياسية ما ، أخذت شكل تقاطعات عارضة وعابرة تتسجل على الصعيد التكتيكي لبرهة من الوقت ، يكون خط الحزب أآثر نقاء وطبقية ، آلما كان امدها أقصر . من هنا يمكن القول ان الحزب رأى طبقات
ولم ير مجتمعا ، رأى مهاماً طبقية ولم ير ثورة ديموقراطية ترتبط بوجود مجتمع عربي وبشمولية مصالحه بالقياس الى مصالح طبقاته . بل انه زين لنفسه ، في ظروف كهذه ، فكرة تقول انه بحاجة لبرنامج طبقي وليس بحاجة الى برنامج اجتماعي يتضمن عناصر ما فوق أو ما بعد طبقية . بهذه الصورة سقط المجتمع من رؤية “حزب الطبقة العاملة ” ، فغدت هذه ذاتها مجرد تجمع كمي ملقى في فراغ ، يشحنها الحزب بوعي مغايرتها لمجتمعها ، ويقنعها اهنا شيء أعلى وانبل من الأطار المحيط بها المسمى مجتمعاً ؛ شيء مهمته التخلص من هذا الاطار والقضاء عليه كشرط لإقامة مجتمع حقيقي ، عادل وانساني ، لأول مرة في تاريخ سورية !. هكذا سقطت السياسة كفاعلية مجتمعية – ديموقراطية الى مستوى فاعلية طبقية – مصلحية للبرجوازية أو للطبقة العاملة أو للطبقة الوسطى (وخاصة منها البرجوازية الصغيرة الشريرة)، ثم سقطت كفاعلية طبقية الى مجرد فاعلية حزبية ، وانتقلت من عالم البشر والنضال الى ملكوت الاخلاق، ومن مملكة العقل الى سلطنة الأحكام المسبقة والنوايا والعواطف ، قبل ان تنحط الى جملة تكتكات واحابيل برع القادة والزعماء في توجيهها ضد بعضهم ، وفي تبديل مواقعهم بداخلها من يوم لآخر ومن ساعة لأخرى .
اذا اسقط التصور السياسي المجتمع من اعتباره ، وأحل محله ” الطبقات ” ، فماذا يبقى من الثورة الديموقراطية ، وطنية كانت هذه أم قومية ؟. لا شيء على الاطلاق . واذا أسقط التصور السياسي جدل الطبقي –
المجتمعي ، فماذا يكون معنى الثورة الوطنية الديموقراطية سوى برلمانية مشوهة ونظام حزبي لاغ للسياسة كفاعلية مجتمعية وطبقية وفردية ؟. واذا أسقط جدل القطري- القومي ، فاين تتوضع قضايا الثورة الديموقراطية – القومية العامة والوطنية ؟. أين نضع عندئذ قضية فلسطين والامبريالية والوحدة والتجزئة ، وقضايا الثورة الداخلية كالسيادة الشعبية وعلاقة السلطة بالجماهير والديموقراطية والمسألة الزراعية والحريات… الخ ؟. ان فلسطين تتحول عندئذ الى فرع يتيم في ” السياسة الخارجية ” للحزب ، وتقلع اسرائيل والامبريالية عن ان تكونا قوى جوهرية في ميزان القوى الداخلي والقومي ، آما يقلع البنيان الداخلي عن أن
يكون متعينا بهما أيضاً . في حين تسقط مسائل السياسة الداخلية من ملكوت هذه “السياسة الخارجية ” آما تسقط الروابط البنيوية مع العالم العربي من اعتبارات العلاقات الداخلية ” للطبقات وأحزابها ” ؟ هذا اذا لم تتحول روابط كهذه الى مشوشات للثورة الطبقية القائمة أو المتوهمة ، ويصبح التخلص منها وفصل ما هو داخلي فيها عما هو خارجي وبالعكس جوهر ” سياسة الحزب الثورية ” . وماذا يفعل الحزب ، عندما يتبين ان الوحدة العربية هي أيضاً قضية داخلية ، وتكون التجزئة أآثر أهمية في وعي الشعب وفي الواقع من دور البرجوازية في “تنمية القوى المنتجة ” ومن السياسة الطبقية . وماذا يقول عندما يضطر لإخذ مواقف من قضايا كهذه تقع خارج ” منظومته السياسية والفكرية”؟. انه يسارع الى اصدار بيانات غرضها التعمية على قصور وعيه والتحايل على الوجدان الشعبي، الذي يحاول التسلل اليه من خلال تملقه والتظاهر بانه يتبنى مواقفه ذاتها في القضايا ” القومية والديموقراطية” ، رغم اهنا ليست هامة في المحصلة النهائية كالقضايا الطبقية . غير ان حل معضلات الثورة الديموقراطية القومية على صعيد الكلامولوجيا قد أدى الى مزيد من الانقسام في وعي الحزب ، فوجد نفسه يبالغ مبالغات تشنجية في الحديث عن ظواهر لا يؤمن بها ، ويقلص الحيز التحريضي الذي كان يود أن يخصصه لقضاياه الطبقية الداخلية ، التي هي في اعتقاده روافع أي عمل ثوري حاسم . هكذا انزلق الحزب الى استخدام لغة لا يؤمن بها في وصف قضايا لا يرى لها أية أهمية ، ففقد بصورة
متعاظمة سيطرته على افكاره ولسانه ، وزادت أقواله فساد ما كانت قد افسدته سياساته وافعاله !.
مثلما كان البعث في الخمسينات يرى في المجتمعي تشويها للعامل القومي ، كان الحزب الشيوعي يرى في القومي تشويها للطبقي . وبما ان أياً منهما لم يقصر في ” التصدي ” للتشويه المعني ، للحد من آثاره على النزعة القومية أو الطبقية المحضة ، فان الأول لم يكن ولم يصبح في أي يوم حزب الثورة الاجتماعية ، مثلما ان الحزب
الشيوعي لم يكن ولم يصبح يوماً حزب الثورة القومية . غير ان الاحتجاز الذي لازم الحزبين وطبع نشاطهما لم ينشأ لأن الأول كان حزب الثورة القومية والثاني حزب الثورة الاجتماعية ، بل لأن أياً منهما لم يكن هذا أو ذاك، ولكونهما اخفقا في تحقيق الشروط الذاتية والموضوعية الضرورية للقيام بهاتين الثورتين أو بإحداهما . من هنا نشأ بينهما شيء مشترك حيال الناصرية ، التركيبة التي جمعت على أحسن طريقة عرفها التاريخ العربي القومي الى الاجتماعي – الطبقي . وليس من قبيل المصادفة ان الحزب
الشيوعي ناصب الناصرية عداء مريراً عندما سعت لتحقيق الثورة القومية ، متوهماً اهنا ستقضي على الثورة الوطنية الديموقراطية المزعومة ( الثورة الطبقية الوحيدة التي عرفها) بينما ايدها البعث بسبب (ما ظنه) ابتعادها عن المهام الاجتماعية للثورة واقترابها من مهامها القومية النقية . ثم أيدها الحزب الشيوعي
وحاول التمسح بها في أواخر عهد عبد الناصر ، لاعتقاده اهنا انتقلت الى مرحلة الثورة الاجتماعية وتخلت عن انحرافها القومي ( مع أن الثورة القومية لم تكن شيئاً آخر سوى الثورة الاجتماعية ، ولكن في شكل وعلى صعيد آخر ) في حين عاداها البعث وانفك عنها ، معتقداً اهنا خانت الثورة القومية الصافية التي لا تحتمل خلائط وشوائب اجتماعية أو طبقية ( لم يفهم بدوره ان الثورة الاجتماعية هي الثورة القومية ، ولكن على صعيد آخر وفي شكل آخر ) .
هذه الفروقات والتطورات التي جاءت بها الناصرية هددت منذ أواسط الخمسينات بخلق حقل سياسي جديد آل الجدة بالنسبة للحزب الشيوعي السوري ، لا يعرف هذا كيف يتصرف حياله ، لأنه لا يملك الخبرة والمعرفة اللازمتين
للتصدي له أو للتعامل معه . وبالفعل ، فإن الحزب كان يغرق أكثر فأكثر في الارباك والحيرة نتيجة خطى عبد الناصر ، وكانت تقع كلها خارج حقل تصوراته للواقع أو لاحتمالاته ، فلم يجد ما يقوله في تدبير كالاصلاح الزراعي سوى انه من ايحاء أميركا ، التي تفصل عبره الفلاحين عن الطبقة العاملة وتربطهم بالطبقة الوسطى، كي لا يكونوا عدة الحرب الشعبية ضد الاستعمار . وأعتبر تأميم قناة السويس تسليماً لهذا المرفق البحري البالغ الأهمية الى الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد انتزاعه من الاستعمارين البريطاني والفرنسي ، اللذين توشك شمسهما أن تغيب . بما ان عبد الناصر لم يكن برجوازياً أو بروليتارياً ، بل جاء من صفوف الطبقة الوسطى الشعبية ، التي اعتقد الحزب اهنا عاجزة عن انجاز أية ثورة بسبب طبيعتها الاجتماعية والطبقية المقلقة ، فقد حار في تفسير تدابيره ، التي رأى فيها تارة مستقبل البرجوازي الكبير للبرجوازي الصغير جمال عبد الناصر وطوراً ماضيه الشعبي ، وأخذ يعتبره مرة خائناً للشعب وأخرى معبراً عنه ، دون أن يستقر رأيه فيه على حال ما بين عام ١٩٥٤ و ١٩٥٨ عام الوحدة ، حيث بلغ السيل الزبا وأعلن الحزب هنائياً عمالة عبد الناصر للبرجوازية المصرية وللإمبريالية الاميركية . إلى ذلك ، فإن التضارب بين الحزب وبين الواقع الشعبي كان يتعاظم دون انقطاع ، لأن الجماهير كانت تذهب إلى القيادة الناصرية ، التي رأت القضايا الوطنية في تشابكاتها القومية والديموقراطية ، ودمجت القومي بالاجتماعي بالوطني عوض ان تفصله عنهما ، مثلما يفعل الحزب . هكذا تحولت معركة الحزب الى الناصرية بصورة متزايدة ، وتوجهت أكثر فأكثر ضد الجماهير الشعبية وضد الأمة ، وهو ما فرض عليه دوراً سلبياً جعل أوساطاً وطنية عديدة تتهمه بالعمالة للاستعمار ، عدو عبد الناصر والأمة العربية الملتفة من حوله . وبالفعل ، فعوض ان يرى الحزب في الحركة القومية الديموقراطية رافعة الثورة الاجتماعية والنهضة العربية ، قادته معركته مع عبد الناصر الى الامعان في معاداة النهج القومي والمبالغة في التأكيد على الطبقي والاقليمي ، وإلى التشبث بنهج الثورة الوطنية الديمقراطية ، الذي ساقه إلى حلف حقيقي معلن مع جميع أعداء الناصرية والوحدة العربية ( وكانت قيادته قد أقرت ضرورة النضال في سبيل الوحدة عام
( ١٩٥٦ ) ثم ناصبتها العداء حين رأت أهنا ستصبح حقيقة واقعة ) على رأسهم بطبيعة الحال ، قوى برجوازية – اقطاعية وقوى الاقليمية السورية الأخرى التي تحول الحزب إلى محام عنها ومدافع عن مصالحها في وجه ” استعمار وبرجوازية مصر ” .
لم يفهم الحزب اذن الجدلية الثورية الهائلة بين القومي والاجتماعي ، ولم يدرك انهما شيء واحد ، وأن الفصل بينهما هو مقتل الحركة الثورية العربية ، حتى
داخل اقليم واحد . لذلك أصر على إعطاء الأولية ” للثورة في قطر واحد ” ( على غرار شعار الثورة في بلد واحد ) واعتقد جازماً أن التقدم نحو الاشتراكية والوحدة ممكن بفضل ثورة تنجز في قطر واحد ، تتحول فيما بعد الى ثورة عربية عامة . بالمقابل ، قالت الناصرية باستحالة الفصل بين القومي والاجتماعي ، ورأت أن من المحال انجاز الثورة القومية – الاجتماعية في قطر واحد ، مهما بلغ من القوة والاستقلالية ، وان الثورة القومية الديمقراطية هي القاسم المشترك بين الاقطار العربية ، بينما الثورة الوطنية الديمقراطية هي الجدار العازل بين الحركات الشعبية والثورية العربية ، التي يجب ان تكون حركة واحدة ، مهما تعددت منابرها وتنوعت مصادرها .
كيف دارى الحزب اخطاءه وغطى العيوب الجسيمة في خطه وبرامجه ؟. بالصراخ الهستيري ضد الاستعمار والاطناب في مدح الاتحاد السوفياتي ، القاعدة الأممية الصلبة التي تقيه عثرات ومزالق الطريق القومية التي لا يعرفها ، ويعتبرها هاوية تبعده عن الثورة الاجتماعية الوشيكة . كان الحزب يتفنن في ذم الاستعمار ويبتكر آل يوم جديداً في امتداح الاتحاد السوفياتي، وفي التأكيد على ” الطابع الطبقي ” للسياسة في وجه السياسة الناصرية ” اللاطبقية ” . وقد زادت حاجته الى حربه الكلامية ضد الاستعمار، عله يوقف بها تدهور شعبيته وانحسار فاعليته امام المد القومي الكاسح ، فكانت الشتائم على الاستعمار هي البديل المأمول لسياسة قومية صحيحة ، ولاستراتيجية ثورية مطابقة للواقع العربي وملبية لحاجاته . وكان موقف الحزب من الاستعمار والصهيونية يتعين بالدرجة الأولى بالصراعات بين الشرق والغرب وليس
بصراع العرب معهما، بل ان استراتيجيته ألحقت الصراع العربي ضدهما بالصراع السوفياتي معها، بأمل دق اسفين في العلاقات العربية – الغربية ، وتمكين السوفيات من أخذ رأس جسر في العالم العربي عبر تقريب السياسات العربية والسوفياتية حيال الغرب . في هذه الظروف عاد الياس مرقص من اوروبا ، وفيها بدأ عمله السياسي والفكري . رقد شاع آنذاك انه مر بطريق عودته من بلجيكا، حيث تعلم في جامعة بروكسل ، على دمشق ، حيث استقبله الرفيق خالد بكداش وناقشه وفحصه وتعرف الى ثقافته وشرح له خط الحزب . فيما بعد ، قال الياس لي
ذات مرة، بينما نحن ” نضرب مشواراً ” (آما كان يقول) على كورنيش اللاذقية ، انه أراد لفت الرفيق خالد الى خطورة سياسات الحزب حيال البرجوازية الصغيرة ، القائمة على ادانتها بالجملة وبطريقة غير عقلانية ، وانه ذكره برأي لينين الذي يرى في الطبقة الفلاحية المنبع الاجتماعي للبرجوازية الصغيرة ، وقال ان من غير المنطقي ان يكون الحزب حزباً للعمال والفلاحين ، آما كان يصف نفسه ، وان يتخذ في الوقت نفسه موقفاً أعمى حيال البرجوازية الصغيرة ، التي تشكل جمهوراً شعبياً كبيراً
ومسحوقاً في المدينة والريف .
مع ان الياس خرج بانطباع ايجابي عن هذه المقابلة ، التي تلاها ترتيب وضع خاص به في الحزب، جعل منه ما يشبه “مستشاراً ” ثقافيا لدى اللجنة المنطقية في اللاذقية وكادراً ملحاً بها، فانه ما لبث أن ارتطم بواقع الحزب ، الذي كان قد تعرف في بلجيكا على واقع مناقض له تماماً هو واقع الحزبين الشيوعي البلجيكي والفرنسي ، اللذان انهمكا بعد موت ستالين في مراجعة واسعة لسياساتهما وسلوكاتهما خلال الحقبة الستالينية ، ومارسا نقداً ذاتياً لدوريهما في الحركة الشيوعية الدولية وفي بلاديهما . كان الياس قد تعرف على التجارب الديموقراطية والشيوعية والقومية في اوروبا ما بعد الحرب ، التي شهدت صراعات شديدة في البلدان التي احتلتها الجيوش النازية كبلجيكا وفرنسا ، حيث ظهرت هشاشة النخب السائدة قبل الحرب وتبعيتها لأميركا بعدها، وواجهت الشعوب قضايا اعادة بناء بلدانها السياسي والاقتصادي ، وثورات المستعمرات في أعقاب انهيار النظام الاستعماري ، علماً بأن هذا الانهيار طرح
عليها مسائل هامة من الناحيتين العملية والسياسية ، وطرح على القوى والأحزاب مشاكل ذات طبيعة نظرية هامة انصبت على القضية القومية وعلى حق الأمم في تقرير مصيرها ونمط العلاقات المطلوبة مع المستعمرات ، وعلاقة الشرق بالغرب أو الاشتراكية بالرأسمالية ، ودور الأحزاب الشيوعية في المتروبولات والمستعمرات، وطبيعة العصر القادم ، وتاريخ الماضي القريب للحركات العمالية والتحررية والثورية على ضوء ثورات الصين وفيتنام وتحولات أوروبا الشرقية، والعلاقات بين البلدان الرأسمالية ، وبين الطبقات في داخلها .
في هذه الأجواء من الاختمار السياسي والفكري الهائل، وفي أجواء نزع الستالينية ونقد التجربة والماركسية السوفياتيتين ، تعرف الياس الى مشكلات العصر. فاذا أضفنا الى ذلك حجم قراءاته الواسعة التي امتدت من الرياضيات الحديثة ، الى الفيزياء ، الى أكثر مشكلات الفلسفة والفن والتاريخ وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد … تعقيداً ، ودقة ذاكرته الاسطورية ، وتنوع معارفه ( درس كانت وهو في السابعة عشرة من عمره) ونقدية وجذرية مواقفه الفكرية ، ونزاهة القصد المعرفي لديه وتجرده عن الأغراض السياسية أو الشخصية المباشرة ، ودأبه المتواصل في التحصيل المعرفي ( كان يعمل ما بين عشرة واثنتي عشرة ساعة يوميا طيلة السنوات الاربعين الماضية ) ادرآنا حجم الصدمة التي اصابه بها الواقع الحزبي والسياسي، ولماذا بنى موقفه العملي والفكري على تأسيس رؤية سياسية – نقدية وفلسفية شاملة ترتبط بالحركة الشعبية الهائلة ، التي كانت أمواجها تتصاعد مع ترسخ قيادة عبد الناصر للشارع العربي ، وأراد الياس لها ان تمتلك وعياً نقدياً ومطابقاً يحول تعبيراتها السياسية ، ومنها الحزب الشيوعي السوري وقد تخلص من ستالينيته وأوهامه الطبقوية البرجوازية والكدحاوية ، الى محاور للقائد التاريخي الكبير، بدل يكون عبئاً على الحركة القومية الديموقراطية أو عدواً لها .
من هذه النقطة بدأ الياس كفاحه المعرفي والسياسي . لقد كان يرمي الى مصالحة الحزب مع مجتمعه ومع الواقع ، وكان يتطلع الى جسر الهوة بينه وبين الشعب ، بدفعه نحو
تبديل جذري لاختياراته المعرفية والسياسية ، وبأحداث قطيعة حقيقية وهنائية بين واقعه القائم وبين ما يجب ان يكون عليه .
كان الياس يتعرف الى الواقع العياني للحزب خلال الجولات التثقيفية التي يقوم بها على منظماته ، وهي جولات اتاحت له الوصول الى صورة دقيقة حول أوضاعه ، جعلته يرى في الجهل معضلة الحزب الكبرى ويوقن انه جهل وظيفي يتظاهر في جميع منظماته وهيئاته وقياداته ،
وليس مجرد افتقار الى المعرفة بالمعنى العادي للكلمة . آما انه جهل ينبع من بنية معينة مترسخة في الحزب من المحال ان تنجب أية منظومة معرفية متماسكة . أخيراً وجد الياس ان الجهل محروس ومحمي بقوة القيادة ، ذات الاذرع الاخطبوطية التي تمتد الى سائر منظمات الحزب ، والقادرة
على ازهاق روح أي فكر نقدي بمجرد ان يعبر عن نفسه . هذا الجهل المعاند، الذي كانوا يسمونه في الحزب بالايديولوجية الماركسية – الستالينية ، كان يدفع بأصحابه الى التباهي به وليس الى التخلص منه ، لأنهم كانوا يعتقدون انه النتاج الأعلى للمعرفة التي أمكن للنوع الانساني الوصول اليها . لذا، كان من يحاربه يعتبر عدوا لهم ، يتطلع لإلغاء كيانيتهم وانتمائهم ، ويسعى للقضاء على ” وعيهم ” . وبالفعل ، فقد تعرض الياس خلال السنتين اللتين امضاهما في الحزب ، قبل ان يتخذ عام ١٩٥٦ قرار بطرده منه نشرته في حينه جريدة ” النور”، جريدة الحزب المركزية ، لحملات ملاحقة حقيقية على أيدي حزبيين عاديين وقادة ، بلغت حد الضرب ومحاولات القتل (عام ،١٩٥٥ كان الياس في بيت المرحوم ابراهيم خليل ، أحد أبرز الشيوعيين الشبان في اللاذقية تلك الأيام ، فانضم الى السهرة الرفيق (آنذاك) ابراهيم
اللوزة، الذي ما لبث ان ضرب الياس في وجهه بزجاجة مكسورة . بعد ذلك بأشهر اعتدى نوري الحبال، وهو أحد أعضاء الحزب في دمشق ، على الياس بالضرب وسبب له جرحا بالغاً ، بينما كانت في سياق الأزمة التي أثارتها اطروحات الياس في الحزب ، أرسلت قيادته المركزية واحداً من أبرز كوادرها ليرتب الأمور في المنظمة المتمردة هو الرفيق أبو فهد ، خليل الحريري . هذا الرجل أحاط نفسه بالغموض منذ وصل الى المدينة ، مع أن حملة من الضجيج كانت قد سبقته الينا . ذات يوم وبينما نحن
نقرأ في الخلية كراسة تبسيطية لمؤلف سوفياتي اسمه جليزرمن عنوانها ” الطبقة والأمة ” ، وقعنا على تعبير ” سيمي بروليتير” ، فحرنا في معناه . سألنا مسؤول التثقيف في الفرعية فلم يعرف . انتقلنا الى سؤال
أعضاء اللجنة المنطقية فلم يعرفوا بدورهم . اخيراً قالوا : أسألوا مندوب القيادة أو الرفيق أحمد فاضل ، أمين اللجنة المنطقية . وهكذا كان ، فقد قصدنا مكتب الاستاذين محمد خوندي ومحمد حكيم ، محاميا الحزب وقائداه ، فلم نعثر على الرفيق ، الذي ما عتمنا ان التقينا به في الطريق ، أمام محلات فريج للملبوسات في مركز المدينة . سألناه عن معنى المصطلح المحير، فمد يده الى جيبه وقد اصفر وجهه وأخرج علبة تبغ نحاسية فتحها ولف سيجارة أشعلها ونحن نترقب جوابه . نفخ نفخة ثم سألنا : أين قرأتم هذه الكلمة ؟. قلنا : لدى الرفيق جليزرمن . سأل : ولماذا قرأتموها ؟ . قلنا : في اطار تثقيف الخلية . رمى عندئذ السيجارة على الأرض بعصبية وسأل غاضباً : ها انتم ترون جذور الأزمة في الحزب . لقد علمكم (يقصد الياس) القراءة . أيها الرفاق ، مهما قرأتم فأنتم لن تبلغوا مستوى الرفيق خالد ، الذي كان الرفيقان ستالين وماوتسي تونج يستعينان به في فهم غوامض الماركسية ؟. انتم تقرؤون فتظنون أنفسكم قادرين على فهم النظرية الماركسية المعقدة ، وعلى التدخل في رسم خط الحزب فتنشأ المشاكل والأزمات التي تربك القيادة . رأى امارات الدهشة على وجوهنا، فأضاف : أيها الرفاق الأعزاء ، انتم أدوات تنفيذية في يد الرفيق خالد والحزب . أما آن الأوان لأن تدركوا هذا؟ . تركناه وانصرفنا باتجاه مدرستنا ، فتساءل أحدنا باستغراب : هل يعقل انه لا يعرف معنى الكلمة ؟.
القيادة في مدينة اللاذقية وفي منظمات الحزب السورية تنسج بأوامر من قيادة الحزب بدمشق أكذوبة عمالة الياس مرقص للمخابرات الاميركية والمصرية ، اللتين دستاه في الحزب كي يشقه ويبلبله ، في مرحلة حاسمة من التطور، تكاد سوريا تنجز فيها الخطوات الأولى نحو الانتقال الى نظام سياسي يمهد للاشتراكية .
لم يطل الأمر بالياس ، فقد وجد نفسه في مواجهة الآلة الحزبية الرهيبة ، المنجبة للجهل وللارهاب . لقد اعتقد
في البداية ان ما جرى في سوريا شبيه بما جرى في آل مكان، وان الحزب سيتخلص من ستالينيته التي كانت طوراً اجبارياً في تطوره ، بإرادته الحرة ( لأهنا تعرقل تقدمه
وتحتجز تطوره وتسد عليه مسالك الوصول الى الواقع والشعب) فاذا به يتمسك بها ، لكوهنا مصلحة حيوية لقيادته . واذا به يعيد انتاجها في الظروف الجديدة ويتشبث بها بكل ما أوتي من قوة . في بلجيكا وفرنسا تعرف الياس اذن الى نزع الستالينية ، أما في سوريا ، فقد وجد نفسه حيال اعادة انتاجها في ظروف ما بعد تاريخها ، فخاض معركة القضاء عليها ، ليس بوصفها تياراً سياسياً فقط ، بل وكذلك ظاهرة آلية تتمظهر على الصعيد المعرفي العام للشيوعيين ، وعلى الصعيد التكويني والسياسي الخاص بالحزب ، وهو قانع ان الستالينية السورية (والعربية) ليست سوى انحطاط شرقي يقطع مع العقل ذاته ، بينما الستالينية – السوفياتية هي
قطيعة مع الماركسية واللينينية . من هنا كان أول شيء عمله الياس هو التعريف بالماركسية وباللينينية ، فترجم مجموعة من نصوصهما نشرت عامي ٥٥ و٥٦ حول معضلات التحرر الوطني والقضية القومية للينين ، وحول بعض
القضايا المفتاحية من نصوص ماركس . ثم ألف كتيبا صغيراً قيض له انتشار محدود حول سياسة الحزب الشيوعي الفرنسي وقضية الجزائر، انتقد فيه السياسة العملية لحزب شيوعي أوروبي غربي كبير تجاه المسألة الاستعمارية وقضية حق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها ، على ضوء المعارف النظرية والخبرات الكفاحية العملية للماركسية- اللينينية ، بينما كان يجمع الوثائق الضرورية لتأليف
كتاب عن ” تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي ” ( وقد صدر بالعنوان ذاته فيما بعد ، عام ١٩٥٩) .
في هذه الأثناء ، كان الياس يجد نفسه غريباً أكثر فأكثر عن السياسي فيه ، ويقترب أكثر فأكثر من المثقف المناضل على الجبهة الفكرية والمعرفية . بل انه كان يزداد قناعة بأن النضال من أجل نصرة المعرفة ، وفي سبيل نزع الطابع الايديولوجي المحض عن ماركسية ماركس ولينين هو النضال السياسي الوحيد الصحيح ، وان السياسة بالمعنى الذي يطبقه الحزب هي، بدورها، انحطاط سياسوي ، يمارس العمل العام بعيداً عن الهيئة الاجتماعية وضدها، فيلغي طابعه المجتمعي والديموقراطي ،
وينزل به الى مستوى ” تكتكات ” تتسم بهذا القدر أو ذاك من الشطارة والفهلوة ، لكنها ليست من السياسة ، المحصلة والتكثيف الأعلى للفاعليات التي يقوم بها مجتمع ما من أجل تحرره ، في شيء. كانت قناعة الياس تزداد بأولية العمل الثقافي كعمل نضالي ، بمقدار ما كان يتاح له التعرف الى واقع الحزب ، بينما كان ذهنه ينصرف الى اعادة تأسيس الماركسية في الواقع العربي ، وهذه شرطها بالنسبة له القضاء على الفكر الستاليني في سائر تجلياته السياسية والمعرفية ، وخاصة داخل الحزب ذاته .
في سياق انصرافه للعمل من أجل نزع الستالينية من الحياة الفكرية والسياسية للحزب، لاحظ الياس ان في الحزب منتجين للمعرفة ومتلقين لها ، وان المنتجين يتوضعون في قيادته والمتلقين في قواعده الدنيا ، في سياق نزع الستالينية في سوريا ، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري في عام ١٩٥٦ بياناً تقرع فيه نفسها ، لأهنا كانت تلقي بالعمل والمسؤوليات النضالية على آاهل الرفيق خالد بكداش ، الذي كان يقوم بأعمالها نتيجة لتقصيرها، وليس لأنه لم يسمح لها بالعمل ! . هذه الطريقة في الغاء الستالينية لم تخطر ببال أحد في الحركة الشيوعية الدولية قبل خالد بكداش أو بعده ، وهي تعطي فكرة جلية عن رؤية الرجل السياسية والتنظيمية، وعن فهمه لماضي الحزب وحاضره .
ولاحظ ان المعرفة الوحيدة التي ينتجها الحزب ، أو يسمح بإنتاجها ، هي تلك التي تخدم خط القيادة السياسي، وان المعرفة لا تمتلك بالتالي أية استقلالية أو حيز خاص بها ، بل تتبع السياسة بما هي احدى وظائفها أو مفرزاتها ، فتقوم علاقاتها مع الخط السياسي وليس مع الهيئة الاجتماعية أو الطبقية التي يدعي الحزب مخاطبتها او التوجه اليها . هكذا تنجب قلة لقلة معرفة تحول دون اتصالها بالمجتمع ، وتتحول ” نظرية ” ثورية بالأصل الى لغة سرية يجهل طقوسها ورموزها القسم الأكبر من اتباعها ؟ تختلط فيها العفوية بالجهل بالاحكام المسبقة، فتشحن انصارها ” بافكار ” تثير لديهم تداعيات شعورية عصبوية ( وليس محاكمات عقلية نقدية)، تمنعهم من امتلاك معاير ونواظم تفكير ذاتي ومستقل يمتلكون من خلاله العالم معرفياً ، فتكون النتيجة احتجاب الواقع عن
أعينهم وامتناعهم الطوعي عن رؤيته ، فتشتد عندئذ حاجتهم إلى رؤيته بأعين الحزب (أعين قيادته) ، التي تغلفه من خلال الايديولوجية السائدة بغلاف صوفي وغامض، يجعله واقعاً غير واقعي . في هذا النمط من انتاج المعرفة ( الأصح ان نقول الجهل، فهذه المعرفة هي الجهل وقد تحول الى ” منظومة فكرية ” ) يصبح ترسخ سلطة القيادة حاجة ذاتية وفردية من حاجات اعضاء الحزب ، الذين ينظرون الى أنفسهم بمعاييرها وأعينها ، وتتعين قيمتهم بالطريقة التي تقررها ، فينتفي حيزهم الفردي والشخصي من حياتهم الخاصة ويتحولون الى مخلوقات حزبية ، وظيفتها الوحيدة ان تنجز ما تكلفها به قيادتها ، التي ترى فيها مجرد أدوات تنفيذية ، حرمانها من نعمة العقل و التفكر شرط لازم لفصل العمل الذهني عن العمل اليدوي داخل الحزب (مع ان الحزب لا يفتأ يدعي انه يريد القضاء على هذا الفصل في المجتمع ذاته !) ولتكريس وضع طبقي امتيازي فيه يحول قاعدته ، عماله اليدويين ، الى بروليتاريا، وقيادته ، عماله الذهنيين ، الى برجوازية . عندئذ لا ترى القاعدة طريقاً للتحرر من عبودياتها الاجتماعية والشخصية سوى التماهي مع حزب “ها” ، فتصبح خسارتها لعضويته خسارة ، في الوقت نفسه ، لذواتها المتماهية معه وموتاً لها ( ربما كانت هذه الآلية الرهيبة قادرة على تفسير حالات الاحساس بالامتهان والغربة عن الحقيقة التي تلازم المطرودين من صفوف الأحزاب الشيوعية من النمط الستاليني ، وحالات الانتحار التي يقدم هؤلاء عليها ، نتيجة لفشلهم في العودة الى وضعهم الانساني السوي . ان وضعهم خارج الحزب يعني فعلياً القضاء على آيانيتهم التي أحلها الحزب محل حياتهم الفردية والشخصية، وأوهمهم اهنا يجب ان تعادل بالنسبة لهم حياتهم ذاتها) .
كان الياس يرد في تلك الفترة أزمة الحزب الى بنيته التنظيمية والى عبادة الفرد والايديولوجية الستالينية وانعدام الديموقراطية . ويرد أزمته مع المجتمع وفيه الى خطته السياسية ، أي الى استراتيجيته وتكتيكه الطبقويين، اللذين يراهنان على الثورة الوطنية الديموقراطية ذات الطابع والأفق البرجوازي . وقد رد على الأزمة الحزبية الداخلية بالمطالبة بوضع نظام داخلي له يعين مسؤوليات المنتمين اليه وحقوقهم ويحدد
علاقاتهم دون لبس أو غموض ، آما يبين مهام هيئاته وصلاحياتها ، فيعترف بأن مؤتمر الحزب العام هو هيئته العليا المقررة ، وان اللجنة المركزية المنبثقة عنه هي الهيئة التي تحل محله ، وان المكتب السياسي هو الهيئة التي تسير أمور الحزب بعد أن ينتخب من اللجنة المركزية ،
التي يكون مسؤولاً أمامها وأمام المؤتمر العام ، وان أمين الحزب العام مسؤول أمام هيئاته وليس العكس ، آما هو حاصل في الحزب الشيوعي ، حيث يمسك الأمين العام بخناق الحزب ، فيعين اعضاء اللجنة المركزية ، وينتقي أعضاء المكتب السياسي أو يطردهم على هواه ، ويمنع انعقاد المؤتمر لعشرات السنين ، بحجة الوضع نصف السري- نصف العلني للحزب ، والأخطار التي يحملها المؤتمر عليه ، وأخيراً يدير الحزب بواسطة هيئة صغيرة من اتباعه المخلصين اسمها القيادة المركزية ، ضمت اشخاصاً من مستوى ذلك الرفيق الذي جاء يحل أزمة الحزب في اللاذقية . آما طالب الياس بانتخاب أعضاء المؤتمر من القواعد والهيئات الحزبية مباشرة ، واقترح التركيز على مبدأ الديموقراطية وليس على مبدأ المركزية ، وعلى حق أعضاء الحزب في سحب الثقة من القيادات وفق اجراءات ديموقراطية معينة ومحددة في النظام الداخلي . كذلك قال بحق الاجتهاد والنقاش وحرية الرأي في الحزب ، كي تنبثق قراراته من تفكيره الجماعي ، القائم على انفتاحه على المجتمع وحواره معه . الى ذلك ، دعا الياس الى عقد مؤتمر للحزب آل أربعة أعوام مهما كانت الأحوال ، على ان يعد في أجواء من الحرية ، وينتخب المندوبون اليه من القاعدة مباشرة ، ويعطوا الفرصة الكافية لمناقشة الوثائق التي يجب أن تقدم اليهم قبل انعقاد المؤتمر ليتاح لهم دراستها
وابداء ما لديهم من ملاحظات عليها . أخيراً ، رأى أن صحافة الحزب لا يجب ان تخضع لقيادته المركزية بما يحولها الى اداة ناطقة باسمها ولها ، بل يجب ان تمتلك حرية كافية لطرح أفكار وتصورات تهم الحزب ، وان كانت تنتقد القيادة أو ترى الأمور من منظورات مغايرة لمنظوراتها .
ومع ان الياس اعتقد أن هذه المطالب ذات الطابع التنظيمي المحض ليست كافية لأحداث تبديل جدي في طبيعة الحزب الشيوعي السوري ، فإنه رأى فيها بداية الطريق نحو اخراجه من أزمته ، لا سيما وانه ربطها بالنضال ضد الايديولوجية الستالينية وخط الحزب في المسألتين القومية
والاجتماعية . انذاك ، كان الياس يرى في التدابير التنظيمية تدابير عاجلة يمكن حسمها في مؤتمر حزبي ، مثلاً كان يفرق بينها وبين المسألة الايديولوجية ، التي لا يمكن حسمها في مؤتمر، بل ستحسم في اطار صراع فكري وايديولوجي شديد داخل الحزب وخارجه . فلا يكفي فيها اذن اتخاذ قرارات تنظيمية او حزبية بل يجب ان تتوفر
لها الحرية الفكرية الكافية والرغبة الصادقة التي تنهي احتكار الحزب للحقيقة ، واحتكار قيادته للعصمة المعرفية ، وتحوله الى محاور لذاته ولمجتمعه ، والى مناضل في سبيل الانعتاق العام تتجاوز نظراته الفكرية والسياسية المصالح الضيقة لهذه الطبقة او تلك الى افق مجتمعي أرحب ، تنضوي فيه مصالح الطبقة بدل ان ينضوي هو فيها .
هذه المرحلة امتدت من ١٩٥٣ الى ،١٩٥٨ وكان جوهرها رؤية الياس لأزمة الماركسية بالارتباط مع الحزب ، ولأزمة الحزب بالارتباط مع عبادة الفرد والستالينية . بعد
هذا التاريخ فصل الياس الماركسية عن الحزب فصلاً تاماً . انه لم يعد يربطها به تمهيداً لربطها بالحركة السياسية العربية الجديدة ، بحجة ان هذا الربط هو شرط تقدم الثورة الديموقراطية القومية ، آما عبرت عن نفسها في التجربة الناصرية ، نحو مواقع أآثر ثورية ، بل أخذ
بقول بضرورة اعادة انتاجها في هذا الواقع العربي الجديد ، وليس في الواقع الجزئي لهذا الحزب او ذاك ، وبضرورة اعادة قراءتها على ضوء حاجات هذا الواقع وليس على ضوء الحاجات الطبقية أو الطبقوية لهذا الحزب أو ذاك . وقد شجعه على الوصول بسرعة الى هذا الاستنتاج الموقف الذي اتخذه الحزب من الوحدة المصرية – السورية ، وجعله يعتقد جازماً انه قطيعة تامة مع السياسة ، تعدم تماماً الأمل في اصلاح الحزب وتحوله الى سراب خادع لا يستحق عناء الجري وراءه . وقد قال الاف
المرات فيما بعد : ان جميع أخطاء الحزب ، بما في ذلك الغلطة الفلسطينية ، لا تعادل واحدا من مائة من غلطة الوقوف ضد الوحدة . فهذه الغلطة أجهزت تماماً على الأمل في توطين الحزب الستاليني- البكداشي في الواقع العربي ، وحكمت عليه بأن يبقى غريباً عنه ، مهما امتد أجله وطالت أيامه .
غير ان الياس كان قد اكتشف قبل هذا ان الستالينية، “ماركسية ” عصر الانحطاط العربي وايديولوجية الالتحاق بالحقل السياسي المحتجز للبرجوازية، ثم ( بعد فشل هذه ) للطبقة الوسطى ، ليست سوى ايديولوجية وظيفية وادواتية ، يبرر الحزب بها آل شيء ، وينزل من خلالها بعفوية المنتسبين اليه الى درك مزاج جمعي مانع للوعي ومعاد لمن هم خارجه ، وهو مزاج عصبوي، متوتر وعصاباتي ، يجيز تحطيم المجتمع الواقعي باسم انقاذ المجتمع التجريدي أو فكرة المجتمع ، وابادة العمال من أجل انقاذ “الطبقة العاملة ” . ولا يجد غضاضة في بناء ” وعيه ” على تذكير أمته ومجتمعه ، وفي انكار وجود مصالح متميزة لهما مشتركة بين طبقاتهما. وقد بلغ هذا الطابع الوظيفي – الادواتي درجة من التفاقم والتهافت مكنت الحزب من استخدام ايديولوجيته لانكار وجود الحقيقة ذاتها ، فأخذ يقول ان الحقائق لا يمكن ان تكون الا نسبية ، وأن وجود الحقائق الكلية هو ضرب من فكر ديني غيبي ، يسربه الأعداء الطبقبون الى وعي الحزب لتحطيم ” ايديولوجيته العلمية ” . في هذا الاطار، شرعت الوقائع تصنف الى وقائع تفيد الحزب وأخرى تضر به، وشرعت الوقائع المفيدة تعتبر صحيحة وان كان ثمة ألف دليل على خطئها، والوقائع التي لا تفيده
تعتبر مغلوطة وان كانت حقيقتها باهرة كضوء الشمس . وانتقلت تشويهات الحزب للحقيقة من الماضي والحاضر الى المستقبل ، فصار التذكير بالماضي يعد ضرباً من التشهير بقيادته وخطه ، وأخذ الحزب يبذل جهوداً استثنائية لجعل افراده ينسون اليوم ما قالوه البارحة ، وينكرون الآن
ما آمنوا به الى الأمس ويعيشون دون ذاكرة أو تاريخ . بل ان الحزب اخفى معظم وثائقه السابقة وأنكرها ، واتهم من ذكروها أو اقتنوها من اعضائه بالعمالة والتخريب. والحقيقة ان الياس اثار حفيظة القيادة وريبتها ، عندما أخذ يبحث عن هذه الوثائق وينشرها ويطالب بدراستها ، لاعتقاده ان من المحال اصلاح الخطأ دون تتبع مساراته التاريخية والعملية ، وان حزباً يتنكر لماضيه لا يصلح اخطاءه بل يجعل أعضاءه ينسوها أو يقصر جهده على تبريرها.
من هنا عاد الياس بالعلاقة مع الحقيقة من مستواها السياسوي الى مستواها الفلسفي. فرفض استقلالية المستوى
الأول رفضا باتاً لازمه الى نهاية حياته . وأكد أشد التأكيد على أولية الصعيد الثاني ، فكان حرصه الشديد على وضع أبسط تفاصيل الحياة السياسية في سياق فلسفي، يقابل أحياناً بعدم التفهم من مستمعيه ، ممن
كانوا يرون ثمة تفسيرات مباشرة وسهلة لما تقع أعينهم عليه من أحداث ، ويعتقدون انه يمكن شرح الظواهر السياسية دون العودة الى أية خلفيات فلسفية أو منهجية. لقد رفض الياس اذن رؤية الحدثيات السياسية ( وهي تاريخ العصر اليومي لدى هيجل) من منظورات محض سياسية ، منظورات ترى في القراءة السياسية الآنية لهذه الحدثيات استنفاذاً تاماً لها . وبحث في فوضى الأحداث عن
انتظام الفعالية الانسانية ، واتساق علاقات البشر ببعضهم أو بأنفسهم أو بالطبيعة . فاعادها هكذا الى صعيدها الأصلي الذي كثيراً ما فاجأت دقته الآخرين ، عندما كان الياس يخالف الاستنتاجات البسيطة والأحكام التي يطلقوهنا ، ثم تكشف لهم الأيام صواب رأيه وواقعيته،
ويرون بأعينهم تهافت رأيهم ، الذي كان يبدو أن الأحداث المباشرة تبرره .
برفضه للطابع الأدواتي للحقيقة ، اعاد الياس انتاج الحقيقة السياسية كحقيقة قابلة للقياس عملياً ، معياريتها الواقع نفسه ، بما فيه واقع الفاعلية الانسانية . بذلك أوجد القاسم المشترك بين الحقيقة السياسية ، حقيقة الفاعلية الانسانية الموجهة نحو تغيير علاقات القوى داخل مجتمع معين، وحقيقة الفلسفة ، وصار من الضروري متابعة الحقيقة السياسية في الواقع ، وبالتالي اعادة قراءته بدقة علمية ومخبرية ، ان أمكن . وغدا من غير المقبول الأخذ بآراء أو بأحكام أو بنظريات مسبقة ، ومن الحتمي اعادة اكتشاف آل شيء ، بوصفه حقيقة الواقع وليس حقيقة مجردة عنه أو متعالية عليه أو مفارقة لوجوده . ان الحقيقة التي كان الياس ينشدها كانت حقيقة الواقع السياسي في المحصلة النهائية فقط ، التي يجب ان ترتبط بها على نحو حقيقي ، أي فعال، ارادات ورغبات البشر، والتي تتجلى من خلال أشواقهم الى الحرية والعدالة والمساواة . من هنا رفض الاعتقاد ان الماركسية تتضمن حقائق معصومة ، نم ! وأخذ يعيد اكتشاف أدواتها في الواقع العربي المتعين في الزمان والمكان العربيين . وقد وجد اهنا ستكون حقيقية بقدر
ما تعيننا على اكتشاف واقعنا بصورة مطابقة لذاته ، وتساعدنا على تقديم قراءات مطابقة له . بهذا المعنى، اكتسب واقعنا عنده أولية نسبية على النظرية ، واكتسبت هذه قيمتها في نظره من كونها نظريته . صحيح انه كان يقول : لكي تتعرف الى شيء يجب ان يكون لديك تصور ما حوله . لكنه كان يضيف : اذا لم يكن تصورك
مطابقاً له ، فانه يكون مغلوطاً ، لا يكون تصوراً ولا يمكنك من التعرف على هذا الشيء ، بل هو يحجبه عنك .
لم تعد أزمة الحزب كامنة اذن في المستوى الايديولوجي، الماركسي- الستاليني ، فهذه تبرر آل شيء وأي شيء ، بل غدت كامنة في المستوى الفلسفي ، حيث لا محل الا لحقيقة الواقع وواقعية الحقيقة ، وحيث المطلوب ليس هو التبرير، بل المعرفة . المعرفة بذاتها وللبشر . المعرفة التي ليست مجرد معرفة أدواتية ، بل التي هي هدف ذاتها وغاية الانسان في آن معاً . في هذا السياق ، بدأ الياس يعيد انتاج الماركسية عربياً ، وأخذ يستخدم ما تتيحه من أدوات علمية متطورة للتعرف على واقع جديد بالنسبة لها هو الواقع العربي ، بغرض ” ضبط هذا الواقع وجرده ” ، آما كان يقول ، بأكبر قدر ممكن من الدقة والعلمية ، وانتاج الماركسية حتى من جوانبها الفلسفية كفلسفة توطنت في الواقع الجديد ، الذي أسهمت
في التعرف عليه فأسهم في تعيينها واغنائها بخصوصياته . من هنا ، لم تكن الماركسية في نظر الياس ايديولوجية منزهة وصحيحة خارج أي زمان ومكان ، تستقل حقيقتها عن وعي البشر، آما كان يفهمها الحزب الشيوعي ، بل غدت منظومة علمية تحطم غلافها الصوفي – الخرافي ، وعمارة مفهومية ومعرفية قابلة للبناء والتطوير، تقاس صحتها بقدرتها على الكشف عن واقع العرب وليس بعصمة ايديولوجية مدعاة لها ، روج لها الحزب الى درجة أوقعته في المهالك . اذا كانت الماركسية لا تحمل طابعاً اخلاقياً يضعها فوق الواقع ، فهذا يعني ان الماركسيات قد تتباين بتباين الواقع الذي يتلبسها ، وان ماركسية ما ستكون أقرب الينا من أخرى ، لأن الواقع الذي تعالجه أقرب الينا من غيره . الا انه يعني أيضاً انه لم توجد بعد الماركسية التي تغني عن الماركسية العربية ، وان تعريب الماركسية هو اعادة انتاج آاملة لماركسية ماركس ولينين في ظروفنا، سنتخلى خلالها آلياً أو جزئياً
عن ماركسية ماركس أو لينين أوماوتسي تونج … الخ ، أما لأننا لسنا موضوعها ، أو لأن الواقع المسجل فيها لا يشبه واقعنا . من هنا ، فان الزامنا بكل ما في الماركسية هو هوس ايديولوجي ستصل بنا نتائجه الى ما أوصلت الحزب اليه : الى الستالينية، ” النظرية ” الخرقاء ، التي تزيد من ضلالات الجاهلين ، بدل أن ترفع غشاوة ” العمس ” عن أعينهم . بيد أن الماركسية ليست فقط نظرية علمية ، بل هي أيضاً فلسفة . صحيح أهنا
نتاج وتكثيف لما قبلها من علوم وفلسفات ، الا انها لا تجبه او تغني عنه ، لذا فان العودة اليها واعادة انتاجها في حاضنتنا التاريخية والواقعية العربية سيتضمن بالضرورة العودة الى جذورها والى الفلسفات والعلوم السابقة لها ، فالماركسية التي لوي عنقها سياسياً ودولتياً في الاتحاد السوفياتي ليست هي ماركسية ماركس . وسيعني التخلي عن حقنا في اعادة قراءة وثائق الماركسية غير السوفياتية والتعرف على مصادرها قبولنا بلوي عنقها ايديولوجياً لصالح الحزب الشيوعي ، علماً بأن هذا اللوي لن يحدث هذه المرة انطلاقا منها هي ذاتها، بل من الايديولوجية الستالينية، انحطاط الماركسية السوفياتي – الدولتي ، لينتج انحطاطاً طبقوياً شرقياً أآثر تأخراً من الستالينية بما لا يقاس .
في هذا التاريخ ، أي في أواسط الخمسينات ، شرع ذلك الشاب النحيل ذو العيون الواسعة الجميلة ، الذي كان يبدو غريباً عن الحياة اليومية لعازب في أواخر العشرينات من عمره ، عملا فكرياً دائباً سيقيض له ان يكون أول وأشهر من تصدى لمثيله في العالم العربي الحديث. كان الرجل مزوداً بحافظة لا مثيل لها ، وكان ذكاؤه حاداً الى درجة تكاد تكون اسطورية ، أما معارفه الموسوعية الشاملة فكانت شيئاً مخيفاً ، يجعل محدثيه يفضلون الانصات اليه . لا أكون مبالغاً اذا قلت انه كان يحمل في رأسه المعارف الاساسية لعصرنا في مختلف أنواع العلوم والتخصصات، وأنه كان يستطيع التحدث بمنهجية علمية ومعرفية دقيقة حول مختلف أنواع العلوم الاجتماعية والفلسفية . آما كان يستطيع شرح معضلات العلوم الرياضية والطبيعية . ولقد كان ندا، قبل سنتين، لثلاثة من اساتذة الرياضيات الحديثة في جامعة اللاذقية، شاركوه سلسلة من المحاضرات عن هذا التخصص
العلمي ، ألقيت على دارسي الرياضيات من طلبة الجامعة.
أما بالنسبة لنا نحن ، الجيل المندفع الى العمل السياسي ، فقد كان تعرفنا عليه منعطفاً حقيقياً في حياتنا ، إذ غرس في نفوسنا الايمان بأن البحث عن الحقيقة لا ينتهي . وان الانسان لا يكتسب المعرفة بمجرد انتمائه إلى حزب او هيئة معينة . وأن الماركسية ليست صفة عضوية أو فطرية من صفات الشيوعي ، بل هي مكتسب نضالي وكفاحي ، لذلك لا يمكنها أن تتضمن آل الحقيقة ولا
يمكن أن تكون الحد الذي تتوقف عنده المعرفة الانسانية . كان الياس يعلمنا أن التقرب من الواقع هو سيرورة لا تنتهي ، وأن التحصيل المعرفي هو نوع من الكدح الفكري المتواصل ، يتطلب الدأب والتواضع والرغبة الصادقة في
العلم والتجرد عن صغار النفس والطمع في المغانم الشخصية ، ويفترض في صاحبه الصدق والنزاهة والتعلق بالحقيقة والتمسك بالأخلاق والفضيلة . ولعل من عرفوه يشهدون له بهذه الصفات ، التي كانت طبيعية لديه ، لا تصنع فيها ولا تكلف . ولقد مات رحمه االله ، وباب بيته مفتوح للكبير والصغير ، وعقله مفتوح لما يقوله الآخرون أو يعرفونه ، وبينهم رجل الدين وشيخ الجامع والراهب والفيلسوف والشيوعي والبعثي والطالب والعامل والتاجر .. الخ ، والسوري واللبناني والاردني والعراقي والفلسطيني والمصري … فضلاً عن آلاف الأجانب ممن كانوا يقصدون اللاذقية البعيدة ، كي يتعرفوا عليه.
بعد بروز الخلافات بين الياس والحزب ، شنت عليه قيادة منظمة اللاذقية حملة شعواء ، بأمر من قيادة الحزب المركزية في دمشق . فلم يهاتر ولم يتهم ، بل كان يحاول دوماً العودة بالأمور إلى جذورها . هكذا قال رداً على اتهامه بالعمالة للمخابرات الاميركية ثم المصرية ان هذا الاسلوب يلغي النقاش ويحول دون طرح القضايا الحقيقية المختلف عليها ، وأنه من حق أي انسان كان ، بما في ذلك عملاء المخابرات ، قول آرائهم ومن واجب الحزب الرد عليهم وتفنيد ما يقولونه . وكان يرد على اتهامه بالعمالة للمخابرات المصرية : لا يجوز ان تكون معتقدات الانسان تهمة توجه اليه ، خاصة اذا كانت معلنة ومن
طبيعة عامة . أنا أعتقد أن موضوع السياسة هو العلاقات البشرية داخل هيئة اجتماعية معينة ، والروابط بين أفراد هذه الهيئة والمؤسسات السلطوية القائمة فيها . لذا لا أستطيع تقليص موضوع السياسة
ومسخه الى مجرد علاقات طبقية ، ولا أخرج العلاقات الأخرى منه ، ومنها العلاقات الوطنية والقومية والانسانية ، التي قد تكون أآثر أهمية من العلاقات الطبقية بالنسبة لمجتمع كالمجتمع العربي في طوره الراهن . وبما أنني متفق مع قيادة عبد الناصر على أن رافعة الثورة الاجتماعية في الوطن العربي هي ثورته القومية ، ومؤمن ان هذه الثورة القومية هي ذاتها ثورته الاجتماعية ، بينما
الثورة الاجتماعية على الصعيد القطري قد تكون نقيض الثورة القومية والاجتماعية العربية وبديلها ، فإنني لا أنكر وقوفي ضد تصور الحزب الشيوعي ، وإيماني بخط عبد الناصر . من جانبه ، كان الياس قد أحل منذ أشهر الصراع الأولى مع قيادة الحزب البكداشية رؤيته الشاملة للأوضاع العربية محل علاقاته مع الحزب ، وشرع يقيم هذه العلاقة بمعيارها غير الشخصي ، الذي جعل نقده للحزب يتخلص بسرعة من طابعه الضيق ، ويتحول الى نقد لدوره
في الحياة العربية ، الذي اعتبره شديد الضرر والأذى ، تسببت به بنيته التنظيمية وايديولوجيته الستالينية، واستراتيجيته وتكتيكه ، وافتقار قياداته واعضائه إلى
المعرفة العلمية والفلسفية وجهلهم بالمجتمع العربي . من هنا كان نقد الياس يترفع عن الجوانب الشخصية ، رغم ما لاقاه من عسف وتعرض له من اهانات واعتداء ، وينصب دوماً على الجوانب الموضوعية ، غير الشخصية في خلافاته مع الحزب . حين كان أحد ما يذكر إسم خالد بكداش أو يوسف
فيصل أو أحد قادة الحزب ، فإن الياس كان يكرر كلمة لا يحيد عنها : ” اتركونا منو ، ما شايفينه مسكين ومشحر وبيوجع القلب ؟ ” .
لم يكن الياس مرقص بالنسبة لي وحدي منعطفاً حقيقيا،ً بل كان كذلك بالنسبة لأجيال كاملة ، سواء أكان أفرادها على تماس شخصي معه أم لم يكونوا . واذا كان قد قيض لي ولأبناء كثيرين من جيلي التعرف عليه في تلك الفترة الهامة من أواسط الخمسينات ، التي تبلورت فيها منظوراته الفكرية والسياسية ، فإنما حدث ذلك لكونه لم يكن رجل ثقافة امتيازية قصرها على نفسه وسعى لأن
ينال بها مغانم شخصية ، أو لأن يتقرب بها الى أولي الأمر، أو ينحدر عبرها الى مواقع الثراء والسلطان ، بل كان رجل المعرفة السقراطية ، المعرفة التي ” تفسد” الآخرين وتدفع صاحبها الى تجرع السم من أجل المواقف التي تمليها عليه عموميتها وعلنيتها.
في أوائل الخمسينات وضع الياس اذن أحجار الأساس للعمارة النقدية والمعرفية التي أشادها بدأب نادر المثال وبمحاكمات نقدية صارمة طيلة الأعوام الأربعين الماضية، وأسهمت كثيراً في نقدم العقل العربي نحو الواقعية والعقلانية، وفي ربطه بطموحات وأحلام البشر العاديين من الأمة، ذخيرة الوحدة والتقدم والديموقراطية.
المصدر: رواق ميسلون/ التيار القومي العربي






