
دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، المستمرّة منذ شهر، مرحلةَ البحث عن نهايتها، مع إعلان الرئيس الأميركي ترامب أن “الولايات المتحدة وإيران أجرتا محادثات جيدة ومباشرة”، وزعم إن لدى الجانبين “نقاط اتفاق رئيسية”. وبناء عليها أصدر تعليمات بتأجيل وعيده باستهداف محطات الطاقة والكهرباء الإيرانية خمسة أيام، ساعات فقط قبل اكتمال الموعد النهائي الذي حدده، ثم أجرى تمديداً آخر للمهلة إلى 6 الشهر المقبل (إبريل/ نيسان)، وكان ينذر بتصعيد خطير في الحرب التي شكلت تحدّياً كبيراً للرئيس ترامب، بالنظر إلى تداعياتها الاقتصادية الخطيرة على أغلب الدول، إضافة إلى أضرار كبيرة لحقت بمعظم دول المنطقة، وخصوصاً دول الخليج العربي، التي استهدفتها صواريخ ومسيّرات إيرانية، طاولت منشآت اقتصادية حيوية ومدنية.
لم يستمع ترامب إلى نصائح مسؤولين كبار في إدارته، وخصوصاً رئيس هيئة الأركان، الجنرال دان كين، بشأن مخاطر وتداعيات الدخول في حرب غير محسوبة العواقب مع إيران. كذلك لم يستشر أياً من حلفائه، سواء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو سواهم، بل إن الوحيد الذي نسّق معه وشاركه فيها هو المجرم بنيامين نتنياهو، الذي تذهب الترجيحات بمعظمها إلى أنه ورّط ترامب فيها لحساباته الشخصية وحسابات أمن إسرائيل.
كان طبيعياً أن ينظر قادة حلفاء أميركا إلى هذه الحرب بوصفها حرب ترامب، لأنهم لم يقتنعوا بمبرّرات شنها، واستند فيها إلى عوامل عدة، يتقاطع فيها العامل الشخصي الاستعراضي مع رغبته في الانتقام من قادة إيران الذين جرى اغتيالهم، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، فضلاً عن أنه دخلها من دون استراتيجية واضحة، ومن دون خطط واقعية، بل، ولم يحسب تداعياتها وامتداداتها بشكل مدروس، واللغة الوحيدة المستخدمة فيها القوة العسكرية التي أفضت إلى نتائج مدمّرة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، ووضعته في مواجهة عواقب التورّط المباشر في حرب واسعة، وغير واضحة الأهداف.
ارتفعت أسعار النفط بنسبة 40% تقريباً، كما ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة نفسها
الرئيس ترامب صاحب الكلمة الفصل في هذه الحرب، لكنه بات يواجه تحدّيات عديدة مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، أولها عدم تأييد حلفائه في داخل “ناتو” وخارجه، ورفضهم طلب مساعدته في تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، بإرسال سفنهم الحربية بهدف منع إيران من الاستمرار في إغلاقه بشكل شبه كامل، بعد أن باتت قوات الحرس الثوري تتحكّم به. وثانيها تخلخل الكتلة الداعمة لحربه داخل الإدارة وجسّدتها استقالة رئيس مركز مكافحة الإرهاب، جو كينت، من منصبه، وقد اتهم علناً إسرائيل بجرّ الولايات المتحدة إلى هذه الحرب. وقال إن إيران لم تكن تشكّل خطراً وشيكاً على الولايات المتحدة. وثالثها، وأخطرها، الأزمة الكبيرة التي أصابت أسواق الطاقة العالمية، بعد إغلاق الحرس الثوري مضيق هرمز أمام ناقلات النفط لمن يسميها دول الأعداء، واستهداف المقاتلات الإسرائيلية حقل بارس الغازي الإيراني المشترك مع حقل الشمال القطري، وكان هدفها توجيه ضربة قوية للاقتصاد الإيراني، كونه يوفّر ما بين 70% و75% من إجمالي إنتاج إيران من الغاز. واستدعى هذا رداً إيرانياً تجسّد في قصف منشآت عدة للطاقة في دول خليجية عدة، ثم استهدفت محطة البتروكيماويات في خليج حيفا في إسرائيل.
أفضى ذلك كله إلى نشوء أزمة طاقة كبيرة، اهتزّت بسببها الأسواق العالمية، فارتفعت أسعار النفط بنسبة 40% تقريباً، كما ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة نفسها. وحاول ترامب التقليل من آثارها العالمية، وذهب إلى زعم أن بلاده ستستفيد على المدى الطويل من بيعها النفط بأسعار مرتفعة. كما حاول ترويج توفير حماية عسكرية لناقلات النفط، أو تقديم ضمان تأميني بملايين الدولارات، إضافة إلى استقدام قوات بحرية خاصة، تضم 2500 من مشاة البحرية، تمهيداً لعمليات برية محتملة، الأمر الذي يشي بالتخبّط وعدم التقدير الجدي للمخاطر والتحديات.
لم تثمر محاولة ترامب إقحام دولٍ عديدة للانضمام إلى تحالف من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، فلجأ إلى توجيه التحذيرات
المشكلة أن ترامب كان مزهوّاً بما فعله في حرب الـ 12 يوماً الصيف الماضي، وبات يشعر بامتلاكه قدرةً مطلقة، خصوصاً بعد اختطافه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ولذلك شنّ الحرب وفي ذهنه مثال فنزويلا، معتقداً أن القضاء على المرشد سينهي النظام في طهران، ويشلّ قدرته على الرد، لكن الأمور لم تسر مثلما كان يشتهيها، إذ تمكن هذا النظام من امتصاص صدمة القضاء على المرشد وكبار قادته العسكريين والأمنيين. كذلك لم تُحقق العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية أي تقدم ملموس، بل زادت من التعقيد والتوتر الدوليين، إذ لم تفض الضربات الجوية، التي طاولت مواقع نووية، ومواقع لإطلاق الصواريخ والمسيرات وأماكن تخزينها وإنتاجها، إلى النتائج التي كان يريدها ترامب.
لم تثمر محاولة ترامب إقحام دولٍ عديدة للانضمام إلى تحالف من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، فلجأ إلى توجيه التحذيرات وإلا “ستضرب الولايات المتحدة وتدمر تماماً مختلف محطاتها للطاقة، بدءاً بأكبرها”. كما لم يتأخّر وجاء الوعيد الإيراني، عبر أكثر من جهة، وخصوصاً الحرس الثوري في بيان لمقر خاتم الأنبياء، بأن إيران ستستهدف منشآت للطاقة في المنطقة. وهو تصعيد غير مسبوق، يضع مصير هذه المنشآت رهناً بتهديد ترامب والتوعّد الإيراني بالرد المدمر.
يظهر نفي مسؤولين إيرانيين وجود محادثات مع الطرف الأميركي أن ترامب يحاول الإيحاء بأنه أحدث اختراقاً ما في القيادة الإيرانية، لكنه، في الواقع، لجأ إلى هذا التكتيك ليحقّق بعض الأهداف، في مقدمتها تهدئة أسواق الطاقة التي استجابت سريعاً، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، وإتاحة مزيد من الوقت للخطوة التالية، فضلاً عن أنه يريد أن ينهي حربه التي وضعته ضمن معادلات صعبة. ولذلك بات يبحث عن كيفية الخروج منها، مع التمسّك بأنه حقّق إنجازاً، والأمر منوط بموقف الطرف الإيراني الذي يبحث عن مخرج منها.
المصدر: العربي الجديد






