ماذا يعني سقوط إيران؟

خالد الحروب

                                  

دعمت بريطانيا الدولة العثمانية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى عام 1914، بدافع الخشية من روسيا القيصرية في الشمال وأحلام توسّعها جنوباً نحو المياه الدافئة ومن ثم الوصول الى البحر المتوسط والسيطرة عليه، بما يسدّ الطريق أمام البحريتين البريطانية والفرنسية معاً. كانت موسكو في تنافس مرير مع لندن وباريس حول من يصل أولاً إلى الشرق ويكرّس حضوره هناك. اختلطت الأهداف السياسية والتجارية مع الرغبة الإمبراطورية في بسط النفوذ. لو نجحت روسيا في هزيمة العثمانيين في حروبها ضدهم، وخصوصاً حرب القرم (1853- 1856) وحرب التسعين يوماً بين عامي 1877- 1878، لتغيّر وجه التاريخ. في كلتا الحربين، ساندت بريطانيا (وفرنسا أيضا) العثمانيين، ليس حبّاً في آل عثمان ولا في دولتهم، بل انطلاقا من حساباتٍ براغماتيةٍ وجيواستراتيجية باردة. تبعاً لتلك الحسابات، توجب بذل أقصى ما أمكن لمنع روسيا من التمدّد جنوباً، حتى لو كان هذا عن طريق دعم العثمانيين الذين وصلوا إلى قلب أوروبا في ذروة قوتهم وهدّدوا فيينا وما بعدها. … تعجّ الأرشيفات البريطانية بمواقف احتقار وعنصرية تجاه العثمانيين وثقافتهم ودينهم من السياسيين والقادة الانكليز خلال “عقود الدعم” الطويل (كما قبلها وبعدها بطبيعة الحال). لكن تلك العنصرية والكراهيات الغريزية لم تكن صاحبة القرار في تشكيل الموقف من الدولة العثمانية، التي اعتُبرت جدار دفاع أساسيا ضد روسيا.

المفارقة المثيرة أيضا أن هذا التنافس المرير بين القوى العظمى (بريطانيا، فرنسا، وروسيا) حول الدولة العثمانية، سبقته فترة توافق بينها على محاربة الاسطول العثماني والمصري ايضا الذي بناه محمد علي باشا في معركة نافارين سنة 1827. أي إن التحالفات وتفكيكها وإعادة تشكيلها وبناء تحالفات جديدة خضعت هنا، كما في معظم إن لم يكن في كل تاريخ سياسة العالم، لمعادلات الاعتبارات والمخاطر الجيواستراتيجية، وليس تبعا لنزوات العواطف والحب والكراهية. الانقياد وراء العواطف وحدها يقلص مدى الرؤية، ويقود إلى قرارات تنقصها الحكمة والعمق.

تدمير إيران هو العتبة الحالية التي تريد إسرائيل تجاوزها حالياً، كي تقطع شوطاً مهما في مسيرة السيطرة الإقليمية

شواهد القرن العشرين غنية هي الأخرى حيث يتقدّم العدو أو الخطر الأبرز على الاعتبارات الأدنى او الأقل خطورة. أوروبا الغربية والولايات المتحدة تحالفا مع العدو الشيوعي الأبرز، والقائد السوفييتي الأكثر قسوة، ستالين، ليكون حاجزا دفاعيا في وجه ألمانيا النازية. ضمن المربّع الشيوعي نفسه، التفّت أميركا على الصين في سبعينيات ذلك القرن، بتخطيط داهية السياسة الأميركية آنذاك هنري كيسنجر، لتعزيز العداء بين بكين وموسكو وموازنه قوة الاتحاد السوفييتي عالميا. … المهم هنا، وسواء أعاد التاريخ نفسه بالكلية، أم كرّر بعض أوجه التشابه فقط مع الماضي، يبقى الدرس الأهم والأبرز أن السياسة الباردة وتمثلاتها وحساباتها غير العاطفية هي ما يجب أن يسود. ليس ثمة اكتشافات جديدة في ذلك كله، أي أولوية براغماتية السياسة وحسابات الجيواستراتيجيا. لكن وسط ضجيج المعارك وطحان الأزمات واندفاع العواطف وغبش الرؤية، تتعرّض حتى الأبجديات للتجاوز والنسيان، ويصير التذكير بها مفيداً.

يفيدنا درس التاريخ المُتكرّر في تقدير الموقف إزاء الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، والرد الإيراني الذي توسع ليصل إلى دول الخليج، على نحو مُستهجن ومُدان بلا أية تحفظات. تفيد الصفحة الأولى من هذا الدرس بأن الموازنة بين المخاطر والتهديدات الحالية تشترط فتح عدسة النظر والسياق الراهن والمستقبلي على أوسع مدى ممكن (zoom out). معنى هذا، ربط الحرب الحالية بجوهر “المشروعات” المطروحة على المنطقة لإعادة تشكيلها، وفي مقدّمتها مشروع إسرائيل الاستراتيجي (والتوراتي) للسيطرة الإقليمية. … في السنوات القليلة الماضية، يكاد لا يخلو خطاب لأي مسؤول إسرائيلي، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو رئيس وزرائهم نفسه، من تصريحات علنية حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق ما تراه إسرائيل. وفي ظهوره الخميس الماضي، دفع نتنياهو هذا الخطاب شوطاً آخر إلى الأمام، قائلاً إن إسرائيل لم تعد القوة الإقليمية الأهم في المنطقة فحسب، بل أصبحت قوة عالمية في بعض المجالات (وربما يقصد الأمن، والتكنولوجيا السيبرانية، وما قاربها).

كأنما الجميع ينقادون، نياماً، وراء إسرائيل التي تقودهم إلى حتفهم واحداً بعد الآخر

ما هي، إذن، الشروط التي يجب توفرها كي تكون إسرائيل القوة الإقليمية المسيطرة في الشرق الأوسط، ومرّة أخرى، استنباطا مما تردّده الخطابات الإسرائيلية؟ الشرط الأول هو تدمير أية قوة منافسة (تحت مسوغ التهديد الأمني) في الوقت الراهن، او مُحتمل ان تتطور وتنافس في المستقبل. التدمير العسكري هو الأسلوب الأكثر فجاجة كما يُنفذ الآن ضد إيران، وكما نُفذ ضد العراق سابقا، لكنه ليس الوحيد. هناك أساليب أخرى تتفاوت خشونة ونعومة، بدءً بالتطبيع وتحييد الدول العربية الكبرى كما حصل مع مصر، او بالتدخل في الشؤون المحلية والتفكيك الداخلي كما حصل ويحصل مع سورية، أو عبر إدعاءات السلام الإبراهيمي أخيراً كما استخدم مع بعض الدول العربية، وكما وظف للضغط على السعودية وتوريطها ومن ثم تحييدها.

تدمير إيران هو العتبة الحالية التي تريد إسرائيل تجاوزها حالياً، كي تقطع شوطاً مهما في مسيرة السيطرة الإقليمية. إذا دُمرت إيران وخرجت من المعادلة الإقليمية تبقى هناك دولتان في الجوار القريب تضعهما إسرائيل في مرمى الهدف، تركيا والسعودية، وأخريان في الجوار الأبعد، باكستان والجزائر. عند الإبقاء على عدسة النظر واسعة الإطار، نرى الصورة الإقليمية بوضوح أكبر. دمار كل دولة من هذه الدول يعني أمرين: إزاحة عائق آخر من وجه السيطرة الإسرائيلية، واقتراب الدور على الدولة التالية. على ذلك، وبعيداً عن كل المواقف من إيران، سواء اعتداءاتها المُدانة على دول الخليج راهنا، وممارساتها المُدانة أيضا بالأمس في سورية وغير مكان من المنطقة العربية، فإن سقوطها يعني المزيد من الانكشاف الإقليمي أمام التغول التوسّعي الإسرائيلي، المدعوم بالنزق الأميركي السياسي والديني أيضاً.

عندما تحالفت إيران ضمنا مع الولايات المتحدة لمّا غزت العراق عام 2003، اعتقدت أنها تخلصت من عدوها الأكبر، صدّام حسين، على يد الأميركان. وعمليا، اغتبطت، بوعي أم بدونه، بسياسة إسرائيل القائمة على التدرّج في حروبها ضد دول المنطقة والاستفراد بكل واحدةٍ على حدة. من يكرّرون الرغبة والفرح الخفي بتدمير إيران اليوم ينسخون ما فعلته ويقعون في الفخ نفسه. كأنما الجميع ينقادون، نياماً، وراء إسرائيل التي تقودهم إلى حتفهم واحداً بعد الآخر. ينسون في خضم صراخ الحرب أهم درس عربي – فارسي تعلموه في المدارس الابتدائية، كرّره عليهم ابن المقفع في كليلة ودمنه، قبل ترسيمات كل علوم السياسة والاستراتيجيا الحديثة، يوم تحسّر الثور الأحمر على موته وأدرك متأخّراً أنه كان قد أُكل يوم قدم رفيقه الثور الأبيض هدية مجانية للأسد المفترس.

 

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى