ترامب ومادورو ونحن

لميس أندوني

لم يعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أول أيام عام 2026 خطفه الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وإنما كان إعلانَ خطفِه العالم، بما فيه من دول وشعوب وثروات. والأهم أن ردّة فعل العالم، مع بعض الاستثناء، هي عملياً خضوع جزئي أو كلي لمرحلة جديدة من القرصنة الاستعمارية العلنية المسجلة بالصوت والصورة في استعراضٍ غير مسبوق للبطش والنهب الأميركي لثروات الشعوب.
شاهدنا لحظة ولوجنا إلى نفق مظلم، وإن كان بدأ فعلياً بحرب الإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، بدعم وتسليح وتمويل من الولايات المتحدة، فالصمت على جرائم الحليف الإسرائيلي، وخضوع العرب لخطّة ترامب وبقرار مجلس الأمن بتوفير غطاء قانوني لاحتلال أميركي إسرائيلي لقطاع غزّة، كانت خطوات باتجاه تدشين شكلٍ جديد من الاستعمار الأميركي للعالم خاصة الدول الأضعف، وإن كان العالم قد تصرف وكأن ما حدث ويحدث في فلسطين لا تأثير له على كل من له علاقة مباشرة بفلسطين.
ولكن، يجب التأكيد أن عهد ترامب لا يشكل قطيعة مع السياسات الأميركية السابقة، وإنما هو استمرارٌ وتطورٌ أكثر وحشية وعلانية. لذلك لا نرى معارضة حقيقية من المؤسّسة الأميركية، فاعتراض الحزب الديمقراطي ليس على التدخل غير القانوني في فنزويلا ولا على سرقة نفطها، وإنما على عدم استشارة الكونغرس قبل بدء حربٍ على بلد آخر؛ أي إنها ليست مرحلة ترامبية تماماً، وإنما وصل الطموح الأميركي ببسط هيمنة واشنطن على العالم إلى مرحلة تشترط التوسّع الجغرافي وضم أراضٍ وتتطلب العلانية والاستعراض لترهب العالم، وإثبات أن لا قوة عظمى غير الولايات المتحدة على الكوكب. فترامب ينفذ السياسات الاستعمارية الأميركية من دون وجل أو خجل، لكنها تكملة للسياسات الأميركية التي وضعت القوة فوق اعتبارات حقوق الإنسان والقانون الدولي والسلام والعدالة في كل المراحل، وهو ليس بعيداً عن سياسات القوة الأوروبية الكولونيالية القديمة إلا بالتقدّم التكنولوجي المبهر، إذ يحوي الجوهر العنصري المتوحش نفسه.
عهد ترامب لا يشكل قطيعة مع السياسات الأميركية السابقة، وإنما هو استمرارٌ وتطورٌ أكثر وحشية وعلانية
ولكن المؤسسة الأميركية يبدو أنها وصلت إلى استنتاج أن قلع أقنعتها الحضارية بات ضرورياً، خصوصاً أن لجوء الشعوب والقوى الفاعلة إلى المحاكم الدولية والأمم المتحدة أصبح غاية في الإزعاج لواشنطن، وتعتبره تحريضاً على عصيانها، لذا آن الآوان لفرض القوة الخاصة النقية من شوائب التظاهر الحضاري، وترامب مِن أفضل مَن يعبّر عن الوقاحة في ازدراء البشرية.
لن أستغرق في التفاصيل، فكلنا يعلم عن النهب الأوروبي لقارّة أفريقيا بالذات، أما الانقلابات واغتيال القادة التحرّريين الملتزمين بسيادة بلادهم، فكان تخصص القوى الكولونيالية الأوروبية التي رفضت تحرّر أفريقيا، ففي1961 اغتيل الرئيس الكونغولي باتريس لومومبا وبعده في 1962 رئيس غانا كوامي نكروما، وهما من القيادات التي قادت تحرّر بلادهم وأفريقيا من الاستعمار الأوروبي، ولدى أميركا سجل حافل بالاغتيالات، فمن تدبير انقلاب ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953 وبعده اغتيال رئيس تشيلي المنتخب سلفادور الليندي، في مؤامرة أميركية فرضت الطغمة العسكرية بعد تدبير انقلاب بقيادة الجنرال أوغيستو بينوشيه عام 1973، الذي أغرق سنتياغو بدماء المعارضين والفنانين والشعراء، ليُسكت أي صوت معارض له ولأميركا.
لا تختلف عملية خطف الرئيس نيكولاس مادورو عن سابقاتها من إطاحة أنظمة لا تعجب أميركا، فغزو العراق عام 2003 لم يكن لإعادة بناء دولة فيها ونشر الديمقراطية، كما كان يُروَّج، وإنما لتدمير أسس الدولة العراقية والسيطرة على حقول النفط. الفرق أن ترامب لجأ إلى كذبة ومحاكمة هزلية لمادورو بتهمة تهريب المخدّرات إلى أميركا والتبجّح بأن مادورو دكتاتور وجب خلعه، لكنه سرعان ما كشف نيته الحقيقية، وهي الاستيلاء على النفط، بل قالها بافتخار واعتزاز، حتى إنه صرّح أن عدوانه على فنزويلا يختلف عن غزو العراق بأن أميركا لم تحتفظ بحقول النفط طويلاً، فيما هدفه الاحتفاظ بالنفط، ليس لحاجتها إليه، وإنما لإحكام سيطرتها على العالم.
هنا يجب عدم ترديد الحجة التي يسوقها الإعلام الغربي، وإن كان ضمنيّاً، أنه كان ضرورياً خلع مادورو لأنه دكتاتور؛ فترامب نفسه دكتاتور لا يحترم دستور بلاده ويتبجح بأنه لا يأبه بالقانون الدولي، بل مرجعيته الوحيدة “أخلاقه”، وهو الذي يرسل قوات خاصة لتحتل وتختطف، وهو الذي يحمي إسرائيل، وهو الذي يدعم بكل سخاء دكتاتور السلفادور الفلسطيني الأصل نجيب بوكيلة الذي يفتخر بأنه يستقبل من يطردهم ترامب من مهاجرين لاتينيين في معتقلاته البالغة القسوة في الظروف والتعذيب، فهذا كله مقبول لترامب والمؤسّسة الأميركية مدعية الديمقراطية.
الاعتداء على فنزويلا كان رسالة إلى الجميع، يجب أن يعي أبعادها كل من وثق بترامب أو ظن أنه ملتزم بإقامة دولة فلسطينية
لا يعني ذلك عدم نقاش عهد مادورو الذي بدأ رئيساً منتخباً، وأخذه حب السلطة إلى ممارسة القمع وتبديد مقدّرات البلاد، لكن ليس في إطار العدوان الأميركي على فنزويلا. وأنا أؤمن بشدة، وأذكر هذا في مقالاتي، بأن الحريات والعدالة وضمان حقوق المواطنة أساس قوة المجتمع وحمايته من التدخّل الخارجي، لكن هذا لا يعني أن أميركا تتردّد في اغتيال أو تنظيم انقلابات ضد زعماء منتخبين لا يمكن اعتبارهم قمعيين، مثل مصدق ولومومبا ونكروما والليندي.
كما أن “ديمقراطية” الدنمارك لم تمنع ترامب من تهديد هذا البلد بتسليمه “ملكية غرينلاند”، وكأنها سلعةٌ يحقّ له سرقتها وكأن غرينلاند بلا سكان. أوروبا لم تصدم من اعتداء أميركا على فنزويلا، لكن تهديدات ترامب صدمتها، لأن هذا، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا يحدُث إلا لشعوب الجنوب وللسكان الأصليين في أميركا وأستراليا ونيوزيلندا وفلسطين.
أما مسألة روسيا وأوكرانيا فشيء مختلف، لأن الدول الأوروبية لم تكن تعتقد أن “الأب الأميركي” سيتعامل معها مثل تعامله مع باقي الشعوب، كالفلسطينيين أو العراقيين، فهي كانت تعتقد أن “العِرق الأبيض” يحميها من التهديد الأميركي لأراضيها.
الاعتداء على فنزويلا كان رسالة إلى الجميع، يجب أن يعي أبعادها كل من وثق بترامب أو ظن أنه ملتزم بإقامة دولة فلسطينية، ولو كانت هذه الدول منقوصةً وممسوخة، فحتى لو لم يعِد بذلك أيضاً، للأسف، تماهت معظم الدول العربية معه، خوفاً منه أو من منطلق وهم تعبيره عن محبّته بعض القادة، فكيف لأي أحدٍ تصديق غزل ترامب بأي زعيم أو رئيس عربي!
يجب عدم ترديد الحجة التي يسوقها الإعلام الغربي، وإن كان ضمنيّاً، أنه كان ضرورياً خلع مادورو لأنه دكتاتور
فهو لا يرى سوى المال والقوة. وليس هذا الكلام متشدّداً، ومن لم يفهم ما فعله ترامب في السابق ويفعله الآن، فقد يفهم بعد فوات الأوان، ولكن الحل ليس بالاستسلام والخضوع.
لعل دخول سورية في اتفاقية أمنية جزئية مع إسرائيل، الآن، يعني أن الحكومة السورية لم تفهم نيات ترامب، وأن هناك خوفاً من تخليه عن الرئيس السوري أحمد الشرع بعد خطف مادورو. ولكن النقد نفسه موجّه هنا إلى الجميع: أين الدول القريبة من العهد الجديد في سورية؟ فالتعاون الأمني تقويض للسيادة والأمن الوطنيين معاً، وهو من أخطر أشكال التطبيع، ولا يحتاج إلى معاهدة سلام واحتفالية. ولكن يبدو أن خطف مادورو أخاف حكّاماً كثيرين، والأسهل التضحية بالشعوب.
لا تعني المواجهة الجديدة المواجهة العسكرية، بل هي مرحلة التمسّك بالحقوق، فواشنطن ستحاول إرهاب الجميع للتنازل عن الحقوق، وقد يكون هذا ما نراه في سورية. نعم، لقد دخلنا في نفق مظلم وطويل، فتخلّينا عن أهل غزّة أوصل رسالة إلى واشنطن أن الساحة مفتوحة عندنا لاستباحة حقوق الشعوب.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى