نحو ثقافة سياسية متجددة في سوريا الجديدة

عبد الله تركماني

ثمة ثقافة سياسية سورية تحتاج إلى المساءلة، بمرجعياتها ومؤسساتها ونماذجها ورموزها وإعلامها وخبرائها. هي ثقافة المكابرة، وتبجيل الذات، والثبات على الخطأ، والتستر على الآفات، والهروب من المحاسبة، فضلًا عن القفز فوق الوقائع، والخوف من المتغيّرات، والتعاطي مع المستجدات بالقديم المستهلك، بل بالأقدم أو الأسوأ من المفاهيم والتقاليد أو الوسائل والأدوات والمؤسسات.
إننا نتهرب من تحمّل المسؤولية وإلقائها على الغير، ولا نقرّ بالهزيمة لكي نتعلم من الأخطاء ونستفيد من التجارب والشواهد. فمن جهة، تهيمن الأدلجة العميقة على العقل السياسي السوري، مما جعله لا يهتم إلا بالعموميات وينسى تفصيلات المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين السوريين. ومن جهة ثانية، لا يمتلك الوعي المطابق لحاجات الواقع السوري للتقدم.
كما أنّ التركيز على المشكلة الرئيسية وتحديد الأولويات لم يكن سمة من سمات التفكير السياسي السوري، كما أنّ الثقافة السياسية الحقيقية غُيِّبت، فتلاعبت العواطف دومًا بأهواء كثير من السياسيين، وطغت عليها الشعارات من دون رؤية مخاطر المرحلة الانتقالية بعد تغيير 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، خاصةً غياب مرتكزات بناء دولة الحق والقانون.
الاستعداد الواضح لتمكين الأجيال الشابة السورية من تحمّل مسؤولية قيادة العمل السياسي، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا من شروط تجديد سورية وضمان مستقبلها.
وهكذا، فإنّ جذور إشكالية الأداء السياسي السوري تتمحور حول أسلوب هذا الأداء الذي لا يواكب التطورات والمستجدات الفكرية والسياسية والاجتماعية، إذ إنّ البعض ما زال عاجزًا عن إدراك حقائق العالم المعاصر التي تستوجب من الذين يريدون حماية أوطانهم وتقدمها سرعة إعادة النظر في رؤاهم السياسية لكي تتكيف إيجابيًا مع قواعد اللعبة الجديدة في السياسة الدولية، بما يخدم المصالح السورية العليا.
إذ تتميز الثقافة السياسية الحديثة بأنها إنسانية، من حيث اتجاهها إلى توعية الإنسان بحقوقه وواجباته، بهدف ما يحقق له ماهيته وجوهره. وتأسيسها على مفاهيم الحرية والتسامح والاختلاف والكرامة والمساواة، بقصد تنوير الأفكار والأذهان والسلوكيات والعلاقات. ونقدية، من حيث نزوعها إلى إعادة النظر في مختلف القيم والمبادئ والسلوكيات التي تتنافى مع قيم العصر. وعصرية، من حيث ضمانها تفتح شخصية المواطن على المحيط الذي يعيش فيه، أفرادًا ومؤسساتٍ وقوانين، والتفاعل الإيجابي معه. وقانونية، من حيث اقتناعها بضرورة تمفصل وتكامل السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وضرورة انبثاق السلطة التشريعية عن انتخابات حرة ونزيهة وتعددية، تمارس دورها في تشريع القوانين ومراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية. أما السلطة القضائية، فيجدر بالثقافة السياسية العصرية أن ترسخ مفهوم استقلاليتها التامة عن أية مؤثرات خارجة عن إطار القانون والعدالة القضائية.
ومن أجل تجديد الثقافة السياسية يمكن الإشارة إلى أهم القواعد والمبادئ: اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة دومًا على قوى ومجموعات ذات تصورات فكرية ومشارب سياسية متباينة، خاصة بعد أربعة عشر عامًا من الحراك الشعبي، وما رافقه من تعدد المظلوميات وتشظي المجتمع السوري، التي أفرزت قوى اجتماعية ورؤى ووسائل عمل لم تكن معهودة قبلها. وضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، لما يتيحه ذلك من إمكانية الإحاطة بالواقع الشامل والتعرف إلى العوامل المؤثرة في سيرورة تطوره. واعتماد ثقافة الحوار، انتصارًا لفكرة أو دفاعًا عن موقف وحمايةً لمصالح الشعب. والأهم الاستعداد الواضح لتمكين الأجيال الشابة السورية من تحمّل مسؤولية قيادة العمل السياسي، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا من شروط تجديد سورية وضمان مستقبلها.
إنّ السياسة وسيلة وليست غاية، هي أداة للتفكير في صياغة الحلول المجدية لسائر المشكلات والتحديات الداخلية والخارجية، وهي وسيلة السوريين لوضع الخطط والبرامج لتحقيق الطموحات الشعبية في حياة حرة وكريمة ومستقرة وآمنة لكل أفراده.
ومما يُؤسف له أنّ رصيد التجربة السياسية السورية يكشف أنّ معظم أحزاب المعارضة ظلت محكومة، في وعيها وفي تجربتها، بالتحرك ضمن مدار إشكالية السلطة، في حين غابت إشكالية المجتمع في رهانات التغيير لديها، وانصبّ كل تفكيرها وجهدها على البحث عن كيفية بلوغ الهدف المركزي: تسلم سلطة الدولة. وبذلك اتجهت إلى الانفصال عن المجتمع المدني، لتنضم إلى مجتمع النخبة/السلطة، إلى درجة بات يحق للسوري أن ينظر إلى المعارضة بصفتها شكلًا من أشكال الصراع من أجل تعديل الحصة ليس أكثر.
إنّ السياسة وسيلة وليست غاية، هي أداة للتفكير في صياغة الحلول المجدية لسائر المشكلات والتحديات الداخلية والخارجية، وهي وسيلة السوريين لوضع الخطط والبرامج لتحقيق الطموحات الشعبية في حياة حرة وكريمة ومستقرة وآمنة لكل أفراده. ومن أجل ذلك مطلوب اليوم أن تتحول الخطط والبرامج إلى واقع حقيقي معاش يلمسه الناس، ليس في الشعارات والإعلام كما هو حالنا اليوم، بحيث تتوفر لكل المواطنين والمواطنات فرصة للتعليم الجيد والعمل المنتج والسكن المناسب والأمن الصحي والغذاء الكافي. ومن أجل تحقيق هذه المتطلبات الأساسية نحتاج إلى حوكمة رشيدة تعتمد الشفافية والرقابة والتشاركية والمأسسة، بما تنطوي عليه من تمييز الخط الفاصل بين الشخصي والعام فيما يتعلق بالدور والملكية والسلطة، والاتصال والديمومة في أداء الوظائف، والدقة البالغة في تعيين الاختصاص والتمييز بين الأدوار، وتقسيم العمل، وإحداث التكامل بين الوظائف والاختصاصات عبر آليات الكفاءة، وليس أهل الولاء من أخوة المنهج السلفي.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى