
في البدء ما هو معنى ودلالات مفهوم ” النظام العالمي ” .
يمكن النظر لمفهوم النظام العالمي من زاوية تاريخية من خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى , ويجد ذلك المفهوم إسقاطه السياسي في تشكيل عصبة الأمم وميثاقها عام 1920 بناء على نتائج مؤتمر باريس للسلام و بعد توقيع عدد من المعاهدات الدولية التي كانت الأساس والتمهيد لذلك التشكيل . وأبرز تلك المعاهدات معاهدة فرساي 1919 بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وأهمهم فرنسا وبريطانيا وايطاليا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة والمهزومين وهم المانيا والنمسا والدولة العثمانية وبلغاريا من جهة أخرى .
كان الهدف الرئيسي لإنشاء عصبة الأمم هو إضفاء إطار قانوني على النتائج العسكرية والسياسية التي أسفرت عنها الحرب وتثبيتها ومنع نشوء حرب عالمية أخرى بتشكيل مايشبه حكومة عالمية قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة لأي دولة حين ترى أن أفعال تلك الدولة تهدد السلام العالمي أي تهدد الاطار القانوني الذي توافقت عليه الدول المنتصرة .
والهدف الآخر غير المعلن كان إعادة توزيع غنائم الحرب بين المنتصرين على حساب المهزومين بالنسبة للمستعمرات وأيضا للأراضي المقتطعة من الدول المهزومة .
لقد منحت عصبة الأمم ليس فقط الأداة التنفيذية لهيمنة المنتصرين العالمية ودوام تلك الهيمنة , ولكن أيضا الفرصة لجعل تلك الهيمنة نظاما عالميا مقننا ومعترفا به باعتباره قانون الأمم المتحضرة الذي يجب أن تخضع له كل الشعوب .
أبرز بنود ميثاق عصبة الأمم
تضمن ميثاق العصبة 26 مادة رسمت ملامح العلاقات الدولية الجديدة حينها، وتركزت أبرز بنودها حول:
1. منع الحروب وفض النزاعات سلمياً
التعهد بعدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات إلا بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية، مثل التحكيم الدولي أو الوساطة من قبل مجلس العصبة.
2. الأمن الجماعي (المادة 10)
تعتبر هذه المادة “قلب الميثاق”، حيث تنص على أن يتعهد أعضاء العصبة باحترام سلامة أراضي جميع الأعضاء واستقلالهم السياسي، ومقاومة أي عدوان خارجي يقع على أي دولة عضو.
وهنا يبرز لأول مرة مفهوم الدولة الوطنية المقترن بمفهوم السيادة الوطنية ” احترام حدود الدول ”
3. نزع السلاح (المادة الثامنة)
الاعتراف بأن الحفاظ على السلام يتطلب تخفيض التسلح الوطني إلى أدنى حد يتفق مع السلامة الوطنية، والعمل على الحد من التصنيع الخاص للأسلحة.
4. فرض العقوبات (المادة 16)
في حال لجأت دولة عضو إلى الحرب في مخالفة للميثاق، تُعتبر قد ارتكبت عملاً عدوانياً ضد جميع الأعضاء الآخرين، مما يستوجب قطع العلاقات الاقتصادية والمالية معها (عقوبات اقتصادية).
5. نظام الانتداب (المادة 22)
وضع الأراضي التي انتُزعت من الدول المنهزمة في الحرب (مثل الدولة العثمانية وألمانيا) تحت إشراف دول متقدمة (باسم العصبة) لمساعدة هذه الشعوب على إدارة شؤونها حتى تصبح قادرة على الاستقلال.
هذا البند تحول لغطاء قانوني دولي للاستعمار كما حدث بالنسبة لسورية مع ذلك لم يتم احترامه بمفهومه كما جاء مفصلا في وثائق العصبة . فوفقا لمفهوم الانتداب ينبغي أخذ موافقة الشعب المنتدب عليه حول الدولة التي تنتدبها عصبة الأمم مما لم يحدث قط بالنسبة لسورية .
ملاحظة تاريخية: بغض النظر عن أهدافها عانت العصبة من ضعف جوهري لعدة أسباب، أهمها عدم انضمام الولايات المتحدة إليها (رغم أنها صاحبة الفكرة) وغياب القوة العسكرية الخاصة بها لتنفيذ قراراتها.
باختصار فقد افتقر النظام العالمي في نشأته الأولى للقدرة على الالزام وفرض الانصياع لقراراته , لذا بقي الباب مفتوحا أمام ألمانيا لتعيد بناء قوتها العسكرية على مرأى ومسمع الدول الكبرى بصورة مخالفة لاتفاقية فرساي بل لقد تلقت بعض المساعدات والقروض من بعض دول التحالف والشركات الرأسمالية في بناء اقتصادها الذي كان يتوجه بطريقة منسقة ومموهة ليصبح اقتصاد حرب بدعم الصناعات العسكرية .
كما أن ذلك النظام العالمي فشل تماما في الحد من الشهية الاستعمارية للدول الكبرى وترشيد تلك الشهية التي شهد النصف الأول من القرن العشرين أوسع انتشار لها في افريقيا وآسيا على وجه الخصوص .
ذلك هو مفهوم ” النظام العالمي ” في نشأته الأولى , وقد بقي ذلك المفهوم سائدا مع ماحمله من معاهدات حتى الحرب العالمية الثانية.
يتبع –






