
أحد أبرز مآلات العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران انكشاف هشاشة الدولة الوطنية في بعض لبلدان العربية عسكريا وأمنيًا وبنيوياً، على الرغم من وجود قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية وتركية وفرنسية، وبعض الاتفاقات مع باكستان، والأنفاق العسكري فائق الضخامة ماليًا على جيوش غالب بلدان الخليج النفطية. من ثم ستثار عديد الأسئلة بعد صمت الصواريخ، والمسيرات والذكاء الاصطناعي والجواسيس علي الأرض ، والاغتيالات، على مسارات مألاتها في قضايا الأمن الإقليمي، والعلاقات العربية / العربية، لاسيما بعد أفول مفاهيم القومية العربية، والتضامن العربي، والتغير في التحالفات الثنائية بين دول البسر بعضها بعضا، ومع بعض دول العسر الكبرى في الإقليم.
انكشاف هشاشة العلاقات العربية الجامعة، والعلاقات الثنائية، وراءه عديد الأسباب التاريخية، التي تمثل مدخلًا لتحليل ما بعد الحرب، والتي يمكن رصد بعضها فيما يلى:
1- بدأت الفكرة العربية الجامعة تطرح من بعض المفكرين والسياسيين العرب، في سياقات الحركات الوطنية ضد الاستعمار الغربي -البريطاني والفرنسي والايطالي – للدول العربية، لاسيما في المشرق العربي، ومصر، وذلك كنتائج للتفاعل بين العقل العربي، وبين الفكر الغربي، واستلهام الفكرة القومية من المرجعيات الأوروبية الفرنسية، والألمانية حول مفهوم الأمة. من ثم كانت فكرة الأمة، والعروبة، تمثل بعض مفاهيم المقاومة على مستوى التنظير السياسي على أهميتها إلا إنها لم تكن تجسيدًا للواقع الموضوعي في كل بلد عربي باستثناء مصر والمغرب.
كانت الفكرة العربية الجامعة جزءًا من أيديولوجيات التحرر الوطني، بينما الشروط الموضوعية والاقتصادية والاجتماعية في هذه البلدان الانقسامية – الطائفية والدينية والمذهبية، والقبائلية والعشائرية، والمناطقية – تتسم بالانقسامية والهشاشة، ومن ثم كانت من أكثر المفاهيم المجافية لواقع هذه البلدان، إلا أنها شاعت كجزء من المفاهيم “المثالية” التي شاعت قبل وبعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي، لاسيما بعد تأسيس الجامعة العربية، وانضمام الدول بعد الاستقلال إليها.
ثانيًا: أسهمت اتفاقية سايكس / بيكو في رسم حدود الدول العربية الناشئة، وفق التصور الكولونيالي الانجليزي/ الفرنسي.
ثالثًا: في سياقات الحركات الوطنية ضد الاستعمار ظهرت الفكرة الإسلامية الجامعة، ومفهوم الخلافة الإسلامية، فى توازي وبجوار وتناقض مع الفكرة الوطنية، والقومية العربية، وذلك بعد سقوط الاستعمار العثماني، وظهور بعض الجماعات الإسلامية السلفية، والأخوان المسلمين في مصر، اعتمادًا على توظيف المرجعية الإسلامية إيديولوجيا في مواجهة الاستعمار الغربي، والتغريب الثقافي في بعض العواصم العربية الكوزموبوليتانية، والنخب ذات التعليم المدني، وأبناء البعثات الأجنبية في أوروبا، وانطلاقا من استثمار التدين الشعبي في الأرياف والبوادى العربية.
رابعًا: في أعقاب الاستقلال الوطني، تمددت الفكرة القومية العربية في تواشج مع مفاهيم التحرر الوطني والاستقلال، والوحدة العربية مع المد الناصري التحرري، والسيادة، والدولة الوطنية، وذلك كجزء من السياسات الخارجية الناصرية والبعثية –في العراق وسوريا-، وهو ما اكسب مفهوم القومية العربية زخمًا، وحضورًا في الخطابات السياسية العربية، وهو ما أدى إلى انقسامات ومنافسات بين الدول العربية الكبرى –مصر والعراق وسوريا-، فيما بين بعضها بعضًا، وأيضًا في مواجهة الدول العربية المحافظة، -السعودية ثم دول الخليج العربي-، وتجاه بعض مشروعات الأحلاف الفاشلة، كحلف بغداد والحلف الإسلامي.
بعد النكبة الأولي ، ونشأة دولة إسرائيل ، منذ ١٩٤٨ ، والعدوان الثلاثي علي مصر تحولت المسألة الفلسطينية إلي القضية المركزية في اطار الصراع العربي الإسرائيلي ، وحركة التحرر الوطني العربية ، وتحول تحرير فلسطين إلي احد مصادر الشرعية السياسية للنظم السياسية في مصر الناصرية ، والنظم البعثية في العراق وسوريا ، وبعد هزيمة الخامس من يونيو ١٩٦٧، تحولت بعدها الي تحرير الأراضي المحتلة ، ثم إلي إقامة دولة فلسطينية مستقلة في غزة والضفة الغربية . وفي اعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣ بدأ التوجه نحو التسوية السياسية ، مع اتفاقية كامب ديفيد ، واتفاقية أوسلو ، ثم اتفاقية وادي عربه ، وصولا إلي اتفاقات إبراهام ، وخلال هذه التغيرات ، بدأت التراجعات الفعلية في العقد السياسي السلطوي العربي عن مركزية المسألة الفلسطينية في التصورات الرسمية في المنطقة ، بقطع النظر عن شعارات الخطابات السياسية الرسمية ، وكلامها الساكت – إذا شئنا استعارة التعبير السوداني الشائع – او اللغة الخشبية ، التي لا تبين . لاشك ان السعي للتسوية كان تعبيراً عن اهتمامات النظم العربية التسلطية نحو مصالحها الوطنية ، وتهميش المسألة الفلسطينية ، ومن ثم الفكرة العربية الجامعة . لاشك ان بنيات المجتمعات الانقسامية العربية ، وتوظيف الفكرة القومية العربية كأطار أيديولوجي لها في منافساتها – مصر وسوريا والعراق – وجزء من الهيمنة الرمزية والإيديولوجية السلطوية ، علي مكوناتها العرقية والقومية ، أسهم في وهن الفكرة العربية الجامعة .
كانت مفاهيم العروبة والقومية العربية جزءًا من الحرب الإيديولوجية في المنطقة، وانعكست سلبًا على توترات العلاقات العربية/ العربية، وأيضا داخل الجامعة العربية، في ظل الهيمنة الإيديولوجية الناصرية في العالم العربي.
خامسًا: بعد هزيمة الخامس من يونيو 1971 القاصمة بدأت الفكرة الإسلامية في التمدد التدريجي، ومعها الصراعات الهوياتية في تفسير اسباب الهزيمة، لاسيما بعد وفاة جمال عبدالناصر، ووصول السادات إلى سدة الحكم، وميله إلى الخروج من إيديولوجيا الاشتراكية والقومية العربية، ، وتوظيفه للإسلام كأداة ايدويولوجية ومصدرًا للشرعية السياسية، والتعبئة في مواجهة القوى السياسية الناصرية، والماركسية، والقومية والليبرالية في مصر، والاتجاه الى تحول في سياساته الخارجية من العلاقات الوثيقة مع الاتحاد السوفيتي السابق نحو الولايات المتحدة وأوربا الغربية، والدول العربية المحافظة قبل حرب أكتوبر، والنص على أن الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع –ثم المصدر الرئيسي بعد كامب ديفيد -، والتحالف مع جماعة الأخوان المسلمين في أعقاب حرب أكتوبر 1973.
سادسًا: في أعقاب حرب أكتوبر وارتفاع أسعار النفط، وتراكم الثروات العربية في دول اليسر العربية، وتمدد الإسلام السياسي وجماعاته، بات الصراع الإيديولوجي مع الفكرة العربية الجامعة، والفكرة الإسلامية الجامعة، كجزء من أقنعة الصراعات الإيديولوجية، والسياسية بين دول اليسر بقيادة السعودية، وبين دول العسر العربية، وهو ما انعكس سلبًا على العلاقات العربية – العربية الثنائية، لاسيما مع دعم السعودية –بطلب أمريكي- للجماعات الإسلامية السياسية والسلفية، لمواجهة الاتحاد السوفيتي والاتجاهات الاشتراكية في المنطقة، ودعم هذه الجماعات وسفرها إلى باكستان وأفغانستان ضد القوات السوفيتية هناك.
سابعًا: في سياقات ما بعد حرب أكتوبر، قام بعض ذوى الاتجاهات القومية العربية، والناصرية بالتنظير لمفهوم النظام العربي، لكن بدى هذا التنظير غير مستوف لشروط النظام الإقليمي موضوعيًا، وهو ما أدى إلى انكشاف هذا المفهوم في ظل هشاشة الدولة الوطنية في المنطقة العربية –باستثناء مصر والمغرب-، ومن ثم ساد مفهوم التضامن العربي في الخطاب السياسي العربي الرسمي. ثم تراجع هذا المفهوم مع اتساع الفجوات بين دول اليسر، ودول العسر، في عديد القضايا، واعتماد بعض الدول العربية الكبرى على الدعم المالي من دول اليسر، وخاصة بعد حربي الخليج الاولي والثانية ، والانتفاضة الفلسطينية الأولي والثانية ، ثم بعد صدمة حماس في ٧ أكتوبر، ومساراتها ومألاتها !
ثامنًا: أدت الفجوات الاقتصادية الكبرى، إلى اختلالات في أبنية القوة، لصالح دول اليسر، وتنامي الصراعات فيما بين بعضها بعضا، وتراجع نفوذ الدول العربية الكبرى بعد الحروب الأهلية، وأزمات حرب الخليج الأولى والثانية.
تاسعًا: أدى فشل سياسات الاندماج الداخلى في الدول العربية، ومعها سياسة الدمج القسرى، واعتمادها على المذهبية السياسية إلى تهميش الأقليات الدينية المسيحية، والمذهبية الشيعية والعرقية والقومية ، ومن ثم الى تبلور هويات بعض هذه المجموعات المضادة للمذهبية السياسية السنية، ومن ثم إلى تعاون بعضها مع الدور الإيراني في الإقليم مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق ، وتوظيف المسألة الفلسطينية في تمدد إيران إقليميا، ودعم حركتي حماس، والجهاد الإسلامية في قطاع غزة.
عاشرًا: مع تفكك وانهيار مفاهيم القومية العربية، والتضامن العربي والنظام العربي، تمددت الأدوار الإقليمية لإسرائيل ونزعتها الإمبراطورية التوراتية بدعم أمريكي وغربي، وإيران، وتركيا، وتحول الدور الإيراني، إلى حالة من رهاب الخوف لأمن الخليج، على نحو أدى إلى تزايد الأنفاق العسكري، وإقامة قواعد عسكرية في هذه البلدان، على نحو ما سهل عقد اتفاقيات أبراهام، والتطبيع السياسي مع إسرائيل كجسر لعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
حادي عشر: تمدد الهجوم الإسرائيلي علي حزب الله في الحرب علي إيران من خلال ضرب الجسور ، والتمهيد لإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان علي نحو ماتم تنفيذه في رفح وبيت حانون ، وفق ماصرح به وزير الدفاع الإسرائيلي ، وأن الجيش سيسيطر علي الجسور المتبقية فوق نهر الليطاني بلبنان ، وعلي المنطقة الواقعة جنوب النهر ، وهو ماسيؤدي الي تفاقم مشكلات طائفية بين مكونات لبنان الطائفي .
ثاني عشر: في أعقاب الحرب على إيران، تطرح عديد الأسئلة على الأنظمة السياسية العائلية في منطقة الخليج حول جدوى القواعد العسكرية الأجنبية في الدفاع عن هذه البلدان ضد إيران، ومن ثم ما مدى جدواها، أو الإنفاق المالي الضخم عليها؟
هل سيزيد التحالف بين هذه الدول والولايات المتحدة، وإسرائيل الإمبراطورية، أم ستدعم علاقاتها مع إيران! وايضاً التوجه نحو التحالف مع باكستان علي نحو ماتم في الاتفاق السعودي الباكستاني ؟
ما تأثير الحرب في نتائجها على العلاقات العربية – العربية؟ هل ستزداد الفجوات بين دول اليسر والعسر؟
هل ستتغير التحالفات، والاتجاه نحو باكستان وتركيا في مواجهة إيران؟ وهل سيؤدى ذلك إلى تحالفات بين دول العسر مع بعضها بعضا؟
ما تأثير الحرب على التنافس بين دول اليسر على لعب أدوار إقليمية؟ أم ستسعى إلى تقوية مجلس التعاون الخليجي؟ ومن ثم الميل إلى خفض دعم هذه الدول لبعض الجماعات المتصارعة في الحروب الأهلية لاسيما في السودان، والصومال، وليبيا.. إلخ؟
أسئلة مفتوحة على مآلات نهاية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في إقليم مضطرب.
المصدر: الأهرام






