
في تطور يعكس تنامي الاهتمام الدولي بملف الشعوب غير الفارسية داخل إيران، شهد البرلمان الهولندي في لاهاي مؤخرًا مؤتمرًا خُصّص لمناقشة أوضاع هذه المكونات، بمشاركة وفود تمثل الأحوازيين والبلوش والأتراك الأذريين والكرد. ويأتي هذا التحرك ضمن سياق أوسع من إعادة فتح ملف التعدد القومي داخل إيران في بعض الدوائر الأوروبية، خصوصًا في ظل التوترات المتصاعدة في الداخل الإيراني.
هذا الاهتمام الخارجي لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي شهدها الداخل الإيراني خلال السنوات الأخيرة، والتي تسارعت بشكل واضح بعد حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل، وما أعقبها من احتجاجات داخلية كشفت حجم الاحتقان الشعبي واتساع فجوة الثقة بين الشارع والسلطة. ومع دخول إيران لاحقًا في مواجهة أكثر تعقيدًا نتيجة تصعيد أمريكي إسرائيلي مباشر، أصبح المشهد أكثر تشابكًا، حيث امتزجت الضغوط الخارجية بالاضطرابات الداخلية، ما أعاد فتح النقاش حول مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد. هذه التطورات مجتمعة ساهمت في دفع ملف الشعوب غير الفارسية إلى الواجهة من جديد، باعتباره جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها العوامل الأمنية والسياسية والإقليمية.
في هذا السياق، برز الحراك الأحوازي بشكل متزايد داخل المشهد الخارجي بوصفه أحد أكثر الملفات حضورًا ضمن نقاشات الشعوب غير الفارسية، حيث شهد خلال السنوات الأخيرة محاولات لإعادة تنظيم صفوفه وتوسيع حضوره السياسي والإعلامي بالتوازي مع حركات مماثلة لدى الأكراد والبلوش. وقد اتخذت هذه الجهود أشكالًا متعددة من التنسيقيات والاتصالات بين قوى مختلفة، بهدف تعزيز موقع القضية الأحوازية في النقاش الدولي ورفع مستوى تأثيرها في دوائر القرار. ورغم هذا الحضور المتنامي، لا يزال الحراك يواجه تحديات تتعلق بتوحيد الخطاب وتطوير الأدوات السياسية والإعلامية، وبناء رؤية استراتيجية واضحة تتجاوز ردود الفعل اللحظية، بما يسمح بالانتقال من حالة التحرك المتفرق إلى فعل سياسي منظم ومؤثر على المدى الطويل.
غير أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يزال يواجه تحديات جوهرية، أبرزها ضعف التنسيق الإعلامي الاحترافي، وسوء اختيار المنصات والتوقيت المناسب للتحرك السياسي الخارجي، إلى جانب التباين الواضح في الخطاب بين المجموعات المختلفة. كما أن جزءًا من هذا الحراك ما يزال يتعامل مع الأحداث بردود فعل آنية، بدلًا من الاستناد إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى وخطط مسبقة تحدد الأهداف وآليات التنفيذ قبل وقوع الأحداث، ما يجعل التأثير محدودًا ومجزأً بدل أن يكون مستمرًا ومنظمًا.
في المقابل، تشير قراءات سياسية إلى أن تطورات هذا الملف ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الأحواز والشعب الأحوازي، نظرًا لما يتمتع به الإقليم من موقع استراتيجي وثروات طبيعية تمنحه وزنًا مهمًا في أي نقاش يتعلق بمستقبل إيران. ووفق هذا المنظور، فإن التعامل مع القضية الأحوازية لم يعد يقتصر على البعد الإنساني أو الحقوقي فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة سياسية واقتصادية أوسع، ما يفرض مقاربة أكثر واقعية تقوم على طرح خيارات سياسية واضحة تستند إلى المصالح المتبادلة بدل الاكتفاء بخطاب الصراع التقليدي.
كما يبرز داخل بعض هذه الحركات نقاش داخلي متصاعد حول ضرورة توحيد الخطاب السياسي الخارجي، رغم التباينات الفكرية والتنظيمية، بما يسمح ببناء موقف أكثر قدرة على التأثير في الساحة الدولية، خصوصًا في ظل تزايد الاهتمام الأوروبي بهذا الملف.
وفي المحصلة، يعكس المشهد الحالي أكثر من مجرد تحرك سياسي خارجي، إذ يشير إلى مرحلة إعادة تشكل داخل هذه القوى في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة، ما يجعل نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرتها على تطوير أدواتها السياسية والإعلامية، والانتقال نحو خطاب أكثر نضجًا وواقعية وانفتاحًا على الخيارات السياسية الممكنة.
المصدر: صفحة طاهر أبو نضال الأحوازي






