مراسيم “بيع غزّة”

لميس أندوني

وجدتُني وأنا أشاهد أول اجتماع لمجلس الرئيس دونالد ترامب، أو ما يسمّى “مجلس السلام”، أتذكّر كلمات خطبة سياتل لزعيم قبيلة دواميش، المعروفة بـ”خطبة الهندي الأحمر”، يوم أجبره الرجل الاستعماري الأبيض على تسليم بلاده. … كانت خطبة إنسان “مجروح الروح” يسلّم أرضه لينقذ ما تبقى من حرب إبادةٍ هدّدت بفناء كل سكان أميركا الأصليين في عام 1854. لم تكن الخطبة الموجعة تتكلم عن الحق، بل عن تأكيد وجود سكّان الأرض الأصليين، حتى لو أجبروا على الاستسلام. فقد قال: “زعيم واشنطن الكبير” يقول لي إنه يريد أن يشتري بلادنا، ويقول إنه صديقي ويحمل لي مودة عميقة. … ما ألطف زعيم واشنطن، ولا سيما أنه في غنىً عني وعن صداقتي، لكننا سننظر في ما يعرضه زعيم واشنطن الكبير، فنحن نعرف أننا إذا لم نبعه بلادنا فسوف يجيئنا الرجل الأبيض مدجّجاً بسلاحه وينتزعها”.
تذكّرت الخطبة بأسىً وأنا أشاهد تجمّع تجار حروبٍ من مسؤولين أميركيين وأوروبيين سابقين بقيادة إمبراطور العالم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اجتماع ما يدعى زوراً “مجلس السلام”. لكن المشهد الأكثر إيلاماً كان حين تحدث رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزّة، علي شعث، فالخضوع والذل في خطاب الخبير التنموي كان صعب التحمل؛ وكانت مناداته الرئيس ترامب بـ”سيد السلام”، وهو من موّل وساهم في حرب الإبادة على أهل غزّة، أمراً صادماً.
ليست المقالة هنا في وارد مهاجمة علي شعث أو المزايدة على وطنيّته، ولم نكن نتوقع خطاباً سياسياً مقاوماً، ونفهم أنه رئيس لجنة تكنوقراط. ولكن أن يشعر، وأنا متأكدة أن هناك آخرين مثله، أن هذا هو الخطاب الذي سيخلّص غزّة، يعني أننا وصلنا إلى مرحلة استعباد رسمية.
كنت أتمنى لو قرأ شعث خطبة سياتل، وأعرف أنه ليس بوضع يمكّنه من حتى التفكير بلهجة التحدي، ولكن على الأقل كان يمكنه أن ينتقد عرقلة الاحتلال لعملية التنمية وإعادة الإعمار. ولكن يبدو أن الرجل لم يعد يشعر أن باستطاعته التفكير أو الحديث بكونه واحداً من أصحاب الأرض، وهي ليست مشروعاً عقارياً، بل جزء من وطنٍ لا يُباع.
مناداة ترامب بـ”سيد السلام”، وهو من موّل وساهم في حرب الإبادة على أهل غزّة، أمر صادم
أشرتُ في مقال في “العربي الجديد” (8/2/2026) إلى أن الحقائق تدل على أن دور اللجنة هو ما يسمح به مجلس “السلام” ليس إلا، وحين أتحدّث عن المجلس المذكور، أعني ترامب ومجموعة محدّدة من أعضائه من صهاينة معلنين ومن تجار عقارات مثل صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وتاجر الحرب الدائم رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، ومن هم على شاكلتهم، فهم أصحاب القرار.
وحذّرت، بناءً على معطيات ومعلومات، من أن أخطر مهمة للّجنة ليس في ما قد تقوم به، بل بعزلها عن كل الجسم الفلسطيني. لكن علي شعث حتى لو عن غير قصد كان يخاطبهم وكأنهم “الأسياد” الذين علينا نيل رضاهم. لا أريد تحميله أكثر من طاقته، لكن كلماته مؤشّر على أن كل ما نخشاه من تبعية اللجنة “للمتنفذين الحقيقيين” في مجلس ترامب، وأنها ستكون نموذجاً للجانٍ تدير أجزاءً ممزقة من الضفة الغربية، خطوة لإكمال تفتيت الشعب الفلسطيني وقطع الطريق على استعادة وحدته ووحدة تمثيله الوطني.
هل يعي السيد شعث هذه الأبعاد؟ والسؤال موجّه أيضاً إلى كل أعضاء اللجنة؟ ففصل اللجنة عن محيطها الفلسطيني يبدأ بتبنّي خطاب يتعامل مع المجلس كالممثل البديل، أي يكون مصير غزّة، وبالتالي الشعب الفلسطيني، رهناً بإرادة مشاريع عقارية ربحية متحالفة مع الاحتلال والمشروع الاستيطاني الصهيوني، وبالتالي، شريكة في عملية التطهير العرقي في قطاع غزّة والضفة الغربية معاً.
الخلل الأساسي ليس في خطاب الخنوع، بل أيضاً بغياب المشروع الوطني الفلسطيني، وبغياب التمثيل الوطني الموحد للفلسطينيين
لا تُلقى مسؤولية مواجهة هذا التحدّي على لجنة إدارة غزّة ورئيسها، لكنها بداية مقلقة وخطاب خنوع سيشجع ترامب على مزيد من الاستهتار؛ فوجه ترامب أضاء بنشوة مريضة حين لقّبه علي شعث بـ”سيد السلام”. فهو أراد الاستحواذ على قطاع غزّة، إذ اعتبره “قطعة عقار جميلة”، بعد أن لفت نظر صهره الجشع جاريد كوشنر إلى جمال ساحل غزّة بعد أشهر من بدء الحرب (7/11/2024). وبالنسبة إلى ترامب، كلمة لجنة غزّة على لسان أحد أبنائها تسليم بملكية القطاع له.
لا أريد تحميل لجنة غزّة عبء مواجهة المشروع الأميركي الترامبي، ولكنها يجب أن تتحمل مسؤولية أقوالها وموقفها، فهي ليست مجرّد لجنة تقنية في شركة، والمطلوب إسرائيلياً وأميركياً تحويلها إلى أداة لتحوّل غزّة إلى مشروع عقاري استعماري، لا يكون لحقوق أهل غزّة متسع فيه.
وضع اللجنة صعب جداً، وإن كان خطاب الخنوع مداناً، لكن الخلل الأساسي ليس في خطاب الخنوع، بل أيضاً بغياب المشروع الوطني الفلسطيني، وبغياب التمثيل الوطني الموحد للفلسطينيين، وإن كان لا يعفي ذلك اللجنة أو أي جسم فلسطيني أو أي شخص يقوم بأي دور في هذه المرحلة من مسؤوليته، فالهزيمة لا تتحقّق بالهزيمة العسكرية، بل بهزيمة النفوس.
غزّة جزء من فلسطين، وما تحمّله وما يتحمّله أهل غزّة امتحان لالتزامنا بالقضية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني
تتحمل السلطة الفلسطينية، التي أُقصيَت عن أي تحرك أو علاقة باللجنة، المسؤولية الرئيسية، فهي تتحمّل مسؤولية سياستها التي راهنت على رضا أميركا وإسرائيل. ونستطيع الحديث عن مسؤولية حركة حماس، بإطلاق عملية طوفان الأقصى، التي دلت على شجاعة في زمن الاستسلام، لكنها أيضاً دلت على قصر نظر شديد؛ أعطى فرصة لأميركا وإسرائيل بالانقضاض على الشعب الفلسطيني. ولكننا حالياً في مرحلةٍ لا تتحمل الخلافات والمناكفات، بل الوعي بأن إسرائيل لا تريد أي أحد، لا السلطة الفلسطينية ولا “حماس” ولا أي جسم فلسطيني. ولجنة إدارة غزّة التي وافقت عليها فصائل منظمة التحرير أول اختبار لمحاولة توظيف مثل هذه اللجان، التي تفتقد الصفة التمثيلية الوطنية، للسيطرة على من يبقى من الشعب الفلسطيني في حال نجاح خطط التهجير وعمليات التطهير العرقي في غزّة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. فخطّة إسرائيل القديمة المتجدّدة بدعم إدارات حكم محلية من أعضاء عشائر رئيسية في فلسطين، وهي لا تُستكمَل دون لجان تكنوقراط تحلّ بديلاً للبلديات والمحافظات في الضفة وغزّة، فقريباً ستجد اللجنة نفسها أمام من تقبل به أميركا وإسرائيل أن يتحكم بها “يحكمها” من مليشيات متعاونة مع الاحتلال ومجالس عشائر تحمل صفة تمثيلية مناطقية عائلية، لأن الأساس تمزيق المجتمع الفلسطيني في شرط للقضاء على الهوية الفلسطينية. وإذا لم تعِ لجنة غزّة هذا المخطط، والأخطر أن تقبل بعزلها عن أي إطار مؤسسي وطني فلسطيني، ستجد نفسها أداة لا أكثر، إضافة إلى أن قبولها بعدم التواصل مع المؤسّسات الوطنية الفلسطينية يشكل خطراً عليها، فهي، كباقي الشعب الفلسطيني، مستهدفة أفراداً وهيئة.
نؤكد القول إن إعادة إحياء المشروع الوطني التحرري هو ببناء منظمة التحرير الفلسطينية. لكن المهمّة الملحّة الآن هي في الحفاظ على واحدية القضية ورفض تجزئتها، بحيث تكون قضية وطنية جامعة، فغزّة جزء من فلسطين، وما تحمّله وما يتحمّله أهل غزّة امتحان لالتزامنا بالقضية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني.
عليَّ أن أوجه النقد لرئيس لجنة إدارة غزّة؛ سيد واشنطن الكبير لا يملكنا، وغزّة ليست عقاراً أو كما قال زعيم قبيلة دواميش للسيد الكبير: “كيف نستطيع أن نبيع أو نشتري السماء، ودفء الأرض؟ ما أغرب هذه الأفكار!”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى