لماذا يضيق الاستبداد بالعلم؟

سلام الكواكبي

يُظهر التأمل في العلاقة بين العلم والاستبداد أنها علاقة صراعٍ تاريخيٍّ مستمر، يتجدد بتجدد السياقات السياسية والاجتماعية، لكنه يحتفظ بجوهره الثابت، فالعلم بطبيعته تحرريّ، والاستبداد بطبيعته قمعيّ. إن “الاستبداد والعلم ضدان متغالبان”، إذ يسعى المستبد إلى إطفاء نور المعرفة، بينما يعمل العلماء على نشره وتوسيعه. وهذه الجدلية ليست مجرد فكرة نظرية، بل واقع تاريخي ومعاصر يتجلى في سياسات الدول، ومصائر المفكرين، وحدود الحريات الأكاديمية.

العلم، خصوصًا في مجالات العلوم الإنسانية، لا يقتصر على إنتاج المعرفة، بل يتعداه إلى مساءلة السلطة، وتفكيك البنى الاجتماعية، وكشف آليات الهيمنة. لهذا السبب، يشكل خطرًا مباشرًا على الأنظمة الاستبدادية التي تقوم شرعيتها على احتكار الحقيقة، وإعادة إنتاج روايات رسمية لا تقبل النقاش. فحين يدرس الباحث قضايا مثل العدالة الاجتماعية، أو التاريخ الاستعماري، أو البنى العنصرية، فإنه يفتح الباب أمام مساءلة عميقة لأسس النظام القائم. وهذا ما لا يحتمله الاستبداد.

من هنا نفهم لماذا كانت أولى ضحايا الأنظمة القمعية هي الجامعات، ومراكز البحث، والمفكرون المستقلون. فالتاريخ حافل بأمثلة على اضطهاد العلماء، ونفيهم، بل وتصفيتهم أحيانًا. والقول بأن “السعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره”، هو تعبير بليغ عن مأساة العقول التي تُجبر على الرحيل بحثًا عن فضاء حر. هذه الظاهرة، التي تُعرف اليوم بهجرة الأدمغة، ليست مجرد خسارة فردية، بل نزيف جماعي يضعف المجتمعات ويعزز التخلف.

لكن اللافت أن هذا المرض لم يعد مقتصرًا على الأنظمة التي تُصنف تقليديًا كاستبدادية، بل امتد إلى دول لطالما قدمت نفسها كنماذج للديمقراطية وحرية التعبير. ففي فرنسا، التي قامت جمهوريتها الحديثة على مبادئ الحرية والمساواة، نشهد في السنوات الأخيرة تضييقًا متزايدًا على حرية البحث والتعبير، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل العنصرية، والاستعمار، وفلسطين.

لقد أصبحت الجامعات في بعض الحالات ساحة صراع سياسي، تُفرض فيها حدود غير معلنة على ما يمكن قوله أو دراسته. فالباحث الذي يحاول دراسة الإرث الاستعماري الفرنسي، أو تفكيك البنى العنصرية في المجتمع، قد يجد نفسه متهمًا بتقويض “القيم الجمهورية”. أما من يتناول القضية الفلسطينية أو ينتقد السياسات الإسرائيلية، فقد يُتهم بـ “معاداة السامية”، وهي تهمة تُستخدم أحيانًا لإسكات النقاش بدل فتحه.

ويُعد إلغاء مؤتمر المركز العربي في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي حول غزة مثالًا صارخًا على هذا التوجه. فبدل أن تكون الجامعة فضاءً للنقاش الحر وتبادل الأفكار، أصبحت خاضعة لضغوط سياسية وإعلامية تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض. هذا الإلغاء لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق أوسع، يتمثل في تصاعد الرقابة على الخطاب الأكاديمي، خصوصًا عندما يتعلق بانتقاد السياسات الغربية أو الصهيونية.

إن خطورة هذا المسار تكمن في أنه يُفرغ الديمقراطية من مضمونها. فحرية التعبير ليست مجرد شعار، بل هي شرط أساسي لإنتاج المعرفة وتطور المجتمعات. وعندما تبدأ الدول الديمقراطية في تقييد هذه الحرية، فإنها تقترب تدريجيًا من النماذج التي طالما انتقدتها. وهنا يتجلى التناقض العميق بين الخطاب والممارسة.

من جهة أخرى، فإن استهداف العلوم الإنسانية تحديدًا ليس أمرًا عشوائيًا. فهذه العلوم، بطبيعتها النقدية، تُشكل تهديدًا مباشرًا لأي سلطة تسعى إلى فرض رواية أحادية. على عكس العلوم الطبيعية، التي يمكن احتواؤها أو توظيفها، فإن العلوم الإنسانية تفتح المجال أمام تعددية التفسيرات، وتُعزز التفكير النقدي، وتُشجع على طرح الأسئلة الصعبة. لهذا السبب، غالبًا ما تكون أولى ضحايا التضييق.

ومع ذلك، فإن التاريخ يُظهر أيضًا أن العلم يمتلك قدرة عجيبة على الصمود. فحتى في أحلك فترات الاستبداد، يظهر “العلماء الحكماء الذين ينبتون في مضايق صخور الاستبداد”. هؤلاء لا يكتفون بالحفاظ على شعلة المعرفة، بل يعملون على نقلها وتطويرها، حتى في ظروف القمع. وقد أثبتت التجربة أن الأفكار لا يمكن قمعها إلى الأبد، وأن الحقيقة تجد طريقها في النهاية.

ولا يختلف المشهد كثيرًا في العديد من الدول العربية، حيث يتجلى الاستبداد في صورته الأكثر صراحة في علاقته المتوترة مع العلم والعلماء. فالمستبد العربي، في كثير من الأحيان، لا يعادي العلم من حيث هو معرفة، بل يعاديه حين يتحول إلى أداة نقد وكشف ومساءلة. لذلك، يُفسح المجال فقط لذلك النوع من “العلم” الذي يُزين صورة السلطة، ويُعيد إنتاج خطابها، ويُسبغ عليها هالة من الشرعية. أما العلماء الحقيقيون، الذين يلتزمون النزاهة الفكرية ويطرحون الأسئلة المقلقة، فيُهمَّشون أو يُحاصرون أو يُدفعون إلى المنفى. وهكذا يتحول بعض المنتسبين إلى الحقل الأكاديمي إلى أدوات تبرير، يُجيدون المديح أكثر مما يُجيدون البحث، ويستبدلون الحقيقة بالتطبيل، والمعرفة بالدعاية. وفي هذا السياق، تُصبح “الكرامات” التي تُمنح لهؤلاء ليست تقديرًا علميًا حقيقيًا، بل مكافأة على الولاء، مما يُفرغ المؤسسة العلمية من مضمونها، ويُحولها إلى امتداد للسلطة بدل أن تكون رقيبًا عليها. وفي هذا الإطار، يبرز نمط جديد من التعامل مع المجال العام، كما يمكن ملاحظته في التجربة السورية الراهنة، حيث يُعاد ترتيب سلّم التأثير والمعرفة بشكل لافت. فبدل الاحتكام إلى أهل الاختصاص والخبرة، يُفتح المجال أمام أصوات خفيفة المحتوى، من ناقصي التأهيل، ونجوم المنصات السريعة، و”التيكتوكرز”، ليحتلوا موقع الواجهة. هؤلاء لا يُطلب منهم إنتاج معرفة، بل صناعة انطباع، ولا يُنتظر منهم طرح أسئلة، بل إعادة تدوير خطاب سطحي قابل للتوجيه.

في الختام، يمكن القول إن الصراع بين العلم والاستبداد هو صراع مستمر، يتخذ أشكالًا جديدة في كل عصر. وإذا كان الاستبداد يسعى إلى تقييد الحرية العلمية، فإن مسؤولية العلماء والمثقفين تظل في الدفاع عنها، ليس فقط من أجلهم، بل من أجل المجتمع بأسره. فالمجتمع الذي يُقمع فيه العلم، يُحكم عليه بالجمود والتخلف، بينما المجتمع الذي يحتضن المعرفة، يفتح لنفسه آفاق التقدم والازدهار.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى