من الساحات إلى المؤسسات.. كيف يعيد السوريون تعريف ثورتهم اليوم؟

وفاء عبيدو

يا حيف”.. “سكابا يا دموع العين سكابا”.. “رجع الخي يا عين لا تدمعيلو”.. “حانن للحرية حانن”.. “طيب إذا منرجع توعدنا تسمعنا”.. “يا يما بثوب حديد لفّيني جيتك شهيد“.

بهذه الكلمات صدحت الساحات خلال سنوات الثورة السورية، لم تكن الأغاني مجرد ألحان، بل كانت تعبيرًا مكثفًا عن وجع السوريين وكرامتهم، لتروي حكاية شعب كسر حاجز الخوف وانتقل من الصمت إلى الصوت، يومها لم تكن الثورة حدثًا سياسيًا فحسب، بل حالة جامعة سبقت فيها الأغاني والشعارات، وحملت الحناجر ما عجزت عنه البيانات.

واليوم وبعد سقوط النظام، تُستعاد تلك الأغاني بمعانٍ مختلفة لم تعد مجرد استذكار للألم، بل تحوّلت إلى جزء من ذاكرة وطن، وسجل حيّ يوثّق لحظة التحوّل الكبرى في تاريخ سوريا، ومع إحياء أول ذكرى للثورة في زمن ما بعد التحرير تتقاطع مشاعر الانتصار مع ثقل الخسارات، لتعود تلك الأصوات كمرآة لسنوات طويلة.

من الساحات التي ضجّت بالهتاف، إلى واقع تُبنى فيه ملامح الدولة، لم تعد الثورة مجرد فعل احتجاجي، بل غدت مرجعية أخلاقية وسياسية يُقاس عليها الحاضر ويُستدل بها على الطريق، وفي ذكرى 18 آذار، لا يستحضر السوريون بداية الحكاية فقط، بل يعيدون صياغة معناها بين أغنيةٍ أطلقت الحلم، ووطنٍ يتشكّل على وقع تلك الذاكرة.

الثورة أبعد من سقوط النظام وحده

لم تكن المرأة السورية على هامش الثورة، بل كانت في قلبها منذ اللحظة الأولى؛ شاركت في التظاهر، والتنظيم، والتوثيق، وحملت لاحقًا أعباء مضاعفة مع تعقّد المشهد.

في هذا السياق، أوضحت الناشطة روز النميري لموقع تلفزيون سوريا أن الثورة السورية لا يمكن التعامل معها كحدث مكتمل أو منتهٍ، بل هي تحوّل عميق في وعي شعب كامل، بدأ منذ عام 2011 وما يزال مستمرًا، كما ترى أن سقوط النظام رغم أهميته، لا يعني تحقق الغاية، لأن الهدف لم يكن تغيير سلطة فحسب، بل بناء إنسان حر ومجتمع عادل ودولة تحترم كرامة مواطنيها.

وتشير إلى أن الثورات لا تُقاس بنتائجها السياسية المباشرة، بل بقدرتها على تفكيك بنية الخوف وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالسلطة وبالآخرين، وفي هذا الإطار، تعتبر أن الثورة السورية نجحت في كسر جدار الصمت الذي بدا طويلًا غير قابل للكسر، لكنها لم تبلغ بعد الحلم الذي خرج السوريون من أجله، مؤكدًة أن ما دفع السوريين إلى الشارع لم يكن بحثًا عن مغامرة أو استجابة لشعارات، بل وصول مجتمع كامل إلى لحظة لم يعد فيها الصمت ممكنًا، بعد سنوات من انتهاك الكرامة وتراكم القمع، وقالت “كان الخروج، فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا، ورغبة في استعادة الصوت والاعتراف بالوجود”.

وتلفت إلى أن الثورة حملت في جوهرها مزيج معقد من الألم والأمل، فالألم يتمثل في الخسارات الهائلة التي طالت الأرواح والمدن والذكريات، في حين أن الأمل هو ما منح هذه التضحيات معناها، وتشدد على أن الذاكرة الوطنية يجب أن تحافظ على هذا التوازن، فلا تختزل التجربة في الحزن فقط، ولا تتجاهل واقعها القاسي، لأن في ذلك خطرًا على فهمها ومستقبلها، مختتمةً حديثها بأن الثورة السورية هي “قصة شعب كسر حاجز الخوف، ودفع ثمن حريته باهظًا، وما زال يكتب نهايتها حتى اليوم”.

معنى وجود ومسؤولية

عبد الله الشيخ ناشط مجتمعي أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الثورة السورية تحوّلت بعد سقوط النظام من حالة احتجاج إلى “معنى وجودي عميق”، قائلًا “لم تعد مجرد ذكرى بل مسؤولية أخلاقية للحفاظ على قيمها الأساسية الحرية والكرامة والعدالة”.

كما يرى أنها أصبحت “مرآة أخلاقية” يعود إليها السوريون لتقييم واقعهم، مؤكدًا أن التضحيات لم تكن من أجل تغيير سلطة فقط، بل لبناء دولة مختلفة، مشيرا إلى أن 18 آذار يجب أن يتحول إلى يوم وطني، كونه لحظة كسر الخوف وبداية وعي جديد، معتبرًا أن توثيق الثورة يجب أن يركز على الإنسان وتجارب السوريين، لا على السرد الرسمي فقط، مع أهمية نقلها بموضوعية للأجيال القادمة عبر التعليم والثقافة.
وفي تقييمه للمرحلة الحالية، اعتبر أن سقوط بشار الأسد إنجاز مهم، لكنه لا يعني تحقيق أهداف الثورة كاملة، في ظل استمرار تحديات تتعلق بالعدالة الانتقالية وبقايا منظومة الاستبداد، مؤكدًا أن التحدي اليوم يتمثل في حماية قيم الثورة عبر ترسيخ المواطنة، وبناء مؤسسات عادلة، ومنع عودة الخوف، باعتبار أن بقاء الثورة مرتبط بما يحمله السوريون في وعيهم وسلوكهم اليومي.

الثورة تتجدد في الذاكرة والاختبار في التطبيق

مع مرور السنوات وتبدّل السياقات، بقيت ذكرى الثورة السورية لحظة تتجدد فيها المعاني أكثر مما تُستعاد كحدثٍ من الماضي، حيث يستعيد السوريون فيها وعودهم الأولى وقيمهم التي انطلقوا من أجلها.

وفي هذا السياق، قالت الصحفية رهام سوادي لموقع تلفزيون سوريا إن نظرتها إلى الثورة لم تتغير منذ بدايتها، بل تتجدد مع كل ذكرى، مؤكدة أن القيم التي رُفعت في الأيام الأولى، الكرامة والحرية والعدالة ووحدة السوريين ما تزال تشكّل البوصلة.

وتشير إلى أن هذه الذكرى، حتى في السنوات التي سبقت سقوط النظام ومع عودة العلاقات الدولية، كانت قادرة على إحياء الأمل لدى السوريين، كما ترى سوادي أن 18 آذار يجب أن يُكرّس كـ“عيد وطني” لا مجرد يوم عابر، لما يحمله من دلالة على لحظة كسر الخوف وبداية استعادة الصوت.

وفي ما يتعلق بتوثيق الثورة، تحذّر من تحويلها إلى رواية منحازة أو “بروباغندا بديلة”، مشددة على ضرورة نقلها بصدق، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، من دون إقصاء أو تخوين، مؤكدًة أن الثورة ليست مجرد مظاهرات، بل تجربة ممتدة شكّلت وعي السوريين على مدار سنوات.

وتربط شكل حضور الثورة في الوعي العام بطريقة تقديمها للأجيال، معتبرة أن اختزالها في سردٍ جامد يفقدها معناها، في حين إدماج قيمها في الهوية الوطنية يحفظها ويمنحها استمرارية، كما تشدد على أن روح الثورة لم تقتصر على الساحات، بل تتجلى اليوم في المطالبة بالعدالة والشفافية وحقوق الإنسان، بما في ذلك قضايا المرأة والطفل.

وتوضح أن تقييم ما تحقق من أهداف الثورة يرتبط بتعريفها فإذا كانت مجرد إسقاط للنظام، فقد تحقق ذلك، أما إذا كانت مشروعًا لبناء دولة قائمة على الحرية والعدالة، فإن الطريق ما يزال طويلًا، ويتطلب ترسيخ هذه القيم في الأجيال الجديدة.

وتختم بالتأكيد على أن المسؤولية اليوم تقع على أبناء الثورة والمجتمع المدني والدولة معًا، لترجمة هذه القيم إلى واقع ملموس، محذّرة من أن غياب العدالة والمحاسبة يهدد بفقدان ثقة الأجيال القادمة، ويُفرغ الثورة من معناها الذي خرج السوريون من أجله.

الثورة مرجعية قانونية

من جانبه، يرى الباحث في القانون المعتصم بالله الكيلاني أن الثورة السورية لم تعد تُفهم بوصفها مجرد احتجاج سياسي، بل كحركة تأسيسية لاسترداد الحقوق الأساسية التي حُرم منها السوريون لعقود، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والمشاركة السياسية والعدالة، مؤكدًا أن سقوط النظام منح هذه الثورة بعدًا جديدًا، إذ باتت تمثّل مرجعية أخلاقية وقانونية تُعيد التأكيد على أن شرعية أي سلطة تنبع من رضا الناس واحترام حقوقهم، لا من القوة.

ويشير الكيلاني إلى أن 18 آذار يمكن أن يشكّل يومًا وطنيًا جامعًا، لما يحمله من دلالة على لحظة تمسّك السوريين بحقوقهم في مواجهة الاستبداد، معتبرًا أن إقراره رسميًا يجب أن يتجاوز كونه تخليدًا لحدث، ليصبح تكريسًا لقيم دستورية مثل الحرية والمساواة وسيادة القانون، ورسالة للأجيال بأن الحقوق تُنتزع وتُصان بالمؤسسات.

وفي ما يتعلق بتوثيق الثورة، يؤكد أن المقاربة الحقوقية تقتضي التعامل معها كجزء من الذاكرة الوطنية المرتبطة بالانتهاكات والنضال من أجل العدالة، من خلال إبراز قصص الضحايا والمعتقلين والمفقودين، وربطها في المناهج التعليمية بقيم حقوق الإنسان ومنع تكرار الانتهاكات.

ويضيف أن ذكرى 18 آذار مرشحة لأن تتحول إلى ذاكرة وطنية جامعة، تؤسس لهوية سوريا الجديدة، باعتبارها لحظة أعاد فيها السوريون تعريف علاقتهم بالدولة على أساس الحقوق والمواطنة، لا الخوف والإقصاء.

وحول مآلات الثورة، يوضح الكيلاني أن جوهرها ما يزال حاضرًا في الإصرار على دولة خاضعة للقانون وخادمة للمجتمع، مشددًا على أن نجاح المرحلة الجديدة يُقاس بمدى تحويل هذه القيم إلى ضمانات دستورية ومؤسسات مستقلة وقضاء عادل وآليات فعالة للمحاسبة.

ويخلص إلى أن الثورة حققت إنجازًا تاريخيًا بكسر شرعية الاستبداد، لكنها لم تستكمل أهدافها بعد، ويؤكد أن الحفاظ على قيم الثورة يبدأ بترجمتها إلى قواعد ملزمة، عبر دستور عادل، وقضاء مستقل، ومحاسبة حقيقية، ومشاركة متساوية لجميع السوريين، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات ويؤسس لدولة قائمة على سيادة القانون.

 

بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة

في المحصلة، لا تبدو الذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية مجرد محطة زمنية عابرة، بقدر ما تمثل لحظة اختبار حقيقية لمسارٍ بدأ بإسقاط نظامٍ امتد لعقود، ولم يتوقف عند تلك اللحظة، فبين منجز التغيير وتعقيدات المرحلة الانتقالية، يبرز التحدي الأهم في تحويل الزخم الثوري إلى مشروع دولة قادر على ترجمة تطلعات السوريين ضمن مؤسسات وقوانين فاعلة.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى