
لا يكف رئيس الوزراء الإسرائيلي عن تكرار مقولته عن تغيير وجه الشرق الأوسط والتي باتت عنواناً رئيسياً للمرحلة من وجهة نظر إسرائيل بعد التطورات الخطيرة التي شهدتها السنتان السابقتان وتحديداً بعد السابع من أكتوبر وما حدث في غزة، وتعقد العلاقة مع إيران التي كانت تتقاسم الهواجس ذاتها مع إسرائيل في الهيمنة على المنطقة.
الملفت هنا أن نتنياهو يعلن من خلال عنوانه ليس فقط عن خطة التغيير تلك، ولكن عن تصدير إسرائيل بأنها صاحبة القرار في الشرق الأوسط، وبشكل أدق أنه هو صاحب ذلك القرار، مسلحاً بالتطور التكنولوجي النوعي والدعم الأميركي من ناحية، وبضعف دول المنطقة وعجزها وتحديداً الدول العربية من ناحية أخرى، وذلك الضعف هو السلاح النوعي الأهم الذي تمتلكه إسرائيل..
وفي هذا الصراع، تبدو إيران هي الدولة الوحيدة التي كانت تشكل تهديداً للمشروع الإيراني، وبهذا المعنى سيكون الهدف من ضرب إيران وأذرعها في المنطقة هو إضعاف قدراتها التهديدية بحيث يتشابه عجزها من عجز الدول العربية، وربما كان الهدف امتحان القدرات الإيرانية وفيما إذا كانت قوة حقيقية أم مجرد أوهام وادعاءات.
وبعد سنوات من التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، وبعد الحرب الخاطفة في صيف العام 2025، هاهي الحرب الكبيرة التي استبعد الكثيرون نشوبها قد اندلعت معلنة نهاية حقبة من الغموض وكاشفة عن العلاقة الحقيقية بين الطرفين، ولكن هل تبدو طبيعة تلك العلاقة العدائية التي نراها اليوم على مسرح الأحداث قديمة وأصيلة، هل الحدث اليوم يمثل جوهر تلك العلاقة أم أن متغيرات حدثت أدت إلى تغيير كل من الطرفين موقفه من الآخر، أم أن قراراً تم اتخاذه من أحد الأطراف بذلك التغيير؟
في هذا السياق لا يمكن إغفال سؤال آخر مرتبط بجوهر العلاقة بين هاتين القوتين: لماذا سمحت إسرائيل بتضخم الفاتورة إلى أن بات سدادها مرهقاً ومكلفاً من خلال السماح لحزب الله التمدد على مدار العقود السابقة وهل كانت عاجزة عن منع ذلك؟
لقد كبر حزب الله وترعرع في جوارها دون أن تستهدفه بذات القوة التي أظهرتها في السنة ونصف السنة الماضية، فهل اكتشفت إسرائيل مؤخراً فقط النوايا الإيرانية فقررت التغيير؟ وهل تغيير وجه المنطقة سيقتصر على هزيمة إيران وحزب الله وباقي الأذرع الإيرانية المنتشرة والمتشعبة في الدول العربية؟
لا شك أن الالتباس كان يصلح عنواناً عريضاً لفترة هدنة طويلة سادت بين الطرفين، ربما تقاطعت مصالحهما في بعض التوجهات السياسية وتصادمت في أخرى، ولكن العداء اللفظي بينهما ساد لسنوات طويلة وكان يبدو وكأنه حالة اتفاق على الخصومة دون اللجوء إلى مواجهة حقيقية، غير أننا اليوم لا يمكننا الحديث إلا عن وجه واحد لم يعد فيه التباسات أو احتمالات، حيث تجسدت الخصومة بحرب كبيرة تجري أحداثها اليوم وتنفي أن يكون لتلك العلاقة أية احتمالات أخرى..
ومن الواضح أن القرار الإسرائيلي تم اتخاذه بعد السابع من أكتوبر حيث تأكدت إسرائيل ربما أن إيران تمثل تهديداً جدياً وليست مجرد منافس أو شريك في الهيمنة على المنطقة، ولهذا قرر بنيامين نتنياهو أنه سيغير وجه الشرق الأوسط، وهو يعني بذلك البدء بالتخلص من المشروع الإيراني، وربما بعدها المضي في مشروع إسرائيل الكبرى بلا منافس في المنطقة.
غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نسي على ما يبدو أن وجه الشرق الأوسط قد تغير منذ أكثر من سبعين عاماً أي منذ بداية التأسيس لدولة إسرائيل في العام ١٩٤٨، حيث تم العبث بملامح المنطقة بشكل شديد الحدة والخشونة، وكان تغييراً عميقاً دفعت المنطقة العربية برمتها أثماناً باهظة له وما زالت عالقة حتى الآن في وعورة ذلك التغيير وتداعياته..
لقد جاء الاحتلال الإسرائيلي ليس لتغيير وجه المنطقة بل لتشويهه والعبث به واستبداله مع الزمن بوجه لا يشبه وجهه الأصلي، حيث لم تنعم المنطقة بالسلم والاستقرار منذ ذلك الحين، وبات ذلك الوجه مفتوحاً على تغييرات متتابعة وتولت إسرائيل القيام بعمليات التجميل لتلك التغييرات وأنشأت دولة متطورة لا يمكن نكرانها، وأسست لحكم ديمقراطي بَيني/ داخلي، دون أن تعنيها مفاهيم الديمقراطية إن تجاوزت الداخل الإسرائيلي، ولكنها مع ذلك جلبت المقارنة بينها وبين الدول العربية التي تولى حكمها فيما بعد مجموعة من الطغاة لعبت ديكتاتوريتهم دوراً عميقاً في تكريس ديمقراطية إسرائيل وتطورها بالمقارنة مع قمعهم وتخلفهم، وكانت إسرائيل هي من يدعم ذلك التخلف وأولئك الطغاة وترعاهم وتتحكم بمصائرهم من خلال علاقتها العميقة بالولايات المتحدة الأميركية، ولعب الحكم الديكتاتوري في إيران دوراً كبيراً أيضاً في إبراز الوجه الديمقراطي لإسرائيل وتصديره للعالم من خلال مقارنته بأنظمة الحكم الشمولية الأخرى في الشرق الأوسط .
وفي الواقع فإن وجه الشرق الأوسط لم يثبت على ملامح معينة بعد احتلال فلسطين، بل كان دائم التغيّر، فبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شهدنا تغييراً آخر بدأ بطيء الخطا، ولم تصل تأثيراته إلى المنطقة العربية إلا بعد فترة طويلة، ورغم الحرب التي امتدت لسنوات بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن ذلك لم يكشف الوجه الحقيقي للمتغيرات الجديدة التي كانت تنتظر المنطقة العربية والشرق الأوسط على يد إيران، وإن كانت أساساً استراتيجياً لذلك التغيير الذي أعقب التغير الذي حدث بعد نشوء إسرائيل.
كان المشروع الإيراني يمشي بخط متواز مع المشروع الإسرائيلي على المستوى الاستراتيجي، ولكنه اختلف جذرياً في التكتيك والأدوات، حيث أعلن انتصاره لقضية فلسطين، واستطاع إنشاء جسم إيراني في لبنان بذريعة مقاومة الاحتلال على الجبهة اللبنانية، وقد لاقى ذلك ترحيباً كبيراً في المنطقة العربية، إلى أن تَلامح بعد اندلاع الثورة السورية بعمقه الحقيقي ليكشف عن رغبة إيران في ابتلاع العالم العربي أو تقاسمه مع إسرائيل، وكلا المشروعين وضعا العالم العربي بين فكي كماشة، قبل أن يبدأ الصراع بين المشروعين يشتد في السنتين الأخيرتين وينتهي إلى ما آلت إليه الأمور اليوم وما أنتجته من حرب لا تزال تدور رحاها حتى الآن ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة لها..
ومن المفارقة أن الحماسة للمشروع الإيراني من قبل الكثير من الدول والشعوب العربية تنقلب اليوم إلى حماسة لإنهاء ذلك المشروع، ورغم أن دعم إنهاء الهيمنة الإيرانية سيبدو وكأنه وقوف مع المشروع الإسرائيلي، فإن الكثير من العرب وربما كل السوريين لا يترددون في الانحياز إلى إنهاء النفوذ الإيراني بصرف النظر عن القوة التي تقوم بذلك، ولولا الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبته إيران في تدخلها في سوريا ولولا الثورة السورية وتداعياتها في هذا السياق، لكان العالم العربي برمته يقف دون تردد إلى جانب إيران، حيث لن يكون ثمة ما يدعو للاختلاف بين العرب حول الموقف من إيران، ولهذا فإن التحديثات الأخيرة التي يريدها نتنياهو في وجه الشرق الأوسط والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى إنهاء النفوذ الإيراني، تحظى برضا الكثير من العرب الرافضين للمشروع الإسرائيلي ذاته، فذلك بالتأكيد لا يعد انحيازاً للمشروع الإسرائيلي قدر ما هو رغبة في التخلص من المشروع الإيراني..
لا مؤشرات واقعية في الأفق تفضي إلى احتمالية انتصار إيران كما يروج أتباعها أو حتى خروجها قوية ومتماسكة بعد الحرب، وليس بالضرورة أن تخرج إسرائيل سالمة تماماً أيضاً، وربما يجلب تغيير نتنياهو لوجه الشرق الأوسط المزيد من الكوارث للمنطقة، وفي كل الأحوال سيتغير وجه الشرق الأوسط ولكن ليس بالضرورة للأفضل، غير أن النتيجة النهائية ستبقى تشير إلى العجز العربي في لعب دور في الشرق الأوسط ولربما تكون فرصة لهم لإعادة التفكير في ذلك العجز وأسبابه وطرق الخروج منه، بدلاً من البقاء كبنادق في رقعة الشرق الأوسط، أو حتى إمكانية إزالة تلك البيادق من الرقعة نهائياً.
هي فرصة للدول العربية لمراجعة موقعها في تلك الخريطة الواسعة، وفرصة لتحويل الفكر المحدود الذي يتحكم في شعوبها إلى استراتيجيات وطنية بعيدة المدى، ودون ذلك سيبقى وجه الشرق الأوسط بعيداً عن متناول اليد العربية وستقل فرص العرب في المشاركة بصناعة مستقبل بلادهم..
المصدر: تلفزيون سوريا






