هل يمكن محاكمة الحكّام؟

   سلام الكواكبي

التقيت قبل أيام جرَّاحة ستجري لي عملية دقيقة. كان التوتر حاضراً، لكن ما لم أتوقعه أن يتحول هذا اللقاء الطبي إلى لحظة تأمل عميقة في التاريخ والسياسة والعدالة، فقد اكتشفنا تقاطعاً في مساراتنا، فهي تنحدر من عائلة تشيلية فرّت إلى فرنسا هرباً من استبداد أوغستو بينوشيه، وأنا سوري أحمل في ذاكرتي وواقعي ثقل عقودٍ من حكم الاستبداد الأسدي. فجأة، لم تعد الغرفة مجرّد فضاء طبي، بل تحوّلت إلى نقطة التقاء بين تجربتَين تاريخيتَين تفصل بينهما الجغرافيا، ولكن توحّدهما ذاكرة القمع والسعي المؤجل نحو العدالة.

فتح ذلك الحوار القصير أمامي باباً لمقارنة مسارَين مختلفَين بين المحاسبة والإفلات من العقاب. بين مشرط الجراحة الذي يستعد لاختراق الجسد وأسئلة العدالة التي تحاول اختراق جدار السياسة، وجدت نفسي أتساءل: كيف يمكن لتجربتَين متباعدتَين أن تكشفا حدود العدالة الدولية وإمكاناتها في آن؟

تُظهر تجربة بينوشيه أن العدالة الدولية ليست مجرّد منظومة قانونية جامدة، بل هي ساحة صراع مفتوحة بين المبادئ الأخلاقية والاعتبارات السياسية. وباستحضار هذه التجربة، يمكن قراءة الحالة المعاصرة لبشار الأسد بوصفها امتداداً حيّاً لهذا التوتر، واختباراً جديداً لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الشعارات إلى أفعال ملموسة.

وقد شكّل اعتقال بينوشيه في لندن عام 1998 لحظة فارقة، ليس في تاريخ تشيلي فحسب، بل في مسار العدالة الجنائية الدولية ككل. فجأة، لم تعد الحصانة السيادية درعاً مطلقاً يحمي القادة السابقين من الملاحقة، بل أصبحت موضع مساءلة. كان هذا التحول الرمزي بمثابة إعلان أنّ الجرائم الكبرى، مثل التعذيب والاختفاء القسري، لا يمكن أن تُطوى صفحتها بمجرّد خروج مرتكبيها من السلطة. ومع ذلك، تكشف النهاية التي آلت إليها القضية، بعد أن عاد بينوشيه إلى بلاده من دون استكمال محاكمته، أن هذا الإنجاز كان جزئيّاً، وأن السياسة ظلت قادرة على كبح اندفاع العدالة.

العدالة الدولية ليست نظاماً مكتملاً، بل هي مشروع قيد التشكّل

هذه الازدواجية هي ما يجعل تجربة بينوشيه ذات أهمية خاصة عند النظر إلى الوضع السوري. فمن جهةٍ، أثبتت أن هناك إمكانية قانونية لملاحقة قادة سابقين لاقترافهم جرائم ضد الإنسانية، حتى خارج حدود دولهم. ومن جهة أخرى، بيّنت أن هذه الإمكانية تظل رهينة ميزان القوى الدولية، وأن العدالة قد تتعثّر عندما تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية للدول.

وفي حالة الأسد، تبدو هذه الإشكالية أكثر حدّة وتعقيداً، فالنزاع السوري لم يكن مجرّد صراع داخلي، بل تحوّل إلى ساحة لتشابك مصالح قوى دولية وإقليمية، ما جعل مسألة المحاسبة خاضعة لحسابات تتجاوز بكثير الإطار القانوني. ورغم توثيق الانتهاكات، بما فيها استخدام أسلحة كيميائية وعمليات القتل الممنهجة، لم يتمكّن المجتمع الدولي من إنشاء مسار قضائي واضح لمحاسبة المسؤولين. وهنا تحديداً تكمن قيمة استحضار تجربة بينوشيه. فهي تُظهر أن التغيير في قواعد اللعبة الدولية لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكم سوابق قانونية وسياسية. فاعتقاله، رغم محدودية نتائجه، فتح الباب أمام تفعيل مبدأ “الاختصاص العالمي”، الذي يسمح لدول بمحاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى، بغضّ النظر عن مكان وقوعها أو جنسية مرتكبيها. بدأ هذا المبدأ بالفعل يجد طريقه إلى التطبيق في بعض الدول الأوروبية في ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في سورية، وهو تطوّر يمكن اعتباره امتداداً مباشراً للإرث الذي تركته قضية بينوشيه.

ولكن الاستفادة من هذه التجربة لا تعني الاكتفاء بالبعد القانوني، فبينوشيه لم يُلاحق قضائياً فحسب، بل أصبح أيضاً رمزاً لذاكرة جماعية تسعى إلى الاعتراف بالضحايا واستعادة الحقيقة. في سورية، لا تقل هذه المسألة أهمية عن المحاكمة نفسها، إذ إنّ العدالة، في جوهرها، ليست مجرّد عقاب، بل هي أيضاً عملية اعتراف وإعادة بناء للذاكرة، وهو ما يتطلب جهداً طويل الأمد يتجاوز حدود المحاكم.

التجربة التشيلية تُظهر أن العدالة الدولية يمكن أن تتقدّم خطوة وتتراجع خطوتَين

مع ذلك، يجب الحذر من التفاؤل، فالتجربة التشيلية تُظهر أن العدالة الدولية يمكن أن تتقدّم خطوة وتتراجع خطوتَين. وهذا ما نراه بوضوح في الحالة السورية، إذ تعيق الانقسامات داخل مجلس الأمن أي محاولة لإنشاء محكمة دولية خاصة، بينما تظل المحكمة الجنائية الدولية عاجزة عن التدخل بسبب عدم انضمام سورية إلى نظامها الأساسي. وتعيدنا هذه القيود البنيوية إلى السؤال الجوهري: هل يمكن للعدالة الدولية أن تكون فعّالة في عالم تحكمه الدول ذات السيادة؟

الإجابة، كما توحي تجربة بينوشيه، ليست حاسمة، فالعدالة الدولية ليست نظاماً مكتملاً، بل هي مشروع قيد التشكّل. وهي تعتمد، في نهاية المطاف، على إرادة الدول وعلى ضغط المجتمع المدني وعلى قدرة الضحايا على إبقاء قضيتهم حيّة في الوعي العالمي. في هذا السياق، يمكن النظر إلى الجهود الحالية لملاحقة جرائم الحرب في سورية، عبر المحاكم الوطنية أو الآليات الأممية، بوصفها جزءاً من هذا المسار التراكمي.

لا تهدف المقارنة بين بينوشيه والأسد إلى إسقاط تجربة على أخرى ميكانيكياً، بل إلى استخلاص دروسٍ عملية. أول هذه الدروس أن كسر جدار الحصانة ممكن، لكنه يتطلب لحظة سياسية مواتية. وثانيها أن العدالة قد تكون بطيئة ومجزّأة، لكنها قادرة على ترك أثر طويل الأمد. وثالثها، وربما الأهم، أن ّالإفلات من العقاب ليس قدراً حتميّاً، بل نتيجة اختيارات سياسية يمكن تغييرها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى