
تلحظ بعض التحسّن في مظاهر عامّة في دمشق، عندما تعود إليها بعد عامٍ على آخر زياراتك لها، فلم تعُد، مثلاً، رائحة المازوت (أو ما شابه) تتسرّب فيك رغماً عنك، ولم يعُد تنظيم حركة سير المركبات والعربات والحافلات موكولاً ليافعين وفتية متطوّعين، وإنما لرجال شرطة المرور المختصّة. ولكنك، في الوفت نفسه، سترى نفسَك في تعاطفٍ ثقيلٍ مع الجهات المسؤولة عن شؤونٍ بلا عدد في المدنية. ومع التسليم بأن مشكلاتٍ كبرى، تنظيمية وإدارية وبيئية وغيرها، تشترك فيها الفيحاء مع مدنٍ غير قليلة، عربية وغير عربية، من قبيل الاختناقات المرورية والازدحام، فإن هذا لا يحرّرك من رغبةٍ قويةٍ فيك بأن تؤشّر إلى ما تحتاجُه العاصمة السورية من ثورةٍ عملٍ عريضة، يشترك فيها أهل القرار الرسمي والمجتمع المحلي وشبكات العمل المدني، من أجل إصلاح أوضاعٍ غير مُرضيةٍ في المدنية التي تبدو مثقلةً بمشكلاتٍ ليست هيّنة، تحتاج جهوداً كبرى ومثابرةً طويلةً لتجاوزها، بما يأخذ دمشق إلى الصورة المرجوّة، إلى الحال الذي يأمله لها أهلوها وعموم السوريين، وهي عاصمتهم الجامعة.
استحقّت دمشق، وستبقى تستحقّ، كل هذا التغنّي بعراقتها وتاريخها وما كانت عليه في أزمنة عزّها وبهائها. ولكن الإقامة في هذه اللغة، مع التشديد على وجوبها، بل وعلى تعزيزها في أفهام الناشئة ومدركاتهم وأخيلتهم، ليس لها أن تعطّل المضيَّ إلى أوراش عملٍ نشطةٍ من أجل استرداد دمشق هيئتها الأجمل والأبهى، سيّما وفي البال أن نهراً عظيما اسمُه نهر بردى، أحرز في قصائد خالدة بديع الوصف، جفّ وصار يثير الأسى، بل والحنق أيضاً، ما يتحمّل المسؤولية عن هذه الكارثة (لا مبالغة) نظام الأسد الساقط الذي نشط في تخريب دمشق وتمويتها، عندما أهمل ما ظلّ شديد الإلحاح والضرورة لتظلّ واحدة من أجمل المدن في العالم وأرقاها وأكثرها أناقة ونظافة، وهي مدينة الياسمين والريحان.
تضجّ دمشق بالألفة مع زوّارها، مدينة مُحبّة، ودافئةً بما يفيض به ناسُها، وعموم السوريين، من السخاء في ترحابها بالقادمين إليها، والعابرين والمارّين، وبالذين يأتونها ليأنسوا فيها بالوفير من بديع المأكولات والمشروبات الشهيّة، وبالجميل والحميميّ من أجواء الارتياح والطمأنينة والأمن والأمان. لئن تبقى دمشق هي هذه، وستبقى، بإذن الله، فإن هذا كله يجيز القول الصريح عن نقصان النظافة في الشوارع والميادين، الأمر الذي يشيع إحساساً بالتبرّم. وفي الوسع أن يبرّر واحدنا تقصيراً في هذا الموضع أو ذاك، ولكن الأمر ظاهرٌ في أحياء وشوارع ونواح غير قليلة في العاصمة التي نحبّ. ثمّة حاجةٌ كبرى إلى شغلٍ كثير، مثلا، من أجل نظافة واجهات مبانٍ وعماراتٍ بلا عددٍ فيها. يبدو الغبار الذي تكلس هنا وهناك ضاغطاً على أعين الرائين. وهنا، تسمع ساخطين محقّين يؤشرون إلى إهمالٍ متعمّدٍ مارسه نظام الأسد، لا في عدم تزيين المدينة وتشجيرها وتنويع حدائقها وصيانة شوارعها الرئيسية والفرعية، وإنما أيضا في عدم الاعتناء بأهم شروط الحياة الطبيعية، النظافة.
أما كثرة بسطات البائعين الجائلين على الأرصفة، فليس من المجازفة الادّعاء هنا إن دمشق تكاد تكون المدينة العربية الأولى في حضور هذه الظاهرة التي تكاد تجعلها مدينةً بلا أرصفة. وقد يسهل ردّ هذا الأمر إلى أحوال معيشية صعبة لدى هؤلاء، تدفعهم إلى الإقامة في الأرصفة لبيع الناس ما يبيعون. ولكن المقام هنا ليس السوسيولوجيا ولا البحث العلمي في الاقتصاد، وإنما أن تولي الدولة، ممثلةً بدوائر الاختصاص وجهاته في المحافظات والبلديات، هذا المشهد أولويةً قُصوى، وهي أدرى، بلا شك، من صاحب هذه الكلمات، في هذا الشأن (وغيره). ومن بديهي البديهيات إن القضية هذه موصولة بمشكلات حادة في البلاد، الغلاء والبطالة والأكلاف العالية لكل شيء، ولكن عقلاً خلّاقاً، ابتكارياً، في وسعه أن يصوغ خطّة تدريجية عملية من أجل أن تتخفف عاصمة البلاد من هذا الحال المؤرق، وغير التقصيلي أبداً.
يعبرُ خبرٌ في الأثناء عن خطّة قديمةٍ متجدّدة من أجل إقامة عاصمة إدارية، تنتقل إليها وزارات الدولة ودوائرها، لتخفيف الضغط العالي على المدينة التي يبقى قطاع النقل العام فيها تحدّياً جبّاراً (أيُّ ميزانيات وأيُّ خطط ومشاريع كبرى يحتاجه؟). وفي الأول والأخير، ستتعافى سورية، إن شاء الله، وستمضي في مسارٍ ينهض بها، ويأخذ، لا بد، دمشق، إلى الذي نأمل ونشتهي ونتمنّى لها، حماها الله وأبقاها.
المصدر: العربي الجديد






