تصلح مظاهرات باب توما، والمظاهرات المضادة، ثم أحداث الصقيلبية لتدق ناقوس الخطر في وجود خلل في المسار السياسي بحيث يزداد التذمر في حين لا يجد له أفقا للتعبير عن نفسه بالطرق التي يمكن تفضي لحلول مرضية.
الفكرة هنا أن التناقضات الاجتماعية المكبوتة تتحول في لحظة يأس إلى صراعات طائفية.
الأزمة الاقتصادية والتهميش السياسي والاجتماعي وعدم وجود أقنية شرعية للتعبير أو كون تلك الأقنية لا تملك أي تأثير على السلطة السياسية , وفي حالتنا كون السلطة السياسية تمتلك رصيدا ودعما كبيرين بحيث يجد رجل الشارع نفسه أسير الانجذاب للسلطة فهو من جهة يحبها ويتعلق بها وهو من جهة أخرى يشعر أن الأمور لا تسير على ما يرام وأن السلطة بعيدة عنه وعن همومه المعيشية , وإداراتها في مستوياتها الأدنى لا تملك الكفاءة وتراكم الأخطاء دون محاسبة , فهو بسبب مشاعره المتضاربة يكبت تذمره حتى إذا وصل حدا معينا أصبح قابلا للانفجار في وجه طرف ثالث عبر صراع هوياتي بدلا من أن يوجهه نحو السبب الأصلي كونه لا يريد ذلك أو لا يجد لذلك طريقا شرعيا مفتوحا أمامه .
تلك ظاهرة معروفة في علم الاجتماع تسمى “تحويل الصراع”:
(Displacement)
ومضمونها أن التذمر حينما يزداد ولا يجد طرقا للصعود للأعلى يمكن أن يعاد توجهه نحو ” الآخر القريب ” (جماعة، طائفة، مذهب) .
يقول عالم الاجتماع بيير بوردو أنه عندما تغيب لغة المطالبة بالحقوق السياسية أو الاقتصادية تستبدل بلغة الهوية , فتصبح كالتالي :
نحن مقابل هم
وهناك طرح قريب لدى رينيه جيرار في فكرة “كبش الفداء” :
المجتمع يفرغ توتره عبر توجيه اللوم نحو مجموعة محددة .
هذا يمنع (مؤقتًا) انفجارًا أوسع.
باختصار :
عندما تُغلق قنوات التعبير السياسي والاجتماعي، لا تختفي التناقضات بل تُعاد صياغتها في شكل صراعات هوياتية (طائفية/عرقية)، لأنها المساحة الوحيدة المتاحة لتفريغ التوتر.
وفي حين يرى البعض في المطالبة بالبدء للتمهيد للديمقراطية بتوسيع المشاركة , وإقرار قانون أحزاب عصري , ورفع الوصاية عن النقابات لتنتخب مجالسها المستقلة , وكذلك بإجراء انتخابات بلدية يمكن أن تعيد توزيع السلطات المحلية لأيد تمتلك الكفاءة وتكون معرضة للنقد والمحاسبة , يظن كثيرون أن تلك المطالب مجرد ترف لاتسمح به ظروف البلاد في حين أنه نابع من الضرورات العميقة لاحتواء الأخطاء التي تقع بها السلطة الحالية وحلها بطريقة قانونية وسلمية تدعم الدولة وترسخ قوتها وليس العكس .
هناك رأي وجد في مظاهرات باب توما وما قابلها إشارة ايجابية لحراك مجتمعي سلمي، لا بأس، لكن كون أن موضوع تلك المظاهرات جاء مختلطا بين المطلبي والديني وسرعان ما صار يذهب في المظاهرات المقابلة نحو ما هو ديني – طائفي فذلك يحيل لكثير من التحفظ حول إمكانية تعمق الطابع الطائفي انطلاقا من موضوع الاختلاف.
فهو إذن وفق ما أرى أقرب لجرس الانذار منه لظاهرة أمل طالما يدور في الفلك الطائفي.
جرس إنذار بأن ثمن الاصرار على عدم فتح المسار السياسي والابقاء عليه مغلقا سيكون فتح مسار آخر يقضي على الآمال الواسعة التي جاءت مع تحرير سورية من النظام البائد. –






