
في خان شيخون لم تأت الكارثة بصوت مرتفع، بل تسللت بهدوء إلى البيوت إلى الأسر إلى الأزقة التي لم تخلُ من محاولات الإنقاذ المرتبكة، كان الهواء نفسه يبدو عاديًا، لكنه كان يحمل ما يكفي ليحول الحياة إلى صراع مع الاختناق.
داخل النقاط الطبية تكدست الحالات بشكل غير مسبوق، مسعفون يحاولون إنعاش من يمكن إنعاشه، وآخرون يبحثون عن أي تفسير لما يرونه أمامهم.
لم يكن هناك وقت للفهم فقط وقت كان لمحاولات نجاة تتكرر غالبًا دون جدوى، في تلك اللحظات لم تكن المأساة في عدد الضحايا فقط، بل في طبيعة ما حدث موت بلا دماء، وخوف بملامح واضحة، وعجز جماعي أمام كارثة تحصد الأرواح واحدة تلو الأخرى.
توثيق داخل لحظات الاختناق
“كنا نشوف الناس هيّ وعم تختنق قدامنا وما فينا نعمل شي”، بهذا الصوت المثقل بالذاكرة يروي عبد قنطار، أحد شهود مجزرة خان شيخون لموقع تلفزيون سوريا، ما حدث في يوم تحول فيه الهواء إلى عدو، بحسب وصفه.
“بدأت الأخبار تنتشر سريعًا عبر المراصد والمجموعات، استهداف المدينة، حالات اختناق بين المدنيين”، أوضح أنه في اللحظة الأولى ظنّ أن ما يجري هو هجوم بغاز الكلور، فقد اعتاد على التعامل مع هذا النوع من الهجمات، لكن ما كان ينتظره في الداخل كان مختلفًا وأكثر قسوة.
توجّه مباشرة إلى خان شيخون وكما جرت العادة، لا يُسمح بالدخول إلى موقع المجزرة قبل المرور على مراكز الإسعاف، عند وصوله إلى مركز الدفاع المدني، وقال “كان المشهد صادمًا المصابين يصلون بلا حراك، كان الناس يسألون مصابين أم شهداء؟ لكن في أغلب الأحيان، لم يكن هناك جواب”.
انتقل بعد ذلك إلى نقطة طبية داخل المدينة، وبدأ بتوثيق ما يحدث، ثم دخل إلى مواقع الاستهداف، حيث بدت الشوارع شبه خالية الناس إما أنهم بقوا في بيوتهم، أو فروا، أو كانوا قد سقطوا حيث هم دون أن يدركوا ما أصابهم.
البدء بإحصاء الأنفاس لا عدد الضحايا
ضيق شديد في التنفس، تشوّش في الرؤية، وشعور بأن الجسد ينهار تدريجيًا، عندها أدرك أنه لم يعد مجرد شاهد بل أصبح مصابًا، بدأت الأعراض تظهر على عبد، وقال “نظرت إلى زملائي وكانت نفس الأعراض عليهم، وقتها فهمت أننا دخلنا في قلب الكارثة”.
نقل إلى النقطة الطبية حيث قدمت له الإسعافات الأولية، قبل أن يتم تحويله لاحقًا إلى مشفى الكرامة، حيث بقي في العناية يومًا كاملًا، قبل أن تستدعي حالته نقله إلى تركيا، لكن ما بقي عالقًا في ذاكرته لم يكن الألم الجسدي، بل المشهد الإنساني، مدينة بلا أصوات، شوارع فارغة، وأناس يسقطون دون جروح.
ويصف طريقة تعامل المسعفين، الذين وجدوا أنفسهم أمام شيء غير مألوف: “كانوا يجردون المصاب من ملابسه، يغسلونه بالماء، ثم ينقلونه كانت إجراءات جديدة عليهم، لم يعتادوا هذا النوع من الإصابات”.
ورغم أن السوريين اعتادوا على القصف والدمار، يؤكد عبد أن هذا اليوم كان مختلفًا: “نحن معتادون على الطيران، على الانفجارات، على الجرحى لكن هنا كنا نرى الناس تختنق ببطء”.
كيماوي خان شيخون.. الطفولة كانت الهدف الأول
“أصعب شيء عندما ترى طفلًا يختنق أمامك، مرة، مرتين، عشر مرات ولا تستطيع أن تفعل له شيئًا”. في ذلك اليوم، لم يأت الموت بصوت عال، بل بصمت خانق، وكان السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع، وسط الفوضى والخوف: “ليش هيك، لماذا؟”.
يعود عبد بذاكرته إلى عام 2014، حين كان يعمل مصورًا صحفيًا يومها، كان التوجّه إلى مواقع القصف أمرًا شبه يومي، وقال “أي مجزرة كانت تصير كنا نروح نوثق، نصوّر، وننقل الحقيقة”.
لكن ما رآه في ذلك اليوم، كسر حتى اعتياده على الموت، بحسب تعبيره، وقال: “نحن متعودين على القصف، البراميل، الصواريخ، بتوصل على المكان بتشوف الدمار، في شهداء، في جرحى اللي استشهد ومات، واللي عاش”.
ثم يتوقف قليلًا، وكأنه يبحث عن الكلمات: “بس بهي المجزرة كان في شيء مختلف بيوجع بطريقة غريبة، لم يكن الموت فوريًا، لم يكن واضحًا، بل كان بطيئًا يُرى بالعين”.
يصمت ويتابع قائلًا: “كنت تشوف الناس عايشة بس عم تموت قدامك، عم تختنق، عم تتشبث بالحياة، وعم تطلع فيك وكأنها عم تطلب منك الحياة”.
في القصف التقليدي، كما يقول، تكون الصورة قاسية لكنها محسومة، أما في ذلك اليوم، فقد كانت المسافة بين الحياة والموت ممتدة، مرئية، ومليئة بالعجز، “كانوا يمسكوا بإيدنا وينظروا إلينا ونحنا ما عنا أي وسيلة تساعدهم عجز قاتل”، هنا لم تكن الكارثة في عدد الضحايا فقط، بل في طريقة الموت نفسها، بحسب وصفه، موتٌ بطيء، صامت، يترك الشاهد حيًا لكنه مثقل بما رأى.
ولهذا، لا يرى عبد أن ما حدث مجرد ذكرى، بل قضية مفتوحة: “نحن ما رح نوقف حتى تتحقق العدالة “، فبالنسبة له لم تكن الشهادة مجرد نقل لما حدث، بل تحوّلت إلى التزام، مؤكدًا هذه المجزرة وغيرها من المجازر التي شهدتها سوريا، لن تُطوى مع الوقت قائلًا: “رح نضل نطالب بمحاسبة كل المجرمين”.
مشيرًا إلى أن رأس النظام البائد، فرّ إلى روسيا لكن ذلك لا يعني نهاية المسؤولية، بل بداية معركة العدالة، مؤكدًا أن المحاسبة لمرتكبي هذه الجرائم سواء في خان شيخون أو في الغوطة، الذين ما زالوا طلقاء وبعيدين عن أي مساءلة حقيقية مطلب حق، وتابع قائلًا: “هذول الأشخاص لساتهم طليقين ولهيك نحن ما رح نسكت”.
أرقام وجرائم لا تمحى
في ذكرى مجزرة خان شيخون، يستحضر الدفاع المدني السوري واحدة من أكثر المآسي قسوة في الذاكرة السورية، حين أودى هجوم النظام البائد بالسلاح الكيميائي بحياة 92 مدنيًا، بينهم أطفال ونساء، وأصاب أكثر من 500 آخرين بآثار الغاز السام، في “مجزرة بلا دماء” كما يصفها، مؤكداً أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن سقوط الجاني لا يعني سقوط الجريمة، وأن ذاكرة الضحايا تبقى حاضرة والعدالة حق لا يُمحى.
وفي السياق ذاته، توثق “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن نظام الأسد نفذ 217 هجومًا كيميائيًا منذ أول استخدام موثق لهذا السلاح في 23 كانون الأول/ديسمبر 2012 وحتى سقوطه في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أسفرت عن مقتل 1514 شخصًا، بينهم 1413 مدنيًا (214 طفلًا و262 سيدة)، إضافة إلى 94 من مقاتلي المعارضة المسلحة، و7 أسرى من قوات النظام، فضلًا عن إصابة 11080 شخصًا، بينهم 5 أسرى.
مشيرةً إلى أن هذه الهجمات استمرت رغم قرارات مجلس الأمن، حيث توزعت بين 33 هجومًا قبل القرار 2118، و184 هجومًا بعده، بينها 115 بعد القرار 2209، و59 بعد تشكيل آلية التحقيق المشتركة وفق القرار 2235، معتبرة أن استمرار هذه الانتهاكات وإفلات مرتكبيها من العقاب لم يكن ليحدث لولا ما تصفه بالشبكة من حماية ودعم روسي للنظام، ما ساهم في إخفاء كميات من الأسلحة الكيميائية وإعادة استخدامها مرارًا.
إرث النظام المخلوع.. مجازر وذاكرة لا تنام
لا تقتصر مجزرة خان شيخون على كونها حادثة معزولة، بل تأتي ضمن سياقٍ ممتد من الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية الذي وثقته منظمات حقوقية عبر سنوات الحرب.
هذه الأرقام بما تحمله من ضحايا وجرحى، لا تُختزل في بيانات، بل تعكس حجم الجريمة التي طالت المدنيين، وأثرت في حياة آلاف العائلات، وخلفت آثارًا إنسانية لا تزال مستمرة حتى اليوم.
ورغم تراجع حضور هذا النوع من الهجمات بعد سقوط النظام، فإن تبعاتها لم تنته إذ ما زالت الذاكرة حاضرة، وما زالت مطالب المساءلة قائمة، فالجريمة وفق مبادئ القانون الدولي، لا تسقط بمرور الزمن، والعدالة تبقى مطلبًا مؤجلًا لا يمكن تجاوزه مع تغير الوقائع. ما خلفه النظام البائد من انتهاكات لا يقرأ فقط في سياق الأرقام، بل في حجم الألم الإنساني الذي تركه خلفه، وفي السؤال الذي ما يزال قائمًا، كيف يمكن لمثل هذه الجرائم أن تمر دون محاسبة حقيقية.
المصدر: تلفزيون سوريا


