
عندما هُزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، أذلّها الحلفاء في معاهدة فرساي سنة 1919 التي أنهت الحرب رسمياً. فرضت المعاهدة، وهي من أطول الوثائق القانونية واعقدها في العصر الحديث، شروطاً مهينةً للكرامة الألمانية القيصرية، ووضعتها عملياً تحت وصاية الدول المنتصرة، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. حمّل الحلفاء ألمانيا المسؤولية الكاملة عن الحرب والدمار الذي أنتجته في أوروبا كلّها، واشترطوا عليها تعويضات مهولة رهنت الاقتصاد الألماني ودمّرته، كما اقتطعت أجزاء واسعةً من الأراضي الألمانية وألحقتها بفرنسا وبلجيكا وبولندا وغيرها. قيّد الحلفاء أيضاً حجم الجيش الألماني تحت سقف مئة ألف جندي، وهو الذي تجاوز عدده المليونَين قبل الحرب. اخترقت المعاهدة وشروطها المذلّة عمق الوجدان الألماني الجمعي، وأنتجت جراحاً قوميةً ظلّت تنزف هزيمةً. عوض أن تكبح تلك الشروط ألمانيا وتصفدها، أنتجت ردّة فعل عكسية عنيفة، رافضة ومتطرّفة، تجسّدت، في نهاية المطاف، بنشوء الحزب القومي النازي بقيادة هتلر، واكتساحه المشهد السياسي، شعبوياً وديمقراطياً أيضاً.
اخترقت معاهدة فرساي 1919 وشروطها المذلّة عمق الوجدان الألماني الجمعي، وأنتجت جراحاً قوميةً ظلّت تنزف هزيمةً
بقيّة القصة كُتبت بدماء عشرات الملايين من ضحايا الحرب العالمية الثانية والدمار الذي رافقها، وباتت معروفة للعالم.
الدرس المرير هنا يقول إنّ النصر العسكري المباشر لا يحسم النتائج طويلة المدى للهزيمة. فوق الأرض تُرفع رايات المنتصر، وتحت الأرض قد يتجذّر الإذلال وينمو، ومعه يعود المهزوم على نحو أكثر صلابة وعنفاً. كلّما تعمّق الإذلال تتطرّف ردّة الفعل الطويلة، وليس بمقدور أحد حينئذ التكهّن بالمآلات. لكن هذا ليس قانوناً تسير وفقه نتائج الحروب كلّها؛ إذ يحدُث أن يلعق المهزوم جراحه، وتتأبّد نتيجة الحرب. في أحسن ظروف الحروب الكُبرى والحبلى بالأيديولوجيات والتواريخ المريرة، تكاد تتساوى رهانات مخاطر المستقبل: إذلال الخصم يؤدّي إلى إطالة الصراع المستقبلي، أو تدجينه إلى الأبد. كلّ حالة تُقاس بظروفها ومكوّناتها والأطراف المنخرطة فيها. بكلّ الحالات، النزوع نحو الإذلال الكلّي مقامرة كبيرة ترهن شعوب ودول الجوار. بين التدجين والإذلال الكامل هناك طيف خيارات واسع يسحب فتائل الانفجارات، أو على الأقلّ يقلل احتمالاتها على نحو كبير.
من هنا يأتي قانون الجغرافيا السياسية ليفرض نفسه بوصلة التفكير الرصين، ناصّاً على أنّ الدول المتجاورة مكتوب عليها التعايش معاً، في الجغرافيا والتاريخ، رغماً عنها. وهذا يضع أمامها خيارَين: أن تجترح معادلة العيش إلى جوار بعضها بعضاً سلماً، أو تغوص في العداء المأبَّد ودائرة الحروب المدمّرة. تلاعب المنطق الإمبريالي في القرن العشرين بهذا القانون في الجغرافيات البعيدة منه، إذ شجّع على العداء المؤبَّد بين الجيران في صراع توسيع النفوذ في مناطق العالم والتنافس على السيطرة. في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، تنافست الدول الكُبرى على كسب الحلفاء المحلّيين ودعم هذا الطرف أو ذاك. أنتج هذا دماراً في تلك القارّات كلّها، بينما سلمت الإمبرياليات ذاتها منه، لأنّها تعاملت مع بعضها بعضاً وفق منطق الجغرافيا السياسية، وتعايشت رغم قرون العداوات الطويلة الماضية.
تمتعت أوروبا والولايات المتحدة بعقود طويلة من السلام بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي تطاحنت فيما بينها وقُتل عشرات الملايين من سكّانها. أيقنت أنّه لا بدّ من الوصول إلى تعايش الجوار رغم الكراهيات العميقة، وأيقنت أيضاً أنّ تلك الكراهيات قد لا تُمحى، لكن يجب تقييدها وعدم الوقوع في حبائلها لتكون هي من يرسم السياسات ويقرّر المصائر. العداء العميق بين فرنسا وألمانيا تحوّل إلى تعاون، وكذا بين ألمانيا وبريطانيا، فتقدّم الجميع. ما تُسمّى الحرب الباردة الطويلة بين الاتحاد السوفياتي والغرب حمت أوروبا وأميركا والبلدان السوفياتية من الصراعات الدموية، لكنّ تلك الحرب تُرجمت إلى حروب ساخنة وطاحنة، بالوكالة، في كلّ مناطق العالم. صارت بلدان العالم الثالث ميدان حروب الدول الكبرى، وصارت شعوب ذلك العالم هي من يدفع الثمن الباهظ: دماراً، وثروات، وإعاقة تنمية، وتخلّفاً.
يفيد التأمّل في الدرس الألماني وما تلاه من عنف وتطرّف، ثم إيجاد صيغ للتعايش الإقليمي، في تعزيز التفكير الهادئ والرصين في حال منطقتنا بعد انتهاء الحرب الكارثية التي أطلقتها إسرائيل وأميركا، وزجّت الجميع فيها، في مقامرات نحو مستقبل مجهول. في نهاية المطاف، لا إسرائيل ولا أميركا تجاوران إيران، بل تجاورها الدول العربية، وخاصّةً دول الخليج، وهي من يدفع الكلف الباهظة اليوم، ولا يعلم أحد ماذا يحمل لها المستقبل. وحول هذا المستقبل المحفوف بمخاطر جمّة، ثمّة مقاربتان مطروحتان للنقاش: الأولى عقلانية تُقرّ بقانون الجغرافيا السياسية وتحاول الابتعاد عن نموذج الإذلال الألماني الذي أنتج في الجوار الأوروبي هتلر والنازية، والثانية انتقامية تريد إيران مدمّرةً منزوعةً الأنياب ومذلَّة. ليس هناك حلّ سحري، بطبيعة الحال، مضمون النتائج، وهذا حال السياسة وغموض خياراتها. بيد أنّ التجربة التاريخية تؤيّد المقاربة العقلانية، وهي الأصعب إنتاجاً، لكنّها الأكثر ضماناً لمستقبل طويل المدى. تحقّق المقاربة الانتقامية أهدافاً قصيرة النظر، لكنّها تُمَوضع المنطقة كلّها في أسر منطق العداوة المأبَّدة مع الجوار الإيراني. وإيران التي يُراد تحطيمها وتفكيكها وإذلالها ليست دولةً عاديةً كما يعرف الجميع؛ نحن هنا إزاء منظومة معقّدة من التاريخ العميق، والأيديولوجيا المتجذّرة، والوعي الجمعي القائم على المظلومية، والقومية الفارسية الصلبة. هذا كلّه يصعب حشره في قفص هزيمة مؤبّدة، حتى إن هُزم مرحلياً.
حقّقت المقاربة الانتقامية أهدافاً قصيرة النظر، لكنّها تُمَوضع المنطقة كلّها في أسر منطق العداوة المأبّدة مع الجوار الإيراني
نهاية الحرب الحالية كما تريدها إسرائيل وأميركا تتضمّن نقل الصراع ليصبح إيرانياً – عربياً (خليجياً)، فيما تدير واشنطن ظهرها، وتكون إسرائيل قد حقّقت ما تريد: تحويل الصراع البارد بين إيران والخليج إلى حروب ساخنة. في عمق الإدراك الإسرائيلي التوسّعي ثمّة أيضاً غيظ مكبوت من النجاح الاقتصادي والاستقرار الذي تنعم به دول الخليج، بما فيها تلك المطبعة مع إسرائيل. أيُّ نجاح عربي، واستمرار أيُّ نموذج ناجح، حتى لو كان “مسالماً” وفي غير حالة حرب مع إسرائيل، يمثّل خطراً بعيد المدى ينافس “نموذجها” الذي تريده متفرّداً في المنطقة. وبقاء الفضاء العربي ضعيفاً في المجالات كلّها، وليس العسكري فحسب، هو أحد شروط بقاء إسرائيل. ينطبق هذا على الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، كما ينطبق على غيرها. ولنا أن نتذكّر أنّ أحد أهم الدعايات السياسية التي أسّست ورافقت التطبيع بين إسرائيل ومصر والأردن لاحقاً كان الوعد بالازدهار الاقتصادي لهذه البلدان، الأمر الذي تحقّق عكسه. ما يجب أن يقود المنطقة بعد الحرب فرض قانون التعايش مع إيران، وليس تأبيد العداوة معها، برغم الصعوبات والعوائق التي قد تواجه هذا القانون، وهو نفسه الذي قاد أوروبا ما بعد حروبها إلى السلم الذي نعمت به وأتاح لها الاستقرار والازدهار.
المصدر: العربي الجديد






