حول دور سوريا في شبكات الطاقة الإقليمية

مالك الحافظ    

تدخل فكرة مرور أنابيب النفط والغاز الخليجية عبر سوريا النقاش خلال الفترة الأخيرة بصيغة مباشرة، لتربط الموقع الجغرافي بإمكانية إنشاء مسار طاقة باتجاه المتوسط وأوروبا. غير أن هذا الطرح، الذي يُقدّم المسار كخيار قابل للتنفيذ ضمن المدى القريب، ويستند إلى تصور جاهزية العبور عبر الأراضي السورية، يحتاج إلى ضبط وفق معايير قطاع الطاقة التي تحكم قرارات الشركات والدول، لا سيما أن مشاريع الأنابيب ترتبط بعقود طويلة الأجل، وبضمانات سيادية، وبقدرة تشغيلية مستقرة.

تحدد هذه العناصر موقع أي مسار ضمن خطط التنفيذ، ومن خلالها يمكن قراءة موقع سوريا داخل معادلة العبور، من دون تحميل الجغرافيا دورًا يتجاوز شروطها الفعلية ضمن بيئة داخلية لا تزال تعيد تشكيل بنيتها المؤسسية والسيادية، وهو ما يضع أي تصور لعبور مستقر ضمن شروط لم تكتمل عناصرها بعد.

هناك منظومة تصدير تديرها الدول الخليجية تعتمد بشكل أساسي على تعدد المنافذ؛ حيث أنشأت هذه الدول خطوط نقل داخلية وموانئ على البحر الأحمر وخارج الخليج، ما يمنحها قدرة فعلية على توزيع الشحنات والتحكم بالمسارات من دون الحاجة إلى فتح ممر جديد عبر سوريا. ورغم أن التوترات الإقليمية أعادت فتح ملف أمن الإمدادات ودفعت إلى فحص المسارات القائمة، فإن هذا التطور لن يدفع الدول إلى تغيير قراراتها الاستثمارية، لأن هذه القرارات تقوم على كلفة المشروع، واستقرار مسار العبور، والعقود طويلة الأجل. فضلًا عن أن الشبكة الحالية تغطي الجزء الأكبر من الصادرات وتقلل الحاجة إلى مشاريع جديدة عالية المخاطر.

ينعكس هذا المنطق الاستثماري مباشرة على مسألة التشغيل، لأن أي مشروع عابر للحدود يحتاج إلى بيئة قادرة على إدارة تدفق مستمر من دون انقطاع.

وفي المقابل، ورغم وجود دراسة عراقية لفتح مسار نحو المتوسط عبر سوريا من أجل توسيع خيارات التصدير، فإن هذا الفرق في مستوى الحاجة يضع سوريا ضمن مسار محدود مرتبط بالعراق، ولا يضعها ضمن مسار رئيسي لمنظومة الطاقة الخليجية، خاصة في ظل غياب دوافع استثمارية تدفع نحو إدخال مسار جديد ضمن بيئة عالية الكلفة والمخاطر.

تقوم مشاريع خطوط الأنابيب على استثمارات تمتد لسنوات طويلة، وتحتاج منذ البداية إلى عقود توريد مستقرة تحدد حجم التدفقات وسعرها، ضمن إطار يتطلب ضمانات سيادية واضحة تحمي الالتزامات وتضبط العلاقة بين الأطراف. وتعتمد شركات الطاقة، ضمن هذا السياق، نماذج مالية دقيقة تربط الكلفة بالعائد، وتحدد نقطة التعادل ومجال الربح. وفي المرحلة نفسها، تقيّم المؤسسات المالية المشروع وفق مؤشرات تتصل بالاستقرار السياسي وقدرة الدول على تنفيذ العقود. ونتيجة لذلك، يتشكل قرار التمويل داخل منظومة مترابطة لا تقبل اختلال أحد عناصرها، لأن أي خلل ينتقل مباشرة إلى الكلفة، ويضغط على الجدوى، ويحدّ من قابلية المشروع للدخول في مرحلة التنفيذ.

ينعكس هذا المنطق الاستثماري مباشرة على مسألة التشغيل، لأن أي مشروع عابر للحدود يحتاج إلى بيئة قادرة على إدارة تدفق مستمر من دون انقطاع. وفي الحالة السورية، يظهر قطاع الطاقة ضمن وضع يعاني من تراجع في الإنتاج وضعف في شبكات النقل، وضمن بيئة إدارية وتشغيلية ما زالت تعمل على إعادة تنظيم نفسها وتحديد قدرتها على إدارة مشاريع معقدة وعابرة للحدود.

هذا الواقع يفرض الحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة قبل الانتقال إلى مشاريع إقليمية. ومن داخل هذه الحاجة تبرز مسألة الإدارة التشغيلية، التي تتطلب جهازًا فنيًا قادرًا على التنسيق مع شركات ودول متعددة، ثم تتوسع إلى منظومة تشغيل يومي تتعامل مع الأعطال وتضمن الاستمرارية. وعند هذه النقطة، تتضح الفجوة بين متطلبات التشغيل والإمكانات المتاحة، وهي فجوة تدخل مباشرة في حسابات المخاطر لدى المستثمرين.

يندرج الحديث عن سوريا كممر طاقة ضمن خطاب يفصل الموقع الجغرافي عن شروط تشغيله، في حين تظهر معايير قطاع الطاقة أن القرار يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل التمويل والبنية التحتية والإطار السيادي والاستقرار السياسي.

كذلك، فإن المشروع يتجاوز في هذه المرحلة حدوده التقنية ليدخل في المجال السياسي، لأن مسار الأنبوب يمر ضمن جغرافيا ترتبط بشبكة مصالح إقليمية. وهذا المسار يفرض حضور قوى تمتلك حسابات متصلة بسوق الطاقة وبمواقع النفوذ، ثم يضع المشروع داخل توازن يحتاج إلى مستوى من التفاهم يسمح باستمراره. وفي ظل بيئة إقليمية تحمل درجة عالية من التنافس، يتحول هذا العامل إلى عنصر ضغط إضافي يرفع المخاطر السياسية، وهو ما يدخل مباشرة في تقييم الشركات لأي مشروع طويل الأجل، ويؤثر على قرار الانتقال من الدراسة إلى التنفيذ.

ضمن هذا السياق، يظهر الخطاب الذي يطرح سوريا كممر جاهز معتمدًا على عنصر الموقع، في فصلٍ بين الجغرافيا وبقية عناصر القرار التي تحكم قطاع الطاقة. وعند إدخال هذه العناصر في التقييم، تظهر فجوة واضحة بين ما يتطلبه التنفيذ وما هو متاح فعليًا، إذ تتشكل هذه الفجوة من تداخل عوامل التمويل والبنية التحتية والإطار السياسي. ومن داخل هذا التداخل يمكن تفسير اتساع النقاش النظري مقابل محدودية المشاريع التي تصل إلى مرحلة التنفيذ.

يندرج الحديث عن سوريا كممر طاقة ضمن خطاب يفصل الموقع الجغرافي عن شروط تشغيله، في حين تظهر معايير قطاع الطاقة أن القرار يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل التمويل والبنية التحتية والإطار السيادي والاستقرار السياسي. وضمن هذه المنظومة، يتحدد موقع سوريا وفق قدرتها على الدخول في هذه المعادلة، وليس وفق موقعها فقط، وهو ما يضع دورها الحالي ضمن نطاق محدود يرتبط بمشاريع جزئية لا ترقى إلى مستوى التحول إلى مسار رئيسي في شبكات الطاقة الإقليمية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى