مدريد عاصمة الصحراء المغربية مرّتين

عبد الحميد اجماهيري

يشكِّل لقاء مدريد حول الصحراء، يومي 8 و9 من فبراير/ شباط الجاري، محطّةً فارقةً في تاريخ النزاع حول الأقاليم الجنوبية للمغرب. ومن دون النظر إلى نتائجه ومخرجاته بخصوص نزاع إقليمي دام نصف قرن، يكتسب الطابع التاريخي للقاء بعضاً من قوته الرمزية من أنها المرّة الثانية التي تكون فيها العاصمة الإسبانية لحظةً من اللحظات الحاسمة في هذا النزاع. ولعلّ مضمون تداعيات الذاكرة في هذا الباب لا يقف عند البعد التاريخي المعنوي، بل هو استرجاع لا بدّ منه لتسليط الضوء على الجانب المعقّد من القضية.
كما هو معلوم، سبق للعاصمة الإيبيرية أن احتضنت في 12 و13 و14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 لقاءً ثلاثياً ضمّ وفودَ إسبانيا والمغرب وموريتانيا. انتهى بما أصبح يُعرف في أدبيات النزاع باتفاقية مدريد التي أنهت الاستعمار الإسباني لمناطق الساقية الحمراء ووادي الذهب، وكانت موضوع حروب ونزاع ومواجهات لما يناهز نصف قرن، بالرغم من الاتفاقية المذكورة. ومن المفيد التذكير بمجريات هذا اللقاء، إذ صدر عنه بلاغ (بيان) مقتضب، تماماً كما هو البيان الذي صدر عن لقاء “مدريد 2” بعد هذه المدّة، يقول: “طبقاً لتوصيات مجلس الأمن اجتمعت في مدريد أيام 12 و13 و14 نوفمبر 1975 وفود إسبانيا والمملكة المغربية وموريتانيا مدفوعةً بروح من الصداقة والتفاهم واحترام مبادئ الأمم المتحدة. ودرست الوفود القضايا التي يطرحها موضوع تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، مع الأخذ بالاعتبار الرغبة في ضمان مستقبل التعاون ومصالح الأقطار الثلاثة وسكّان الصحراء. وقد أدّت المفاوضات التي جرت في هذا الشأن إلى نتائج مرضية تستجيب لرغبة الأطراف الثلاثة في التفاهم وعزمها على الإسهام في حفظ السلام والأمن الدوليَّين”.
يتجسّد الفرق بين “مدريد 2″ و”مدريد 1” في حضور الجزائر إلى جانب “بوليساريو”، في غياب إسبانيا الحاضنة للقاءين معاً
وتُستفاد من البيان ثلاثة أشياء رئيسة؛ فاللقاء كان بناءً على قرار مجلس الأمن؛ وضمّ المغرب وإسبانيا وموريتانيا، وهي الدول المعنية بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وصدر في 16 أكتوبر/ تشرين الأول من السنة نفسها، بناءً على طلب من المغرب وموريتانيا إلى الأمم المتحدة، التي أحالت الطلب المشترك على محكمة لاهاي؛ وجدول الأعمال شمل نقطة وحيدة تتعلّق بتصفية الاستعمار في الصحراء.
بالرغم من أن هذا البيان لا يحدّد التوصّل إلى اتفاقية حول الموضوع الوارد في جدول الأعمال، إلا أن الاتفاقية عُرضت، في وقت لاحق من السنة، على البرلمان الإسباني (الكورتيس) للمصادقة عليها، ودخلت حيّز التنفيذ في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975. الملاحظة التي لا يمكن أن يغفلها القارئ غياب الجزائر وجبهة بوليساريو الانفصالية عن اللقاء الأول في مدريد، ولا بدّ أن يتساءل عن ظروف هذا الغياب: هل هو إرادي أم اضطراري؟ وكيف تعاملت الجارة الشرقية للمغرب مع الحدث، خصوصاً أنها تحتضن الحركة الانفصالية؟ بالنسبة إلى هذه الأخيرة، لم تكن في وارد الحضور، لاعتبارات تخصّ ظهورها وعدم وجودها دولياً في الخريطة، بالأحرى في لقاء ثلاث دول تحت مظلة الأمم المتحدة.
وغياب الجزائر، في المقابل، ملاحظة جوهرية. فقد كانت إسبانيا تصرّ على حضور الجزائر طرفاً رابعاً، وتذكر أدبيات تلك الفترة، في كل العواصم المعنية كما في أرشيف الأمم المتحدة، أن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين راسل أرياس نافارو (رئيس الوزراء في عهد فرانكو) الذي كان يحتضر، سعياً إلى الضغط من أجل الحضور. ولعلّ الأسباب التي هيمنت وقتها حالت دون ذلك، ومن ذلك تنظيم المغرب “المسيرة الخضراء”، ما جعل الحدث يتحوّل إلى “قوة للقانون الحتمي” الذي اكتسبه بقوة التحرّك الجماهيري وقتها. فالواقع الميداني كان قد تغيّر قبل القمّة بأسبوعَين، عندما وصلت “المسيرة الخضراء” (6 نوفمبر) إلى مشارف الحدود بين المغرب وصحرائه المستعمَرة، واتجهت الأنظار نحو مدريد ابتداءً من 12 نوفمبر. ميدانياً، كانت إسبانيا قد بدأت إخلاء بعض المناطق من الصحراء، في تكتّم شديد، وتخلّت عن أدبياتها السابقة، سواء في ردهات الأمم المتحدة أو في تصريحاتها العلنية، بخصوص تقرير المصير والشعب الصحراوي. كانت ردّات الفعل الرسمية في العاصمة الجزائرية حادّةً للغاية وعنيفة. وصدرت تصريحات من وزير الخارجية وقتها، الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وعن الرئيس الراحل هواري بومدين، وصدر بيان رسمي من وزارة الخارجية… كلّها مواقف تتحدّث عن “صفقة لا يمكن للجزائر أن تقف أمامها مكتوفة الأيدي”. وأعلنت أنها “لن توافق على أيّ قرار إذا لم تشارك في إعداده وتطبيقه طرفاً معنياً ومهتماً” (15/11/1975). كما أن بومدين أجرى حواراً مع صحيفة لومانيتيه الفرنسية، لسان حال الحزب الشيوعي الفرنسي، الصادرة يوم 21 نوفمبر، أي بعد يوم على وفاة الجنرال فرانكو، صرّح فيه: “الصحراء تهمّنا… الإقليم يشكّل جزءاً من منطقة أمن الجزائر”. وفي التحرك الدبلوماسي الأممي، طالب بوتفليقة بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن حول الاتفاقية الثلاثية، غير أن رئيس المجلس وقتها، السوفييتي جاكوب مالك، رفض الطلب الجزائري. ومن كلام الوزير، الرئيس بعد ذلك، بوتفليقة، أن “كلّ حلّ لا تقبله الجزائر هو حلّ من خارج الأمم المتحدة”، وهو “يشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليَّين”.
التحوّل الجوهري بين مدريد نوفمبر 1975 ومدريد فبراير 2026، هو الدور المركزي للراعي الأميركي، الذي كان في السباق يكاد يكون ثانوياً في تحديد مسار الصراع
بالنسبة إلى “مدريد 2″، تغيّرت معطيات وبقيت أخرى ثابتة. ومن ذلك أن البيان الوارد عن اللقاء (المقتضب) صدر باسم الراعي الأميركي، في شخص البعثة الأميركية، ونُشر في موقع الخارجية الأميركية، وهو أول تمييز عن البيان الصادر قبله بنصف قرن. كذلك نصّ على أن اللقاء جاء تنفيذاً لقرار أممي، وليس توصيةً فقط من مجلس الأمن، وأن المعنيين بالمحادثات يتمثّلون في الأطراف الأربعة نفسها الواردة في القرار الأممي الصادر يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة بوليساريو. وهنا يتجسّد الفرق بين “مدريد 2″ و”مدريد 1” في حضور الجزائر إلى جانب “بوليساريو”، في غياب إسبانيا الحاضنة للقاءين معاً. وكان من المعطيات أيضاً الإطار الدولي للحل، فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما في القرار 2797، بعد أن كان لقاءً يتعلّق بتصفية الاستعمار بين الدولة المستعمِرة، إسبانيا، وبين الدولتَين المعنيتين بالتراب المسترجع (المغرب وموريتانيا). وهناك الإشراف الدولي: أميركي أممي مشترك.
الواضح أن الفارق الكبير يكمن في الحضور وفي طبيعته، كما يتجلّى في الغياب وفي طبيعته، وفي المواقف من اجتماع الأطراف ذات الصلة بالملفّ. وقد جرت مياه كثيرة جعلت إسبانيا تغيب، وهي الدولة التي وقّعت مع المغرب اتفاقيةَ تصفية الاستعمار، لكنّها ظلّت في موقع ضبابي، تلعب على التناقضات في المنطقة إلى حدود 2022، عندما دعمت الحكم الذاتي. في حين حضرت الجزائر، التي دافعت بشراسة عن حضورها في اللقاء السابق من دون أن تتمكّن من ذلك، وصرّحت بأن أيَّ اتفاق لا تحضر فيه لا مستقبل له، في وقتٍ تغيّرت لغتها الدبلوماسية في اللقاء الحالي في محاولة تقديم نفسها طرفاً “ملاحظاً” بالرغم من حضورها الجسدي ممثَّلة في وزير الخارجية أحمد عطاف وممثلها في الأمم المتحدة عمّار بنجامع. في لقاء “مدريد 1” كانت “بوليساريو” غائبةً أصلاً، لكنّها في مدريد الثانية حضرت، لكي تغيب من بعدُ عن الحلّ، باعتبار أن أفق هذا الأخير هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، التي ستنهي الحركة ومشروعها الانفصالي.
ولعلّ التحوّل الجوهري بين التاريخَين: مدريد نوفمبر 1975 ومدريد فبراير 2026، هو الدور المركزي للراعي الأميركي، الذي كان في السباق متابعاً عن بعد، يكاد يكون ثانوياً في تحديد مسار الصراع، وصار حضوره حاسماً في تسريع وتيرة إنهاء الملفّ عبر مسارَين: واحد أممي من خلال دور واشنطن “حاملة القلم” في ما يخصّ قرارات القضية، ومسار ثلاثي أميركي ـ مغربي ـ جزائري، من خلال مساعي تقريب وجهات النظر بين الرباط والجزائر (تحدّث مبعوث الرئيس ترامب، ستيف ويتكوف، عن اتفاقية سلام). وهذا موضوع آخر.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى