
في زمن الحرب، تُصبح الكلمات امتداداً مباشراً للقوة، ويغدو الخطاب السياسي جزءاً أساسياً من جولات المعركة ذاتها، لا مجرد تعليق عليها. القادة في لحظات الصراع الكبرى لا يتحدثون فقط لتفسير ما يحدث، وإنما لصياغة ما يجب أن يُفهم منه. ومع ذلك، فإن هذه القاعدة التي حكمت تجارب طويلة من التاريخ الأميركي تبدو مضطربة عند قراءة خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول إيران. فالرجل لا يفتقر إلى القدرة على الحضور أو التأثير، لكنه يفتقر بوضوح شديد إلى الانسجام بين ما يقوله وما يجري على الأرض، وكأن اللغة نفسها لم تعد قادرة على تغطية الفجوة بين الطموح الأميركي والواقع في مياه الخليج العربي والأرض الإيرانية.
منذ اللحظة الأولى لبدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اتضحَ أن الخطاب الرسمي الأميركي لم يكن محاولة لبناء سردية متماسكة، دائماً ما يظهر وعلى لسان جميع المتحدثين سواء عسكريين أو مدنيين على أنه محاولة لاحتواء ارتباك متراكم. ترمب لم يدخل إلى المسرح حاملاً رواية جاهزة للسردية الأميركية، لقد بدا مراراً وكأنه يحاول تشكيلها أثناء الحديث أو متابعة الأحداث. هذا النوع من الخطاب غير المسبوق أميركياً، يقوم على التعديل المستمر للأهداف، ويعكس حالة أعمق من مجرد تناقضات لفظية يتقنها ترمب؛ إنه يكشف عن أزمة في تعريف الحرب نفسها من وجهة نظر واشنطن. ما الهدف؟ ما معيار النصر؟ وما السقف الذي يمكن عنده إعلان النهاية؟ هذه الأسئلة التي يفترض أن تُحسم قبل إطلاق الرصاصة الأولى، أي عند وضع الخطط الأولية إلا أنها لا تزال عالقة بعد أسابيع من الاشتباك الذي تتسع رقعته في جغرافيات مختلفة.
البحث عن صورة نصر
في التاريخ الأميركي، لعبت الخطب الحربية الكبرى لرؤساء الولايات المتحدة دوراً أساسياً في بناء المعنى الذي يتجاوز يتجاوز اللحظة. فرانكلين روزفلت حين تحدث إلى الأميركيين في ذروة الحرب العالمية الثانية، كان يحدد بوضوح معالم الصراع، ويصوغ هدفاً يمكن قياسه. وحتى في خطاب جورج بوش الابن بعد هجمات سبتمبر، أو ليلة غزو العراق، -رغم ما شاب تلك الخطابات لاحقا من جدل وإدانة لكل القرارات التي اتخذت على إثرها-، فإن وضوحاً أولياً لفكرة العدو وتعريفه والغاية من قتالِه. أما في حالة ترمب، فإن الخطاب لا يقدم تعريفاً بقدر ما يعيد تدوير المفاهيم، ويُبقيها في حالة سيولة دائمة.
وهذا الاضطراب اللغوي يجب ألا يتم النظر إليه باعتباره تفصيلاً ثانوياً، إنه يمثل في جوهره انعكاساً مباشراً لمأزق استراتيجي تمر به إدارة البيت الأبيض. فالمشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة هنا ليست هزيمة عسكرية واضحة يمكن الاعتراف بها أو إنكارها، يمكن وضعها في خانة الفشل في تحقيق التحول السياسي الذي كان يُفترض أن يكون نتيجة الحرب على إيران. فالضربات العسكرية استهدفت قلب النظام ومركزه وليس أطراف البلاد، وأطاحت بالصف الإيراني الأول المؤثر لكن البنية التي كان يُراد تغييرها أميركياً في طهران ما تزال قائمة، وربما أكثر تماسكاً. وهنا، يدخل الخطاب السياسي في مهمة مستحيلة: كيف يمكن تبرير حرب لم تحقق أهدافها دون الاعتراف بالفشل؟
من هذا المنظور، يكون البحث عن صورة نصر في إعادة تعريف مفهوم “تغيير النظام” في خطاب ترمب. فبدل أن يعني تحولاً جذرياً في بنية السلطة، أصبح يُختزل إلى استهداف شخصيات أو إضعاف قدرات محددة. وهذه ليست مجرد مناورة لغوية، إنها محاولة واعية لإعادة صياغة الهدف بعد تعذر تحقيقه. إنها لحظة يتحول فيها المعنى من ثابت إلى متحرك، بحيث يمكن للنتيجة أن تبدو منسجمة مع الخطة، حتى لو لم تكن كذلك. وهنا صارت تُطرح فكرة إعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل بدء الحرب!.
خيارات على طاولة ترمب
في هذه الزاوية يُطرح سؤالاً حول طبيعة الخيارات المتاحة على طاولة الرئيس الأميركي. ومن متابعة التصريحات وما يصدر من واشنطن فإن جميع المسارات الممكنة تبدو محفوفة بالمخاطر. دون أن يقدم أي منها مخرجاً حقيقياً ومدرجاً آمناً للهبوط من الشجرة. التصعيد البري، على سبيل المثال، قد يبدو للوهلة الأولى خياراً حاسماً، لكنه في الواقع يحمل في طياته تعقيدات هائلة. فإيران ليست ساحة يمكن التعامل معها بمنطق التفوق العسكري التقليدي، إنها بيئة جغرافية صُممت أو تكيفت لتكون أداة دفاع بحد ذاتها.
وبالنظر إلى التاريخ الحربي الأميركي نجد شواهد واضحة على هذا النوع من المآزق. تجربة حرب فيتنام كشفت كيف يمكن لقوة عظمى أن تجد نفسها عالقة في حرب استنزاف طويلة، رغم تفوقها العسكري. وكذلك الحال في حرب أفغانستان، حيث تحولت السيطرة الميدانية لقوات المارينز إلى عبء استراتيجي مع مرور الوقت. أما في الحالة الإيرانية، فيظهر جلياً أن الجغرافيا المحلية تُعيد إنتاج هذا الدرس، لكن بصيغة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الجبال والصحارى والسواحل في منظومة دفاعية تجعل أي تقدم بري مكلفاً وغير مضمون النتائج.
إلى جانب ذلك، يبرز خيار استهداف شريان الطاقة الإيراني كأداة ضغط –كما لوح ترمب- غير أن هذا الخيار، رغم جاذبية نتائجه النظرية، يحمل مخاطر تتجاوز ساحة الصراع المباشر. فتعطيل صادرات النفط الإيرانية لن يضغط على طهران وحدها، سيؤدي بطبيعة الحال إلى اضطراب واسع في الأسواق العالمية، ما يعني أن كلفة القرار قد تُدفع في عواصم أخرى قبل أن تُدفع في الداخل الإيراني. وهنا، تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية، يصعب التحكم في تداعياتها.
في الضفة المقابلة لخيارات الاشتباك، يبرز خيار التفاوض مع كل ما يحيط به من حسابات معقدة. فالدخول في مفاوضات بعد هذا المستوى من التصعيد قد يُفسر أميركياً أو إيرانياً على أنه تراجع، خاصة إذا لم يقترن بتحقيق أهداف واضحة. ومع ذلك، فإن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح قد يكون أكثر كلفة. وهذا التردد بين الاستمرار والتراجع يعكس جوهر المأزق: لا يوجد خيار بلا ثمن، ولا مسار يضمن الخروج الآمن.
سيناريو الخيال
يتقدم على كل تلك الخيارات طرحٌ يكاد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال الاستراتيجي منه إلى التخطيط الواقعي، طرحٌ غرائبي لكنه قائم في العقلية الأميركية والإسرائيلية في بعض دوائر التفكير السياسي فيها، يقوم على فكرة إعادة تشكيل الجغرافيا البحرية للصراع عبر السيطرة على الجزر المنتشرة في الخليج العربي: “هرمز، ولارك، وهنكام، ولاوان، وكيش، وقشم، وخارك، بالإضافة إلى الجزر الإماراتية المحتلة طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى”. هذه الفكرة في جوهرها لا تتعلق بمجرد احتلال نقاط جغرافية، وإنما لمحاولة خنق إيران بحرياً، وعزلها عن عمقها الحيوي على السواحل الجنوبية، خصوصاً في محافظتي هرمزكان وبوشهر، وتحويل الخليج إلى فضاء مُراقب بالكامل من الخارج. وفي التحليل الإخباري يدعم هذا الطرح التصريحات القادمة من موسكو التي تشير إلى بدء عمليات إجلاء الموظفين الروس من مفاعل بوشهر النووي وفق تصريحات رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية.
في منطق الحسابات السياسية والعسكرية التقليدية، يبدو هذا الخيار خارج الإطار المعقول، لأنه يفترض قدرة على السيطرة المستدامة على عقد جغرافية شديدة الحساسية، في بيئة معادية بالكامل. لكنه، رغم ذلك، يظهر في النقاشات الاستراتيجية كخيار نظيف ظاهرياً، لأنه يتجنب الغزو البري العميق، ويُبقي العمليات ضمن نطاق بحري يمكن التحكم فيه تقنياً على الصعيد النظري. وهذه الفكرة تنبع من تصور قديم يتكرر في التفكير العسكري: إذا لم تستطع إسقاط الخصم من الداخل، فاعزله من الخارج، واقطع عنه منافذه الحيوية. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن هذه الجزر ليست نقاطاً معزولة، إيران تتعامل معها كجزء أساسي من منظومة دفاعية متكاملة. فطهران، على مدى عقود، لم تنظر إلى هذه الجغرافيا كأراض متناثرة، إنها شبكة مترابطة من المواقع المتقدمة في البحر والقادرة على تغطية بعضها البعض، نارياً واستخبارياً. وأي محاولة للسيطرة على أي منها تعني الدخول في دائرة استهداف مستمر، حيث تتحول القوات المتمركزة هناك إلى أهداف مكشوفة وضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
أما المخاطر، فهي تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى مستويات أكثر تعقيداً. أولها يكمن في الانزلاق نحو تصعيد إقليمي شامل. فاحتلال جزر بهذا الحجم الرمزي والاستراتيجي لن يُقرأ في طهران كخطوة تكتيكية، سيتم التعامل معه كتحول جذري في طبيعة الحرب، ما قد يدفع إلى ردود غير تقليدية، تمتد إلى استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأكملها، وليس فقط في نطاق المواجهة المباشرة وهذاما يمكن تلمُّسُهُ من تصريحات من تبقَّى من المسؤولين الإيرانيين.
الخطر الثاني يتمثل في استحالة تحييد العامل الزمني. فحتى لو نجحت القوات الأميركية في السيطرة السريعة على هذه الجزر، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه فوراً هو: ماذا بعد؟ البقاء في هذه المواقع يعني التورط في حالة استنزاف طويلة، حيث تتحول كل جزيرة إلى نقطة اشتباك مفتوحة، تحتاج إلى حماية دائمة، وإمداد مستمر، في بيئة بحرية ضيقة يمكن تعطيلها بسهولة عبر الألغام أو الهجمات غير المتكافئة. أما الخطر الثالث، ربما الأكثر تأثيراً، وهو الجانب الاقتصادي. أي اضطراب في هذه المنطقة سيعني عملياً تهديداً مباشراً لحركة الطاقة العالمية. ما سيؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار، وانعكاسات فورية على الاقتصاد العالمي والإقليم عموماً. ثم هناك بُعد رمزي لا يقل خطورة. فهذه الجزر، خاصة التي احتلتها إيران، تحمل حساسية سيادية عالية في العقل الإيراني، وأي محاولة للسيطرة عليها قد تُفسر كإعادة رسم قسري للخريطة السياسية في الخليج. وهذا يضع الولايات المتحدة أمام معضلة إضافية: كيف يمكن تنفيذ مثل هذا السيناريو دون خسارة ما تبقى من التوازنات الدقيقة في المنطقة؟ فضلاً عن أنها تأتي تحت مظلة الحديث الإسرائيلي المتكرر عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.
في عمق كل هذا يكشف الطرح عن أزمة في الخيال الاستراتيجي أكثر مما يقدم حلاً سحرياً. إنه يعكس رغبة ترمب في إيجاد صورة نصر عبر اختصار جغرافي لحرب معقدة، من خلال تحويل الجغرافيا إلى أداة حسم. لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن الجغرافيا، حين تُستخدم بهذا الشكل، تتحول من أداة إلى فخ. فالسيطرة على الجزر في البحر لا تعني السيطرة على البر، واحتلال المواقع لا يعني امتلاك القدرة على إنهاء الصراع وتحقيق الأهداف.
داخلياً، تتضاعف هذه التعقيدات. فالحرب التي لم تُبنَ على إجماع واسع، تجد صعوبة في الحفاظ على دعم مستقر مع مرور الوقت. ومع كل غموض في الأهداف، ومع كل إشارة إلى طول أمد الصراع، تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة وخارجها في دوائر الحلف الأوروبي حول جدوى الاستمرار. التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب التي تبدأ باندفاع، من دون وضوح كاف، غالباً ما تتحول إلى عبء سياسي على من أطلقها، خاصة في سياق انتخابي حساس ينتظر الجمهوريين في الولايات المتحدة بعد سبعة أشهر من الآن.
تأجيل المواجهة
في هذا السياق، يبدو خطاب ترمب محاولة لإدارة الوقت أكثر من كونه محاولة لحسم المسار. إنه خطاب يسعى إلى تأجيل المواجهة مع الحقيقة، لا إلى مواجهتها. لكن الزمن في الحروب ليس عاملاً محايداً، كل يوم يمر دون حسم يفتح الباب أمام تعقيدات جديدة، ويُقلص من هامش المناورة. وفي تقديري إن المعضلة التي تواجهها واشنطن اليوم تتجاوز حدود هذه الحرب بعينها. إنها تتعلق بكيفية فهم القوة وحدودها في عالم لم تعد فيه الهيمنة العسكرية كافية لتحقيق الأهداف السياسية. فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تم ضربها، وإنما بقدرة تلك الضربات على إحداث تغيير حقيقي في موازين القوة.
وبناء عليه فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد متعلقاً بكيفية إنهاء هذه الحرب، ولكن بما ستتركه من أثر. هل ستنتهي كحلقة أخرى في سلسلة حروب طويلة لم تحقق أهدافها؟ أم ستُشكل نقطة تحول في طريقة تفكير الولايات المتحدة في استخدام القوة؟ وفي كلتا الحالتين، يبدو أن ما يتشكل الآن ملامح مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين القوة والسياسة، بين الخطاب والواقع.
المصدر: تلفزيون سوريا






