
الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان زودت وزارة العدل الأمريكية ببيانات حول الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال فترات تولّي الشيخ مناصب قيادية في سوريا
مقدمة
في 9 تموز/يوليو 2024، ألقت سلطات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة الأمريكية، في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، القبض على الضابط والمسؤول السوري السابق سمير عثمان الشيخ، على خلفية تحقيقات تتعلق بضلوعه في جرائم جسيمة ارتُكبت أثناء توليه مناصب أمنية ومدنية في سوريا.
وفي 16 آذار/مارس 2026، أدانت هيئة محلفين فدرالية أمريكية الشيخ في محكمة في لوس أنجلوس، وأكدت النتائج القضائية ثبوت التهم الرسمية الموجهة إليه، وتشمل:
- التآمر على ارتكاب التعذيب، من خلال الاتفاق مع عناصر أخرى على تنفيذ تعذيب ممنهج بحق سجناء سياسيين وغيرهم.
- ثلاث تهم مباشرة بالتعذيب، عن دوره في التعذيب الجسدي والنفسي للمعتقلين خلال فترة إدارته سجن عدرا المركزي في دمشق بين عامي 2005 و2008.
- الاحتيال على سلطات الهجرة الأمريكية، بما في ذلك الإدلاء بمعلومات كاذبة للحصول على بطاقة الإقامة الدائمة “الجرين كارد”، والسعي إلى نيل الجنسية الأمريكية استنادًا إلى بيانات غير صحيحة.
وتندرج هذه التهم ضمن اختصاص القضاء الفيدرالي الأمريكي، الذي يتيح محاكمة الأشخاص المتورطين في جرائم دولية جسيمة، حتى وإن ارتُكبت خارج الولايات المتحدة، متى توافرت صلة بإجراءات الهجرة أو بجرائم يعاقب عليها القانون الأمريكي. وقد صدرت الإدانة بعد محاكمة أمام هيئة محلفين، ما يعني أنَّ القاضي وهيئة المحلفين في المنطقة المركزية لولاية كاليفورنيا خلصا إلى أنَّ الأدلة التي قدمتها النيابة الأمريكية تثبت مسؤوليته عن التهم الموجهة إليه.
وتشير الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أنَّه لم يصدر حتى الآن حكم العقوبة، وقد يواجه الشيخ عقوبات قد تصل إلى:
- السجن لمدة تصل إلى 20 سنة عن كل من تهمتي التعذيب والتآمر على التعذيب.
- السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات عن كل من تهم الاحتيال على سلطات الهجرة.
خلفية القضية
وفقاً لقاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، فإنَّ سمير عثمان الشيخ، وهو من أبناء محافظة إدلب، ضابط سابق برتبة عميد، أُحيل إلى التقاعد في مطلع عام 2011، وقد شغل عدة مواقع قيادية، من أبرزها:
- رئيس سجن عدرا المركزي في محافظة ريف دمشق.
- رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة ريف دمشق.
- محافظ دير الزور خلال الفترة الممتدة من 24 تموز/يوليو 2011 حتى مطلع عام 2013.
وجاء تعيينه محافظًا لمحافظة دير الزور في سياق الحراك الشعبي، وكان عضوًا في اللجنة الأمنية في المحافظة، وهي الجهة المسؤولة عن تنسيق واتخاذ القرارات العسكرية والأمنية، بما في ذلك عمليات الاعتقال والمداهمات.
التكييف القانوني للمسؤولية
تؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ المسؤوليات والمناصب التي تقلدها المتهم تضعه ضمن سلسلة القيادة في نظام بشار الأسد السابق، بما يرتب عليه مسؤولية قانونية عن الانتهاكات التي ارتُكبت ضمن نطاق سلطته، استنادًا إلى مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الدولي، سواء من خلال إصدار الأوامر، أو العلم بوقوع الانتهاكات وعدم منعها، أو الإخفاق في التحقيق والمساءلة. ويشكّل هذا التأطير القانوني جزءًا مهمًّا من تحليل الأدلة في القضايا الوطنية والدولية التي تستهدف محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.
أبرز الانتهاكات الموثقة
استنادًا إلى قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، شهدت محافظة دير الزور خلال الفترة الممتدة من نيسان/أبريل 2011 حتى 15 كانون الثاني/يناير 2013 – وهي فترة تداخلت مع تولي المتهم مناصب قيادية- وقوع انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق، من أبرزها:
- مقتل ما لا يقل عن 3933 مدنيًا، بينهم 312 طفلًا و261 سيدة، على يد قوات نظام الأسد والمليشيات الموالية له.
- مقتل ما لا يقل عن 93 شخصًا، بينهم طفلان، تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز.
- توثيق ما لا يقل عن 659 حالة اعتقال تعسفي، بينهم 31 طفلًا و19 سيدة، تحولت 508 منها إلى حالات اختفاء قسري.
كما وثقت الشَّبكة عددًا من المجازر البارزة خلال تلك الفترة، من بينها:
- مجزرة اقتحام مدينة دير الزور في 7 آب/أغسطس 2011، التي أسفرت عن مقتل 81 مدنيًا.
- مجزرة حيّي الجورة والقصور في 25 أيلول/سبتمبر 2012، التي راح ضحيتها 95 مدنيًا.
- قصف فرن الخبز في مدينة البصيرة في 25 كانون الأول/ديسمبر 2012، الذي أدى إلى مقتل 22 مدنيًا.
دور الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان
ساهمت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان في دعم مسار هذه القضية منذ عام 2023، من خلال:
- تزويد وزارة العدل في الولايات المتحدة الأمريكية ببيانات تفصيلية موثقة حول أبرز الانتهاكات المرتكبة.
- تقديم تحليلات قانونية تربط بين أنماط الانتهاكات وسلسلة القيادة.
- التعاون والتنسيق مع الشركاء في هذا الملف: المنظمة السورية للطوارئ.
ويأتي هذا الدور في إطار مذكرة التفاهم الموقعة مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الأول/أكتوبر 2019، والتي تهدف إلى تعزيز تبادل المعلومات دعمًا للتحقيقات والمساءلة، ووضع المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان ضمن أطر المحاسبة والعقوبات.
دلالات التهم والإدانة في سياق العدالة الانتقالية في سوريا
تمثل التهم الموجهة إلى سمير عثمان الشيخ وقرار هيئة المحلفين بإدانته:
- خطوة متقدمة نحو مساءلة المسؤولين السوريين عن جرائم التعذيب أمام القضاء الفيدرالي الأمريكي.
- تطورًا مهمًّا في توظيف الاختصاص القضائي لملاحقة الجرائم الدولية الجسيمة.
- رسالة واضحة بأنَّ الإفلات من العقاب ليس مضمونًا، حتى بعد مرور الزمن أو مغادرة المتورطين الأراضي السورية.
كما تأتي هذه الإجراءات في سياق المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، والتي تتطلب بناء آليات عدالة انتقالية شاملة تشمل التحقيق والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة منذ بداية النزاع. وتؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ البيانات والأدلة التي جمعتها، إلى جانب ما جمعته المنظمات الشريكة، تشكل دعامة أساسية لدعم العدالة الانتقالية الوطنية مستقبلًا، وتمكين القضاء الوطني السوري من الاستفادة منها لتعزيز المحاسبة وضمان حقوق الضحايا، وفق معايير القانون الدولي.
توصيات
تجدد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان دعوتها إلى:
- دعم العدالة الوطنية السورية في إطار المرحلة الانتقالية، من خلال بناء آليات محلية للتحقيق والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة منذ بداية النزاع.
- تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المختصة لدعم هذه الآليات الوطنية وتبادل البيانات والأدلة، بما لا يتجاوز دورها المساند للقضاء المحلي.
- ضمان إخضاع المسؤولين الأفراد والكيانات المتورطة في الانتهاكات لأطر المحاسبة، مع مراعاة دور القيادة العليا لنظام الأسد، بما في ذلك رئيس النظام بصفته القائد الأعلى للجيش والأجهزة الأمنية.
وتؤكد الشَّبكة أنَّ توجيه التهم الرسمية والإدانة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول يعد خطوة مهمة على طريق تحقيق العدالة للضحايا، ويشكل دعمًا إضافيًا للجهود الوطنية، مع التأكيد على ضرورة استمرار العمل لضمان عدم إفلات أي من مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من المساءلة.
المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان






