تغيّر خرائط الشرق الأوسط 

عبد الله مكسور

في الحروب الكبرى، يكشف التوقيت أكثر مما تكشفه الصواريخ. الضربة النهارية التي استهدفت قلب المربع الأمني في العاصمة طهران وقتلت المرشد. حملت في جوهرها إعلاناً مبكراً عن طبيعة المعركة الإسرائيلية الأميركية المستمرة، والتي يقول ترمب إنها لن تنتهي إلا باستسلام إيران الشامل وغير المشروط. كان هذا واضحاً منذ لحظة الاستهداف الأولى فالعلوم العسكرية تقول إن الهجمات التي تسعى إلى الردع تضرب في الأطراف، أما تلك التي تضرب رأس السلطة في وضح النهار فتتحدث بلغة أخرى؛ لغة تغيير النظام وإعادة تشكيل المشهد السياسي للدولة المستهدفة.
المشهد الذي يتشكل في الأفق أوسع بكثير من معادلة الضربة والرد. فالحروب التي تقع في هذه المنطقة لا تتحرك داخل حدودها العسكرية المباشرة فقط، وإنما داخل طبقات متداخلة من التاريخ والجغرافيا والمسارات السياسية. ولهذا فإن التفكير في مآلات الاشتباك لا يكتمل من دون النظر إلى سؤال أعمق: أي شرق أوسط قد يخرج من هذا الصدام؟
الرسائل السياسية سارت جنباً إلى جنب مع الضربات الجوية.غير أن الواقع الميداني تحرك بسرعة مختلفة. الرد الإيراني جاء على شكل نقل الملف إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات قائم على الاعتداء المباشر على دول الخليج العربي، ويملك في صلبه القدرة الحقيقية على التمدد بسرعة في جغرافيا الشرق الأوسط الحساسة.
اشتباك دون رؤية
عند هذه النقطة يظهر التناقض الذي يلف العملية كلها. حجم الحشد العسكري الأميركي يتيح حملة قصف واسعة ومؤثرة، لكنه لا يوفر أدوات حرب طويلة. وهذه المفارقة ليست تفصيلاً عسكرياً، إنها ترقى لأن تكون مشكلة استراتيجية عميقة. فالحروب التي تبدأ بضربات خاطفة تحتاج لاحقاً إلى رؤية واضحة لمسارها السياسي، وإلى قدرة على إدارة تداعياتها لفترة قد تستمر لسنوات.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا لا يتعلق بقوة الضربة، وإنما بطبيعة الهدف. ما المقصود بتدمير البرنامج النووي الإيراني أو إنهاء البرنامج الصاروخي؟ منطقياً المنشآت قد تُقصف، المعدات قد تُدمر، غير أن المعرفة العلمية التي تراكمت خلال عقود لا تختفي تحت الأنقاض. لهذا فإنَّ أي عملية عسكرية قد تستطيع إبطاء البرنامج، لكنها لن تستطيع محوه من الذاكرة العلمية للدولة.
المعضلة الثانية التي تواجه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تتعلق بالشبكة الإقليمية التي بنتها طهران عبر سنوات طويلة. هذه الشبكة ليست مجرد امتداد عسكري، إنها منظومة سياسية وأيديولوجية مترابطة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن. وفكرة تفكيكها عبر القوة الجوية قد تبدو مهمة شبه مستحيلة، لأن وجود تلك الكيانات يرتبط بسياقات محلية معقدة في دول المنطقة، لهذا السبب بدأت إسرائيل عدوانها على لبنان مع رفع شعار نزع سلاح حزب الله.
لمعضلة الثانية التي تواجه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تتعلق بالشبكة الإقليمية التي بنتها طهران عبر سنوات طويلة. هذه الشبكة ليست مجرد امتداد عسكري، إنها منظومة سياسية وأيديولوجية مترابطة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن. وفكرة تفكيكها عبر القوة الجوية قد تبدو مهمة شبه مستحيلة، لأن وجود تلك الكيانات يرتبط بسياقات محلية معقدة في دول المنطقة، لهذا السبب بدأت إسرائيل عدوانها على لبنان مع رفع شعار نزع سلاح حزب الله.
وسط هذا المشهد يبرز رهان آخر لا يقل خطورة، دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيرانيين إلى انتزاع حريتهم بعد القصف، والرسائل التي بثتها الاستخبارات الإسرائيلية بالفارسية تحض على الانتفاض، وهذه الأفعال تكشف تصوراً يتجاوز الحرب التقليدية. فالفكرة الرئيسية التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب تعلَّقَت بداية بإحداث شرخ داخل المجتمع الإيراني تزامناً مع الضربات العسكرية، بحيث يتحول الضغط الخارجي إلى زلزال سياسي داخلي  يتمثل في فرضية الانتفاضة الداخلية. وهنا يمكن الإشارة إلى أن كثير من الاستراتيجيات الأميركية في العقود الماضية بُنيت على فكرة أن الضغط العسكري الخارجي قد يفتح الطريق أمام تغيير سياسي داخلي. وأمام هذا تقدّم التجارب التاريخية نتائج متباينة، غير أن درساً أساسياً يظل حاضراً: المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي تميل في كثير من الأحيان إلى التماسك حول الدولة، حتى عندما تكون علاقتها بها متوترة. وحتى في السيناريو الذي ينهار فيه النظام، لا تظهر صورة مستقبلية مستقرة. فإيران دولة كبيرة ومعقدة إثنياً وسياسياً، وسقوط السلطة المركزية قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية طويلة، أو يقود إلى صعود سلطة عسكرية أكثر صلابة تقودها مؤسسات الحرس الثوري.
العقل المراقب، عندما يقترب من هذا المشهد، يجد نفسه أمام مفارقة أخلاقية وسياسية في الوقت ذاته. فالقصف الأميركي الإسرائيلي لإيران يمثل اعتداءً واضحاً على دولة ذات سيادة، يحمل معه مخاطر هائلة على استقرار المنطقة، ويعيد إلى الواجهة فكرة تغيير الأنظمة بالقوة، وهي فكرة دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لها خلال العقدين الماضيين. وفي المقابل فإن الرد الإيراني الذي نقل المعركة إلى استهداف حواضر دول الخليج العربي يفتح باباً آخر من الإدانة الواضحة، لأن ضرب المدن والبنية التحتية في دول لم تبدأ الحرب يضع المنطقة أمام سلوك توسعي لا يقل خطورة عن الضربة الأولى.
من هذه الزاوية تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة جديدة يمكن تسميتها مرحلة “الاشتباك الشامل منخفض السيطرة”. فالقوى الكبرى تستطيع إشعال الحرب، لكنها لا تستطيع التحكم الكامل بمسارها بعد ذلك. كل ضربة تفتح سلسلة من التفاعلات المتداخلة التي تنتشر عبر الجغرافيا مثل موجة صادمة لا يُعرفُ مدى ارتدادها وفق قوانين الفيزياء.
خرائط محتملة للحرب
السيناريو الأول الذي قد يتشكل في السنوات القادمة هو ما يمكن تسميته “شرق أوسط الحروب الطويلة”. في هذا السيناريو لا تنتهي المواجهة بضربة حاسمة، وإنما تتحول إلى صراع ممتد عبر شبكات النفوذ الإقليمية. إيران قد تفقد جزءاً من بنيتها العسكرية المباشرة، لكنها تعوض ذلك بتوسيع نمط الحرب غير المباشرة. لتتحول المنطقة إلى مسرح ضغط دائم على خطوط الطاقة والتجارة العالمية. فيصبح الخليج نقطة تماس استراتيجية بين اقتصاد العالم والصراع السياسي. وفي هذه الحالة يغدو أمن الملاحة والطاقة القضية المركزية التي تحدد شكل التحالفات الدولية في المنطقة.
السيناريو الثاني يبدو أكثر تعقيداً، ويتمثل في شرق أوسط ما بعد إيران المركزية. إذا تعرضت الدولة الإيرانية لهزة كبيرة، سواء عبر إضعاف النظام أو عبر صراعات داخلية عرقية أو إثنية طويلة، فإن المنطقة ستواجه سؤالاً غير مسبوق: ماذا سيحدث عندما يختفي أحد أعمدة التوازن الإقليمي؟ فالمنطقة ككل تدرك أن إيران ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية. هي دولة ذات عمق حضاري وسكاني واقتصادي كبير. انهيارها لن يعني انتصاراً بسيطاً لخصومها، ما قد يفتح الباب أمام سلسلة من الصراعات داخلها وحولها. في هذه الحالة ستتوسع جغرافيا عدم استقرار، وقد تتحول جغرافيات عديدة إلى ساحات تنافس بين قوى إقليمية ودولية.
غير أن السيناريو الثالث ربما يكون الأكثر إثارة للاهتمام، وهو ما يمكن تسميته “إعادة تشكيل التوازن العربي”. فاستهداف دول الخليج العربي في هذه الحرب، وهو أمر يستحق إدانة واضحة لأنه يهدد استقرار دول لم تكن طرفاً في قرار الحرب ودعت مراراً وسعت إلى عدم وقوعها، قد يدفع دول العرب في الخليج إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي المشترك. فخلال العقود الماضية عاش النظام العربي حالة من التفكك الاستراتيجي، حيث تعاملت كل دولة مع تهديداتها بشكل منفرد. غير أن الحروب الكبرى غالباً ما تعيد تشكيل الوعي الأمني الجماعي. وضرب المدن الخليجية أو تهديد خطوط الطاقة قد يقود إلى لحظة إدراك حقيقية بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى مجزأً.
في هذا السياق لا بد أن نشهد قريباً ولادة بنية أمنية عربية أكثر وضوحاً، ليس بالضرورة على شكل تحالف عسكري تقليدي، ربما يكون على شكل منظومة تنسيق سياسي واقتصادي وأمني للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود. هذه الفكرة كانت مطروحة نظرياً منذ سنوات طويلة، غير أن الصدمات الكبرى وحدها قادرة على تحويل الأفكار النظرية إلى سياسات فعلية تعيد تموضع دول المنطقة بشكل أكثر فاعلية في النظام الدولي الجديد.
الحروب الإقليمية الكبرى غالباً ما تتحول إلى ساحات اختبار لهذه التحولات. غير أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود المنطقة. الاستنزاف العسكري الأميركي يثير أسئلة داخل واشنطن نفسها حول القدرة على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد. المخازن العسكرية التي تدعم أوكرانيا وتراقب التوتر في شرق آسيا تجد نفسها اليوم أمام جبهة إضافية معقدة.
الحقيقة الثابتة أن الحروب الكبرى نادراً ما تبقى داخل حدودها الأولى. التاريخ يبين أن الصراعات التي تبدأ في نقطة جغرافية محددة قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوى في أماكن بعيدة. وفي عواصم العالم يُقرأ هذا المشهد بدقة عالية ترصد استخدام الولايات المتحدة لمبدأ القوة خارج حدودها، لتثير أسئلة حول قانونية الفعل وفعل القانون دولياً.
داخل الولايات المتحدة يتصاعد الجدل حول القرار. استطلاعات الرأي تكشف رفضاً واسعاً للحرب بين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، بينما يرى عدد من الباحثين أن المغامرة العسكرية الحالية قد تكون أكبر مقامرة سياسية في مسيرة ترمب. في هذا المقام يتم استحضار المقارنة مع حرب العراق في النقاشات الأميركية. تلك الحرب بدأت بثقة استراتيجية عالية وانتهت بسنوات طويلة من الاستنزاف السياسي والعسكري. غير أن المشهد الحالي يحمل تعقيدات إضافية. إيران ليست العراق عام 2003، والشرق الأوسط اليوم أكثر تسلحاً وتشابكاً مع التوازنات الدولية. لهذا يبدو السؤال الحقيقي مختلفاً عن النقاشات اليومية حول الضربات والردود.
المسألة الأعمق تتعلق بعودة فكرة تغيير الأنظمة بالقوة إلى مركز السياسة الدولية. خلال العقدين الماضيين تراجعت هذه الفكرة تحت ضغط التجارب غير الناجحة في العراق وأفغانستان. عودتها اليوم تعني أن النظام الدولي يدخل مرحلة أكثر خشونة، حيث تتقدم القوة العسكرية مرة أخرى على حساب الترتيبات الدبلوماسية. عند هذه النقطة يصبح المشهد أكثر وضوحاً للقارئ العارف بتاريخ المنطقة. الشرق الأوسط يقف أمام لحظة انتقالية، قد تعيد تعريف قواعد الصراع فيه لسنوات طويلة. الحروب غالباً ما تبدأ بضربة مفاجئة، لكنها لا تنتهي عند اللحظة التي تتوقف فيها الطائرات عن القصف. ما يحدد معناها الحقيقي هو ما يحدث بعد ذلك: شكل السلطة التي تبقى، والفراغات التي تنشأ، والقوى التي تتقدم لملء هذا الفراغ. في هذه اللحظة بالذات يبدو أن الجميع يعرف كيف بدأت الحرب. القليل فقط يعرف إلى أين يمكن أن تقود.
وسط كل هذه السيناريوهات يظل العامل الأكثر حساسية هو المجتمعات نفسها. الشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل عشرين عاماً. وأي حرب طويلة قد تخلق موجات جديدة من التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المنطقة. والحروب الكبرى نادراً ما تنتج منتصرين صافين. غالباً ما تترك وراءها خرائط جديدة، وتحالفات مختلفة، ووعياً سياسياً أكثر قسوة لدى الشعوب التي تعيشها. وبالتالي فإن الشرق الأوسط يقف اليوم عند واحدة من تلك اللحظات التي يعاد فيها تعريف معنى القوة ومعنى الأمن ومعنى الدولة. فالاشتباك أو الضربات العسكرية قد تحدد بداية القصة، لكن شكل المنطقة الذي سيظهر بعد صمت الرصاص والصواريخ هو الذي سيحدد معناها الحقيقي.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى