الضفة الغربية مستقبل جنوبي لبنان وسورية

دلال البزري

القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية المصغّرة (الكابينت) قبل أيام جعلت من الضفة الغربية أرضاً إسرائيلية بـ”القانون”: ألغت القيود القانونية التي كانت تحمي الملكيات الفلسطينية من استيلاء المستوطنين عليها، وألغت حكم السلطة الفلسطينية في قطع صغيرة أصلاً، اسمها “ألف” و”باء”، في كل ما يخصّ الضمّ والتنظيم والهدم وإعادة البناء، وحوّلتها إلى الإدارة الإسرائيلية. منها السيطرة على سياسة المياه، وعلى الإجراءات كلّها الخاصّة بالمواقع الأثرية، وتلك الخاصّة بالبيئة، ونسفت بذلك بنود اتفاقات السلام (أوسلو) الهزيلة أصلاً، ووضعت السلطة الفلسطينية جانباً في الزاوية، وهي التي كانت تبيّض وجهها مع إسرائيل، وينعت رئيسها أعضاء حركة حماس بـ”أولاد الكلب”، لكي يسلموا سلاحهم، فوضعت اليد الإسرائيلية على كل التفاصيل، كبيرة وصغيرة، التي تخص حياة الفلسطينيين. ستُسهَّل وتُبسَّط أعمال الفلسطينيين بعد ذلك، وتكون “شرعية” كلّها. ستكون غزواتهم ضدّ الضفة مجرّد “صداع” تقرّر الدولة الإسرائيلية على أثره رسمياً ضمّ الضفة إليها، بعدما تكون قد نظّفتها من أهلها، قتلاً أو تهجيراً.
حسناً الآن. فكرة ضمّ الضفة إلى إسرائيل لا تعود إلى “طوفان الأقصى”، كما يدّعي كارهو “حماس”. هي قديمة، قِدَم الائتلاف اليميني المتطرّف الذي يقوده نتنياهو منذ أربع سنوات. وزراء من حكومته نادوا به، وفي مقدّمتهم الأكثر شهرة، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش، وشعارهما الأشهر: “الضفة جزء من أرض إسرائيل”. ذلك أن “الديمقراطية” واليسار الإسرائيليَّين بدآ بالتآكل. الاحتلال المباشر للأراضي الفلسطينية لم يكن ممكناً أن يتعايش مع أشكال الديمقراطية، ولو بحدودها الدنيا، ما سمح بظهور “الإصلاح القضائي” الخاص بنتنياهو والقاضي بإلغاء آخر قلاع الاستقلالية، أي القضاء؛ يتنازل هذا الأخير عن سلطته، وتتحوّل إسرائيل إلى استبداد صريح.
عشية “طوفان الأقصى”، كانت عسكرة السياسة، وسيادة المنطق الأمني، وإلغاء المعايير القانونية، والدعوة إلى العيش في القوانين الاستثنائية، و”الأولويات” الأمنية، وطبعاً نزع الإنسانية الكاملة من الفلسطينيين (“الفلسطينيون حيوانات”، قالها يوآف غالانت). هذا ما يفسّر أن لا معارضة إسرائيلية، لا حزبية ولا شعبية، تقف ضدّ قرار “الكابينت” أخيراً بضمّ الضفة عملياً لإسرائيل. وما يفسر أيضاً ذاك السكوت كلّه عن انفلات العنف الأشدّ ضدّ الضفة بعد “طوفان الأقصى”.
لغزّة مشاريع “ريفييرا”، وللضفة تصريحات استنكارية خجولة على الطريقة العربية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع
فبعد “7 أكتوبر” (2023)، صارت اقتحامات المستوطنين بيوت أهل الضفة وحقولهم وأحياءهم نشاطاً يومياً، وكذلك الاعتقالات والقتل البارد. فرضوا القيود على حركتهم، سرقوا مزروعاتهم أو أتلفوها، سرقوا ماشيتهم، دمّروا بيوتهم، هجّروا أهالي المخيّمات والبيوت، أقاموا الحواجز، محمَّلين بسلاحهم. فاعتقلوا، وأخفوا، وخطفوا، وطردوا… وكانت من نتائج هذه الهجمات، وبحسب إحصاءات أممية، 1054 قتيلاً من أهل الضفة، غالبيتهم شباب، و3200 جريح، و18,500 معتقل (العدد يضمّ أيضاً معتقلين من القدس الشرقية)، وتدمير نحو 2710 منازلَ، وإخلاء مخيّم جنين من سكّانه، ومخيّمَي نور شمس وبلاطة. وما يستتبع ذلك من تهجير طبعاً، ولا نعرف الآن أين يسكن أهالي تلك البيوت والمخيّمات الذين لم يُقتلوا. هل هم في الشارع؟ أم في طريقهم إلى مهجر ما؟ أم مختبئون عند أقارب؟
الخراب الذي حلّ بالضفة وأهلها لم ينل قسطه من الاهتمام. بالمقارنة مع غزّة، كان الخراب فيها “تدريجياً”، موزّعاً جغرافياً، وإن كان حجمه مرتفعاً، فطغت غزّة على الضفة.
وماذا عن “أكثر الجيوش أخلاقية في العالم”؟ الجيش الإسرائيلي الذي كان يدوِّن ويبرّئ ويحاسب الإخلال بقوانينه “الإنسانية” تجاه الفلسطينيين؟ حتى هذه الكذبة لم يعد لها أي دليل حياة. المستوطنون يعربدون، والجيش الإسرائيلي لا ينذر، لا ينبّه، لا يتدخّل. وإذا تدخّل، فيكون لقتل الفلسطينيين، أو لاعتقالهم، أو لتنفيذ إخطارات هدم ببيوتهم. الجيش كان يعتزّ بتميّزه عن المستوطنين، والآن صار جزءاً منهم. الموضوع يستحقّ التوقّف، وربّما يعود أصل هذا “التطوّر” إلى تحوّل “الديمقراطية” الإسرائيلية نفسها.
كان الجيش الإسرائيلي يعتزّ بتميّزه عن المستوطنين، والآن صار جزءاً منهم
ردّات الفعل العربية والإسلامية على قرار “الكابينت” الإسرائيلي الضمني ضمّ الضفة إلى إسرائيل لا تستحقّ الإشارة، ورخاوتها وسطحيتها واقتصارها على اللسانيات، هي من أسباب قوة القرار الإسرائيلي. إلا “رئيس مجلس السلام لغزّة”، دونالد ترامب، والنقاط العشرين من مشروعه للسلام، الذي لم يلحظ لا القدس الشرقية ولا الضفة في مشروعه. ترامب اختار الفصل بين غزّة والضفة. لغزّة مشاريع “ريفييرا”، وللضفة تصريحات استنكارية خجولة على الطريقة العربية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولكنّ النتيجة أن مشروعه لـ”السلام الخالد” في غزّة هو فصلها عن الضفة، وترك الضفة في الفراغ (بخصوص القدس الشرقية، الموضوع محلول بالنسبة له منذ عام 2017 عندما أعلن القدس كلّها عاصمة موحّدة لإسرائيل).
منذ احتلت إسرائيل الجزء اللبناني من جبل الشيخ، والنقاط الخمسة على تلال قراه الحدودية، وامتدّت نيرانها إلى العمق الجنوبي، صرنا نشهد تكراراً لعمليات ذات نيات استيطانية، ألفتها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967. وهذه الأعمال كثرت إلى حدّ أنها باتت تحتاج من يرصدها يومياً. جديدها أخيراً حصل قبل أيام، عندما بادرت جماعة من حركة أروى تسافون، مؤلّفة من 20 شخصاً، إلى عبور السياج الحدودي في منطقة يارون، بحجّة القيام بأعمال تشجير. ولسان هذه الجماعة يقول إن من الضروري استئناف الاستيطان اليهودي في لبنان. طبعاً الجيش الإسرائيلي أدان هذه العملية “بشدّة”، كما كان يفعل في بداية احتلال الضفة عام 1967، وأعاد أولئك المستوطنون إلى الداخل، لأن هذه العملية “تُعرّض قوات الجيش الإسرائيلي للخطر”. وهذه عملية تأتي في سياق نشاط استيطاني شبه منظَّم، يسمح به الجيش الإسرائيلي، أو يؤطّره. معظم رواده من المتدينين القوميين، يجتازون الخطّ الأزرق، ويقدّمون أنفسهم “زوّاراً متدينين”، يقومون بـ”جولات تاريخية سيراً على الأقدام”، يصلّون، ينفخون الشوفار (بوق مصنوع من قرن كبش)، يرفعون الأعلام الإسرائيلية. ويدعو الأبرز بينهم إلى “إعادة التملّك التوراتي للشمال”، وإلى “توسّع أرض إسرائيل حتى نهر الليطاني”.
رخاوة ردّات الفعل العربية والإسلامية على قرار الكابينت ضمّ الضفة الغربية من أسباب قوة القرار الإسرائيلي
الجنوب السوري أفدح. النشاط الاستيطاني هناك صار منسياً. الجولان كلّه محتلّ منذ 1967، وصار منسياً. بعد سقوط الأسد، احتلّ الجيش الإسرائيلي مناطق لا نعرف تماماً مساحاتها في هذا الجنوب. يدخل يومياً هذه الأراضي في عتمة الليل غالباً، يحرث بعض أراضي القرى القريبة من القرى الدرزية، يوسّع كروم العنب، يستخدم مياه القرى الجنوبية، يقتل من يعترضه “سلمياً”… زحفه في عمق الأراضي السورية غير استعراضي؛ ربّما لأنه لا يملك ذريعة “سلاح حزب الله”، كما في جنوب لبنان. ومع ذلك، تجد دمشق فرصاً لاستقبال وفود يهودية، يزورون أرض أجدادهم ومواقع تاريخية، يدعون إلى مطاعم تطبخ لهم الكاشير، تعلن الحكومة ترخيص أول منظمة سورية معنية بالتراث اليهودي، واصفة خطوة الترخيص بأنّها رسالة قوية بأن سورية “لا تميّز بين الأديان”، وأنها ترحّب بالسوريين كلّهم من مختلف الطوائف. وهند قبوات وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية تصرّح بأن الدولة ترحّب بالسوريين اليهود للعودة “إلى وطنهم”، وتؤكّد أن هناك “مكاناً للجميع” في سورية الجديدة. فيما تضيق بغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى.
السؤال الباقي: هل كانت إسرائيل ومستوطنوها يتصرّفون بغير ذلك بُعيد احتلال أراضي 1967؟ الجواب: لا، فبعيد حرب 1967، كان ثمّة احتلال عسكري للضفة الغربية والقدس الشرقية وغزّة، وثمّة تسلل استيطاني إلى هذه الأراضي، ذو طابع ديني، أيديولوجي، وأنشطة رمزية مثل الصلوات والأعلام والسرديات التوراتية، وتسامح الجيش مع هذه الأنشطة؛ وثمّة من يقدّمهم على أنهم “طليعة”، وأن الجيش “قيد أمني”، وخطوط حمر كأنّها تجريبية، ومستوطنات من دون إذن قانوني. في الجنوب السوري الآن هناك توسّعات زراعية غير معلَنة، ومشاريع طاقة مفروضة. وفي الجنوب اللبناني: محاولات استيطانية رمزية من دون ارتكاز مادي، ليست استيطاناً إنما تمرين عليه، وكأنّ الجنوبَين اللبناني والسوري يختبران مستقبلهما. فيما يلوح هذا المستقبل من قريب: إنها الضفة الغربية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى