هجرة الجماهير وصعود الخوارزمية… نهاية المانشيت في زمن التمرير

مصطفى البقالي

لا تقتصر أزمة الصحافة اليوم على تراجع الجمهور أو تبدّل عاداته الاستهلاكية، بل أضحت تمسّ جوهر وظيفة الخبر نفسه: كيف يُرتَّب العالم أمام المتلقّي، وكيف يُقال ما الذي يستحقّ التوقّف عنده، وأيضاً ما يمكن أن يمرّ عابراً. والحدث، في زمن المنصّات والبودكاست والمقاطع القصيرة لا يفرض ثقله تلقائياً، إذ تبرز الضرورة تزاحم التسلية والغرابة والفضيحة داخل القالب نفسه، وبالسرعة نفسها. يتجاوز هدف هذه المقالة مناقشة الانتقال من المؤسّسات الإعلامية إلى المنصّات الرقمية، لتذهب أعمق بحثاً في انهيار التراتبية التي تمنح الخبر معناه، في ظلّ صعود فضاء جديد تتساوى فيه الحرب مع النكتة، والجوهري مع العابر.
حرب “قصيرة الأمد
أطلق نائب رئيس الولايات المتحدة جي دي فانس سيلاً من التصريحات، طمأن الجمهور فيها بأنّ الحرب مع إيران “ستكون قصيرة الأمد”، وأنّ الرئيس حقّق “الغالبية العظمى من الأهداف العسكرية” وأنّهم “سيخرجون قريباً”. وفسّر ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة بوصفها شياطين حقيقية ينوي تتبعها في المنطقة الـ51، وتوعّد بترحيل إلهان عمر بتهمة الاحتيال في الهجرة، ووعد بانخفاض وشيك في أسعار البنزين، وردّ ضاحكاً على جو روغان الذي وصف أنصار ماغا بالحمقى: “نحبّ حمقانا”.
حدث هذا التداخل العجيب كلّه في حلقة واحدة من بودكاست بيني جونسون، صانع المحتوى الترفيهي المحافظ، وبُثّت مباشرة من مكتب نائب الرئيس في البيت الأبيض.

حضور الخبر بوزن الهامش يجرّد المواطن من أيّ أداة للتمييز بين ما يستحقّ القلق وما يستحقّ التسلية

في زمن آخر، كان تلميح نائب رئيس بقرب انتهاء حرب كُبرى يحتكِر نشرة المساء، ويملأ الصفحة الأولى، ويُجبر كلّ شيء آخر على الانتظار. يحظى الحدث بساعاتٍ من التحليل، خرائط في الشاشة، وبمراسلين عند خطوط النار، وأسئلة عن الخسائر والتبعات والثمن. مَثّل المانشيت فعل حكم: هذا الحدث أهمّ من كلّ ما عداه.
وعلى أريكة بيني جونسون، مرّ هذا التصريح في دقيقتَين، طُويت حربٌ طاحنة بين شظيتَين ترفيهيَّتَين، وابتلع التدفّق حقيقةَ مرور حدث ثقيل للتو. طرح جونسون سؤاله عن الحرب فعلاً، وتكمن الأزمة الحقيقية في مساواة هذا السؤال بوزن الفضائيّين، والمضي إلى الموضوع التالي بالسرعة نفسها. تتجاوز المشكلة مجرّد غياب السؤال؛ فحضوره بوزن الهامش أشدّ خطراً، إذ يمنح المواطن وهم الإحاطة مجرّداً من أيّ أداة للتمييز بين ما يستحقّ القلق وما يستحقّ التسلية. هذا هو الوجه الحقيقي للخبر في زمن التمرير.
المانشيت الذي صار شظية
يستوجب فهم حقيقة ما جرى على تلك الأريكة العودة المباشرة إلى الأرقام التي صدرت الأسبوع الماضي عن معهد رويترز لدراسة الصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism) التابع لجامعة أكسفورد؛ ففيها تكمن البنية التي أنتجت هذا المشهد.
لعقود طويلة، صاغت غرف التحرير حكايتها المريحة عن جيل تائه يغرق في التفاهة الرقمية. وتأتي أرقام “رويترز” لتقلب هذه الرواية: يصرّح 39% من الشباب اليوم باعتمادهم في وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للأخبار، قفزة هائلة من نسبة 21% قبل عشر سنوات. وتتراجع المواقع الإخبارية من 36% إلى 24% مصدراً رئيساً. ويكتفي 14% فقط من الشباب بالدخول مباشرة إلى مواقع الناشرين، نزولاً من 21% عام 2017.
يمنح 51% من مستخدمي التواصل الاجتماعي الشباب أولوية انتباههم لصنّاع المحتوى الأفراد، وتكتفي نسبة 39% بالالتفات إلى المؤسّسات الإعلامية. يتربع “إنستغرام” بـ30%، و”يوتيوب” بـ23%، و”تيك توك: بـ22%، وينكمش “فيسبوك” من 47% قبل عقد إلى 16%.
يقرأ فانس هذه الأرقام بغريزته متجاوزاً لغة الورق. تستغني السلطة عن التقارير الأكاديمية لتدرك هجرة الجمهور، وتكتفي بالنظر إلى أماكن التجمّع الجديدة لتزحف إليها. اختار فانس المنصّة التي يسكنها الجمهور فعلاً. وفرض القالب المضيف هناك واقعاً ترفضه المؤسّسة التقليدية: ساوت بنية البودكاست الترفيهي الفاقدة للتراتبية بين التصريح العسكري وحديث الشياطين بشكل تلقائي. تجري الأمور هناك بالسرعة ذاتها والنبرة نفسها والوزن نفسه. مرّت الحرب بدرجة الحرارة المخصّصة للشياطين، ويقف المواطن مجرّداً من أيّ أداة للتمييز بين ما يستحقّ التوقف وما يوجب التجاوز.
الأريكة التي تساوي بين الثقيل والخفيف
في زمن مضى، اتخذ السعي نحو الخبر طقساً يومياً: إدارة المذياع صباحاً، جلوس أمام شاشة المساء، تقليب صفحات الجريدة مع القهوة. نحت هذا الفعل القصدي المتكرّر وعياً جمعياً وأسّس لمواطنة تتغذّى من القرار الواعي. فرضت المؤسّسة الإعلامية ضمن هذا الطقس تراتبيةً صارمةً للأحداث: الحرب أولاً، ثم الاقتصاد، ثم بقية العالم. مثّل المانشيت فعل حكم: هذا أهم من ذاك. يسأل الصحافي نيابة عن الملايين، ويجيب المسؤول تحت وطأة الكاميرا، ويراقب المواطن ليحكم.
ويتدفّق البودكاست حرّاً من هذه القيود. يجاور السؤال عن الحرب استفسارات الشياطين استجابة لطلبات المتابعين في الدردشة المباشرة. طرح بيني جونسون سؤاله عن إيران بالوزن نفسه الذي خصّصه للفضائيين، ومضى نحو المحطّة التالية بإيقاع لاهث. يمحو هذا القالب الفارق الشاسع بين تصريح يمسّ خريطة الشرق الأوسط وفضول بشري عن كائنات خارقة.

يؤمن 31% من الشباب بوجود نقص فادح في تغطية قضاياهم، ويعتبر 35% التغطية غير عادلة لجيلهم

يؤمن 31% من الشباب بوجود نقص فادح في تغطية قضاياهم، ويعتبر 35% التغطية غير عادلة لجيلهم، وتشتد الخيبة بوضوح لدى الشابات اللواتي صُمّمت غرف التحرير تاريخياً في مقاس اهتماماتٍ تغترب عنهن. يتجنّب خُمسهم الأخبار لانعدام صلتها بواقعهم، ويعترف 15% بصعوبة فهمهم للغتنا الإعلامية. نحن نبيعهم قلقاً معقّداً بأقفال صدئة، ونعاقبهم على ضياع المفتاح. اتجه هؤلاء نحو الباب المفتوح هرباً من تعالينا. ويستقبل هذا الباب الوافدين كلّهم دفعة واحدة: تعبّر الحرب والشياطين والنكتة والاحتيال بالطريقة ذاتها، وتصل إلى المواطن متساوية في الحجم ومتساوية في سرعة النسيان.
وتتضاعف الأزمة بتقطيع تلك الحلقة إلى شظايا قصيرة توزَّع في “إنستغرام” و”تيك توك” و”يوتيوب شورتس”. سينتشر مقطع الشياطين لإثارته، ويحصد مقطع “حمقى ماغا” التفاعلات لفكاهته، ويحلّق مقطع إلهان عمر بجناحي الجدل. وتغرق الدقيقتان المخصّصتان للحرب في قاع الخوارزمية؛ فطمأنات الجيش تعجز عن صناعة تفاعل يوازي بريق شيطان فضائي.
قوى تملأ الفراغ
انخفض الاهتمام بالأخبار 25 نقطة مئوية بين الشباب منذ 2013، وتراجع الاستهلاك اليومي 15 نقطة منذ 2017، ويقابله تراجع بخمس نقاط فقط عند الفئات الأكبر سنّاً. يسقط الشباب أسرع لغياب رصيد من العادة يربطهم بمؤسّساتنا. الطابق الخالي من السكّان ينهار أولاً. وتتسابق في هذا الفراغ ثلاث قوى لملء المساحة الشاغرة.
يضخ صانع المحتوى جرعات مكثّفة من الحميمية والبساطة. يبني هوغو ترافير في فرنسا وديلان بيج في بريطانيا وروكا نيوز في أميركا جمهورهم من سؤال واحد: كيف نقول ما تقوله المؤسّسة بلغة تعفي من القاموس؟ يشاهد 73% من الشباب مقاطع فيديو إخبارية قصيرة أسبوعياً. يحتفظ الجيل بشغفه بالمعرفة، ويحصر تمرّده في وعائنا التقليدي. ويُنتج القرب المجرّد من الدقّة والبساطة المفرغة من السياق وهماً بالوعي بدلاً من صناعته.
وتتدخّل الآلة لتملأ الفراغ بالتبسيط. يستخدم 15% من الشباب الذكاء الاصطناعي للأخبار أسبوعياً، ويطلب 48% منهم تبسيط القصّة الإخبارية، ويستعين 46% به لتقييم المصادر. يطلب الشاب من الآلة أن تشرح له ما قلناه نحن، ويفوّضها لفكّ طلاسم لغتنا وللحكم على مصداقيتنا. يعيش 60% من هؤلاء حالة قلق من عجزهم عن التمييز بين الحقيقي والمزيّف، ويلجأ 13% منهم إلى الذكاء الاصطناعي ذاته للتحقّق من الأخبار.
وتأتي السلطة قوة ثالثة تفرض قواعدها. ومع سقوط دورنا في الصحافة حرّاساً للبوابة وميزان الأحداث، تصل السلطة إلى المواطن مباشرة عبر قالب يساوي بين الحرب والشياطين. يمثّل مشهد فانس على أريكة البودكاست النتيجة الطبيعية لحقبة كاملة من هجرة الجمهور وتقاعسنا.
تفتيت المانشيت
تحتل السياسة المرتبة التاسعة في سلّم اهتمامات هذا الجيل، وتستقرّ “الأخبار المسليّة” في الخامسة. يرى 32% منهم أنّ الحياد يفقد معناه في قضايا مثل العنصرية والمناخ. وتقف فجوة الثقة بين الأجيال عند تسع نقاط مئوية فقط، وهي مسافة أضيق بكثير مما نروّجه لتبرير عجزنا. استبدل الجيل الرافض لمؤسّساتنا المانشيت المحمي بفضاء مستباح يساوي بين كل شيء، وتتلقّف السلطة هذه المساواة هدية ثمينة، تمرّ الحرب بوزن الشياطين، وتتلاشى الأسئلة عن الخسائر.

جوهر صناعة الإعلام الموازنة بين الجدّية والترفيه

تعيش مؤسّساتنا حصاراً اقتصادياً خانقاً، يستهلك الجيل الأخبار عرضاً في أثناء التمرير ويعجز عن تذكّر منتجها. نلهث خلف المشاهدات في المنصّات القصيرة لنفوز بالوجوه ونخسر الجيوب. تتطلّب النجاة ابتكار مسارات عودة جادّة إلى فضاءات نملكها ونحكم قواعدها.
مثّل المانشيت يوماً فعل حكم قاطع، يحدّد الأهم، ويفرض على الجميع لحظة توقّف وتأمّل. كان الصحفي حارس هذا الحكم، يمنع زحف الخفيف نحو مساحات الثقيل، ويمنح المواطن بوصلة تميّز بين قلق مشروع وتسلية عابرة. واليوم، في 24 دقيقة على أريكة واحدة، مرّت حرب وشياطين واحتيال ونكتة وترشّح محتمل، توحّدت سرعاتها وتطابقت نبراتها وتساوت أوزانها. قُطّعت الأحداث إلى شظايا تناثرت على ملايين الشاشات العمودية، وتُركت الخوارزمية وحدها لتقرر هُويّة المقطع المنتشر. وحين يتساوى كلّ شيء، تتلاشى قيمة كلّ شيء.
تشكّل هذه الأرقام فرصةً للمؤسّسات الصحافية للتطور لا التراجع والاستسلام، حالها مع الجمهور كحال منقذ السباحة يغرق مع الغريق بقدر ليخرجه إلى الهواء ولا ينزل معه إلى القاع. ويذكّرنا في جوهر صناعة الإعلام، وهو الموازنة بين الجدّية والترفيه. فمن الممكن الاستماع إلى بودكاست طويل وعميق وممتع بعيداً عن همزات شياطين فانس ومضيفه. تماماً كما بالإمكان صناعة مشاهير ونجوم لديهم عمق وكفاءة. قدمت دراسة معهد رويترز تشخيصاً لسوق المشاهدة بقي على المؤسسات أن تبحث في الدواء النافع، وربما العمليات الجراحية.
خاتمة
تكشف الأرقام والتحوّلات (المذكورة) أنّ الخطر الحقيقي يتمثّل بضياع القدرة الجماعية على التمييز بين ما ينبغي أن يشغل المجال العام وما يجوز أن يبقى في هامشه. إذ حين تفقد الصحافة قدرتها على ترتيب الأولويات، يظلّ المواطن أمام فيض متساوٍ من الشظايا التي تستهلك انتباهه وتتركه أفقر فهماً وأكثر عرضةً لتوجيه السلطة والخوارزمية معاً. لكنّ هذا الواقع ليس حكماً نهائياً بموت الإعلام الجادّ، بقدر ما يفتح أمامه اختباراً صعباً هو استعادة جمهوره من دون أن يتنازل عن وظيفته، وتطوير لغته وأشكاله من دون إفراط في ميزانه الأخلاقي والمهني. وإن كانت المعركة في ما مضى على الجمهور، فإنها اليوم على معنى الخبر نفسه، وعلى الحقّ في أن يبقى للحدث وزنه.

 

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى