(جورة الهمّ) للكاتب محمد أمير ناشر النعم: سورية زمن آل الأسد من العتبة إلى الحضيض.!!

عبدالرحيم خليفة

كتاب (جورة الهم- سورية في زمن الأسد)، الصادر في تموز/ يوليو 2024 عن “مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” للكاتب (محمد أمير ناشر النعم) أراده مؤلفه مختلفاً عن المعتاد في تبويب الكتب، فانسجاماً مع العنوان يتألف الكتاب من “العتبة” و”خمس دركات”، نهبط فيها دركة بعد أخرى إلى أن نصل إلى “الدركة الأخيرة”.
بين “العتبة” و”الحضيض” أي البداية والنهاية، يتداخل لدى الكاتب الذاتي بالموضوعي في حبكة مشوقة تظهر قدرته على توظيف مخزونه الثقافي والمعرفي في مجالات الأدب العالمي والتاريخ والفكر السياسي، وبلغة جميلة سلسلة وجذابة.

الدركة الأولى: اللغة والديكتاتورية

ويتحدث فيها عن (جراحات اللسان الديكتاتوري) التي من الواضح فيها تشبعه بالثقافة الألمانية المناهضة للنازية، والتي أصَّلت لها، أي الثقافة الألمانية، وفككتها وحللتها بعمق شديد.
في (أخطر تدبير يهدد الإنسانية) ينتقد المؤلف (قصور دراساتنا التي تعنى بتاريخ استراتيجيات الثقافة السياسية وافتقارها إلى شغف الولوج إلى ساحات معرفية عديدة) وهنا تبرز أهمية المقاربات التي أجراها في سابقة غير مطروقة من غيره، تُكسب الكتاب، وتحديداً هذا القسم، أهمية خاصة.
وفي هذا الدرك يفصل الكاتب في (زمن المعلم) شارحاً بإسهاب (حول مفردة “المعلم” الأمنية والعسكرية)، بدءاً من أن الإطلالة عليها ك(فذلكة تاريخية) إلى معناها (عسكرياً وأمنياً)، و(بوصفها التفافاً) وانتهاءً بمعناها (الميتافزيقي).
ينتهي الدرك الأول ب (دراما المصادفات اللغوية) الذي يتحدث به عن(جناس) أو (بديع) ويعود بنا في هذا القسم إلى التاريخ وبراعة الشعراء في هذا الشأن ليقول لنا إن (اللغة في يد الأسد تجرح).!

الدركة الثانية: (وجوه في زمن المجزرة)

وفيها يسرد لنا قصصاً ذات معان، ودلالات مهمة، ففي هذه الدركة نقرأ مثلاً عن (لحن ماثوركا على ميتينِ: قاسم سليماني وأبي بكر البغدادي) وهنا يتضح جانب آخر من ثقافة المؤلف الغنية والمتعددة الجوانب فهو يحدثنا عن لحن ماثوركا الخاص الذي لا يعزف (إلا في لحظات دقيقة معينة، وجليلة جداً) و”لحن ماثوركا على ميتين” هو بالأصل عنوان رواية للإسباني كاميلو خوسيه ثيلا الحائز على جائزة نوبل 1983، والاستعارة هنا لقاسم سليماني وأبي بكر البغدادي بالغة الدلالة، وشديدة الذكاء، حيث ينهيه بمقتطف من الرواية: “هنالك قتيل آخر … جميعاً ننتظر خبر قتله”.!
ثم ننتقل إلى (مي سكاف: سلام عليك في الثائرين) التي يأتي نصها بوصفها نصًّا رثائيًا– احتفائيًا، يرفعها إلى مرتبة الرمز، ويتجلّى أسلوب الكاتب في هذه المرثية بلغة عالية النبرة لكنها غير خطابية، والرثاء موجَّه لمي سكاف بوصفها فردًا، لكنه يتجاوزها ليخاطب معنى الثورة ذاته، وهنا يتبدّى أسلوبه القائم على تحويل الفقد إلى معنى.
أيضاً في هذه الدركة نقرأ عن (قديستنا العلوية) وال(مخبر مبتدئ) فيظهر الكاتب مقدرات كبيرة على السخرية والاستهزاء بمحاوره، المخبر الصغير وهو مرتدٍ الجبة والعمامة في المرحلة الثانوية، إلى الدرجة التي ظن لوهلة أنه سمع المخبر، في ما يثير الضحك، قبل أن يستدير ويقفل عائداً، يلعن المشايخ ومن يمشي معهم. وآخر الدرجات عن الراحل الجليل(جودت سعيد: صورة الشيخ في شبابه) وهو أطول عناوين الكتاب الفرعية في الدركات الخمسة التي يتألف منها، ويحكي فيها تاريخ الشيخ الجليل منذ نشأته وصباه وحتى رحيله، وهو الذي يعتبر رائد فكرة اللاعنف، والمقاومة السلمية، الذي لم ينل ما يستحق من(الاعتراف الإيجابي) في حياته، كما لم يحظَ بهذا الاعتراف يوم موته.!!

الدركة الثالثة: (التحديق في الهاوية)

ويبدأها باسترجاع ذكرياته(عندما كنت رفيقاً طليعياً)وينقلنا إلى (المسيرات الخالدة في ظل قائد المسيرة) ومن ثم يحكي لنا عن(الأبديون الصغار والأبدي الأكبر) فتماشياً مع (إلى الأبد… يا حافظ الأسد) يذكرنا بأبديين صغار: مصطفى طلاس، محمود الزعبي، أحمد أبو موسى، وغيرهما، ليقول: إنه في ظل نظام الأسد (الإهانة: علمٌ وفنٌ وأخلاق) وعلى هذا المنوال يمضي بنا حتى نهاية هذا الدرك الذي ختمه ب(طرائف اشتراكية في يوم عيد العمال العالمي).

الدركة الرابعة: (لْأوَاءْ المؤيِدين)

يحكي في أحد أقسامه الجميلة عن (الروائي لوكليزيو والرقيب السوري) وتحديداً عن رواية”نجمة تائهة” للروائي الفرنسي الشهير حيث الرقابة والمنع، حين كان يعمل ناشراً، وفي (آه منا معشر المؤيدين) يسقط قصة المبدع الساخر التركي عزيز نيسن التي تحمل العنوان ذاته ليقول: (ولو مد الله في عمر الحمار الراوي إلى اليوم، وكان شاهداً على العصر السوري لقال أيضاً: آه منكم معشر المؤيدين)!!
ويختم هذا الدرك بالحديث ناقداً وساخراً من (الحزب السوري القومي الاجتماعي… من النازية إلى الأسدية) وبالمقارنة والقول (أساقفة نيكارغوا وأساقفة سورية… ليسوا سواءً) فأولئك دعوا الناس للنزول إلى الشوارع رداً على قمع السلطة لوقف القمع والعنف وهؤلاء يعتبرون الأسد” ضحية تشهير مغرض”.
أخيراً في هذا الدرك يكتب عن (الديكتاتورية والشعور بالمسؤولية الفردية) ويعود للحديث عن ألمانيا، وعن النازية، وصولاً إلى الحالة السورية والانقسام بين” الأحرار العقلاء أصحاب الضمير” وبين” أبناء السلطة الأسدية وعبيدها”.

الدركة الخامسة: الثورة والمنفى والشتات

هذه الدركة تنال القسم الأكبر من صفحات الكتاب، وعناوينه الفرعية التي تتوزع على عشرة.
يطوف الكاتب بنا في هذا الدرك ليأخذنا إلى عوالم مدهشة، كأننا في عالم رواية ساحرة من عوالم اللامعقول في(لونغا سورية من مقام الحزن وإيقاع الهلاك) ولنعيش معه في أجواء من الحزن في(لا متعة في المنفى)وربما بكائية في (البورتريه الأخير للمعارضة السورية الأبية) وعناوين أخرى جميلة ذات إسقاطات ومعانٍ لا تخفى على القارئ الحصيف.

الكتاب الذي يقع في 219 صفحة من القطع الكبير، أهداه مؤلفه (إلى سورية… كنانة حبات قلبي) ليكون إحدى الشهادات المهمة على زمن مضى.

المصدر: العين السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى