الأمكنة والأزمنة والشهداء والثوار في ملحمة الثورة السورية

ضاهر عيطة

الأمكنة، في أساسها، هي الحضن الذي يولد منه الإنسان، وكل ما كان باستطاعته فعله هو أن يكتشفها ويشيّد ويُعمّر فيها، ويمنحها أسماءً وحضورًا. ومع ذلك تبقى الأمكنة، من دون الإنسان، خاويةً وبلا معنى؛ فهو من أضفى، ويضفي، عليها قداستها وهويتها وتاريخها وحدودها، لا لتدلّ على ذاتها فحسب، بل لتدلّ عليه هو، وما ناله وما نالها من تبدلات وتحولات وتغيرات، حتى صارا على الحال الذي هما عليه.

وعلى الرغم من أن لبعض الأمكنة قدسية عند فئة أو جماعة من الناس، ويستمدّ كثيرون عاداتهم وطقوسهم ورموزهم وأهواءهم منها، فإنهم سرعان ما يلجؤون إلى تغيير معانيها وأشكالها وأبعادها ورموزها وحدودها إذا ما ضاقت عليهم، عاكسةً حالهم التي لا تستطيع أن تستقر على حال أبدًا.

ومهما يكن، يبقى لكل إنسان مكان عزيز عليه، لا يضاهيه مكان ولا ينازعه عليه أحد؛ كرحم الأم، ورحم التراب، والبيت، والحارة، والمدرسة، والشارع، والطريق، والوطن. هكذا هي عملية التفاعل الدائرة بين الإنسان والمكان؛ لا يكاد أحدهما يطيق خنق الآخر، إذ إن مثل هذا الاختناق يسبب أقسى الأوجاع. وهل هناك أوجع من أن تخنق الذات ذاتها، وتختصم وتتحارب معها، ما يؤدي في النهاية إلى التهام عقلها بأنياب الجنون؟

ومن هنا يكون صراع القريب مع القريب أشد إيلامًا: صراع الأخ مع الأخ، والآباء مع الأبناء، والأصدقاء مع الأصدقاء، وأبناء البيت الواحد، والوطن الواحد، مع بعضهم. صراع كهذا هو أكثر ما أزهق الأرواح وجلب الدماء والخراب إلى هذه الأرض، إلى هذا المكان البريء والرحيب، والموحش للغريب عنه.

يمكن أيضًا أن يفرغ المكان والزمان من معانيهما حين يتحول الحوار إلى جدل وصراع حول مكان وزمان انطلاق الثورة السورية، وعن أول عبارة كُتبت فيها، وأول شهيد، وكأنهم يحاربون سعيًا إلى تفضيل أحدهم على الآخر.

فالإنسان يظل غريبًا في عالمه؛ يأتيه صدفة، ودون إرادته، ويغادره صدفة كذلك، ودون إرادته. ولهذا يظل خائفًا، ولا يفتأ يبحث في هذا العالم عن مكان يأوي إليه، ويهمس له: أنت في أمان. وإذا ما عثر على هذا الأمان وأقام فيه، يصبح أي تهديد يطاله، حتى لو كان بسيطًا، تهديدًا لوجوده، وينتابه خوف رهيب يبعثر أفكاره ويعطب أماكن عميقة في أعماقه.

فماذا لو كان حجم هذا التهديد بالحجم الذي حلّ بالسوريين وأصاب سوريا، من جراء ما فعلته العصابات الأسدية، وما جرّته من خراب وتدمير؟ ماذا يمكن أن يفعل مثل هذا الخراب والتدمير والتهديد، سوى أن يمزقهم ويعذبهم ويضنيهم؟ ولم يجدوا إلا أن يواصلوا ثورتهم، حتى جاء انتصارهم، جاعلًا الأبواب التي كانت مشرعة على الدم والقتل والموت، مشرعة على الأمل والسلام والحياة، وحاملًا معه للأمكنة عناوين وحكايات ورموزًا ودساتير وقوانين جديدة، يجتمع على صياغتها جميع السوريين، كمحاولة لدرء الصدع والجروح، والتخفف من وطأة الخلافات والصراعات والأحقاد بينهم.

ولكثرة ما عاشت وشهدت الأمكنة السورية من ويلات ومجازر ومآسٍ وحروب، باتت تخشى على نفسها من أن تعود فتتأذى من مثلها؛ ولذلك لم تعد تطيق وجود الخصوم فيها ولا تحتملهم، بل تود لو كان بإمكانها أن تناديهم جميعًا باسم واحد: يا أحبتي، يا كل السوريين. وذلك لتأمن من غضبهم على بعضهم إذا ما انفجر فيها من جديد.

فالأمكنة السورية باتت كالملاك الحارس للسوريين، وعلى السوريين بدورهم أن يحرسوها؛ يحرسوا ما تختزنه في أعماقها من دمائهم، وعذاباتهم، وصبرهم، وجهدهم، وحكاياتهم، وبطولاتهم، ورموزهم.

فهل، بعد أن حررت الثورة السورية العظيمة فضاء المكان والزمان والإنسان السوري من الاختناق، لها أن تعيد تدمير هذا التحرير، وتعيد عجلة الزمان إلى الوراء؟ بالطبع لا. الثورة لا يفترض أن تفعل ذلك أبدًا، وإلا لن تعد ثورة.

لكن بعض الثوار السوريين يهون عليهم عدم الانتباه إلى هذه الحقيقة، فيستنسخ بعضهم، بوعي أو من دون وعي، نموذج التشبيح من الماضي، مع جملة شهيرة: «عريف، مع مين عم تحكي ولو؟»، وسيارات يشفطون بها في الشوارع أمام أعين الناس، أو يركنونها في عرض الطريق.

أو يتخندق بعضهم خلف مكاتب المؤسسات والوزارات، محاطين بسلسلة من المعارف والأصدقاء، لا يديرون إلا شؤونهم وشؤون بعضهم، في حين أن أصحاب المكان الحقيقيين، وأصحاب المكاتب والوزارات من المواطنين السوريين، لا يعنيهم أمرهم كثيرًا. وعندها يفرغ المكان من معناه، ومن مهمته ووظيفته، ويتحوّل إلى مساحة لتكريس النفوذ الشخصي، حيث يقول الواحد منهم للآخر: أنا الأرفع، وأنا المسؤول الأجدر، وأنا الأكثر قوة وسطوة، وأنا ابن الثورة الأول.

وبذلك يتفتت المكان ويتلاشى، ولا تعود وزارة العدل، على سبيل المثال، تحمل شيئًا من معناها لدى الناس، ولا وزارة الأمن، ولا الصحة، ولا قصر الرئاسة؛ ذلك المكان الذي يُفترض أن يشرع أبوابه ليُكلَّل بغار سلامة وكرامة كل السوريين. وهذه المهمة تقع على عاتق أصغر موظف في القصر، وحتى الرئيس، لا أن يتسابق الموظفون على خدمة هذا المكان ليستمدوا منه السلطة والسطوة بوصفهم أفرادًا مميزين فيه، لا أبناءً من الشعب.

ويمكن أيضًا أن يفرغ المكان والزمان من معانيهما حين يتحول الحوار إلى جدل وصراع حول مكان وزمان انطلاق الثورة السورية، وعن أول عبارة كُتبت فيها، وأول شهيد، وكأنهم يحاربون سعيًا إلى تفضيل أحدهم على الآخر. وكأنهم لا يعلمون أن نقاشًا كهذا قد يحول الحوار إلى حلبة صراع تُدق فيها الأسافين في أسس الثورة، وفي معنى أنهم ثوار عاشوا في تلك الأزمنة والأمكنة.

ومثل هذا الجدل الصاخب والمتعالي—والسؤال عن متى بدأت الثورة وأين وكيف: أفي هذا التاريخ أم ذاك؟ أفي درعا أم في دمشق؟—يمكن أن يؤدي إلى إفراغ المكان من معانيه ومضامينه، وإفراغ الزمن والتاريخ من دلالاتهما.

فلماذا يريد أبناء دمشق أن يحتكروا بدء انطلاق الثورة لأنفسهم؟ ولماذا يريد ذلك أبناء درعا؟ ماذا يفيد كل فريق من هذا الاحتكار سوى التناحر والصراع؟ فلو أدركوا أن الثورة لم تبدأ فقط عندهم ولا عند غيرهم، بل كانت سوريا بأسرها تعيش مخاض ثورتها في كل لحظة وثانية ومكان، لما وقعوا في هذا الخصام وأوجعوا الأزمنة والأمكنة.

فذكر أماكن وتواريخ أحداث الثورة لا يعني تفضيل مكان على مكان، ولا تاريخ على تاريخ، ولا ثائر على ثائر، ولا شهيد على شهيد؛ فكلهم معًا أسهموا في الثورة وجلبوا لسوريا النصر. وحتى إذا ما تم التشكيك في الأمكنة والتواريخ والعناوين، فليس من الحكمة رفض الروايات الأخرى والتشهير بها، بل البحث والتحقق من مصداقيتها. وإن تعذر ذلك، يمكن اللجوء إلى الأرشيفات والوثائق والمختصين، لا إلى شيطنة الرواية المضادة وتحويل صاحبها إلى عدو.

لم تكن الثورة السورية أبدًا صراعًا بين السوريين، ولا بين أمكنتهم، بل كان صراعهم مع من حكمهم بالنار والحديد، وأراد خنقهم، حتى انتصروا عليه إنسانًا ومكانًا.

إن تكريس عناوين الأمكنة والأزمنة التي احتضنت الثورة لا يكون بتفضيل بعضها على بعض، فهي كلها محطات في أرشيف كبير عريض لثورة عظيمة. فعندما كُرّست حمص «عاصمة للشهداء» على سبيل المثال، كان ذلك لأن ساحة الساعة فيها شهدت، في لحظة محددة، سقوط عدد كبير من الشهداء، لا لأن الشهداء لم يسقطوا في غيرها، ولا لأن شهداءها أسمى من غيرهم.

وعندما انطلقت معركة ردع العدوان من إدلب، لا يعني أن إدلب وحدها من حررت سوريا، بل كل المدن السورية؛ وليس لمدينة فضل على مدينة، ولا لمكان فضل على مكان. فلكل مكان وزمان وتاريخ، ولكل ثائر وشهيد، فصل في ملحمة الثورة.

وقطرة الدم الأولى التي سقطت في هذه الملحمة كانت من كل الجسد السوري، وأول صرخة حرية خرجت من حناجر الثائرين كتب أطفال درعا أولى كلماتها على جدران مدرسة، وكانت تعبيرًا غير مقصود عما يجيش في صدور الملايين.

هكذا يولد الحراك جماعيًا، وهكذا تتشكل الثورة: بركانًا جماعيًا يجري في الخفاء، وفي لحظة زمنية ومكانية محددة ينفجر. والمكان الذي تنبعث منه أول أنفاس هذا البركان لا يسمو على غيره من الأمكنة في القيمة، وليس هو كل البركان؛ إنما هو النقطة الأولى التي ظهر بها إلى السطح.

وإذا ما قِيسَت الأمور بمثل هذا الميزان، والجدل حول من أشعل شرارة الثورة الأولى، فقد ننجر إلى تقديس مكان ولعنة مكان آخر، وتفضيل شهيد على شهيد، وثائر على ثائر. وهذا يُحدث خللًا رهيبًا، ويتفتت معه معنى المكان والزمان ومعنى الثورة، ويتحول الثوار من ثائرين إلى متقاتلين، ويعود المكان والزمان والإنسان السوري إلى الاختناق في شبح الماضي من جديد.

لم تكن الثورة السورية أبدًا صراعًا بين السوريين، ولا بين أمكنتهم، بل كان صراعهم مع من حكمهم بالنار والحديد، وأراد خنقهم، حتى انتصروا عليه إنسانًا ومكانًا.

الانتصار لكل الثوار السوريين، لكل من ثار منهم من أجل الحرية، ولكل قلب حمل شعلة الثورة في أعماقه، وحتى إن لم يستطع البوح بها في ذلك المكان والزمان.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى