
ليست معارض الكتب، بالضرورة، لبيع الكتب فقط، وإنما هي أيضاً لعرضها وترويجها، وللقاء القرّاء والمثقفين ببعضهم، وللقاء الأصدقاء بالأصدقاء، وليجتمع الناشرون وموزّعو الكتب، ويعقدوا اتفاقيات بيع وشراء. كما أن تميّز هذه المعارض لا يكون فقط بأعداد دور النشر وتنوّعها، وبأعداد عناوين الكتب التي تقدّمها للجمهور العام في هذه المناسبات التجارية والتسويقية، وإنما أيضاً بالأنشطة الثقافية والندوات والمحاورات مع ضيوفٍ منتقين من أهل المعرفة والفكر والآداب والفنون، وبحيويّة هذه الفعاليات وجاذبيّتها وتنوّع اهتماماتها. وإلى هذا كله، تجد مؤسّساتٌ رسميةًٌ وأهليةً، لا يتعلّق عملها بالثقافة، في هذه التظاهرات، منصةً لعرض ما يعرّف بها وبمهمّاتها. … وبهذا، تصبح معارض الكتب، في العموم، فضاء اجتماعيّاً ومدنيّاً وثقافيّاً وترفيهياً وتجارياً.
أما هنا، في دمشق، حيث تنكتب هذه السطور بعد أول أيام معرض دمشق الدولي للكتاب، فينضاف إلى هذا كله أن لهذا المعرض، في دورته الأولى بعد التحرير، بحسب تسمية السوريين حدث انتصار ثورتهم على نظام الفساد والاستبداد، خصوصيّته. ولمّا عرفنا أن جميع الكتب المعروضة مرّت إلى الأجنحة والرفوف بلا أي رقابة، فهذا مبعث غبطةٍ مُضافةٍ بهذه المناسبة التي تستحقّ الاحتفاء بها. ولمّا شاهدنا كل هذا الإقبال الاستثنائي من الجمهور العام، ورضى ناشرين كثيرين عن حركة البيع، فهذا من شواهد بلا عددٍ على أشواق السوريين، الشباب منهم والمخضرمين، إلى أن يكون للشأن الثقافي العام، بما يتّصل به من عملية إنتاج معرفي وإبداعي، منزلته بين أولويات أهل القرار وصنّاعه، وإنْ لا يغيب عن البال إن جبالاً من التحدّيات الكبرى يواجهونها في عمليةٍ مركّبةٍ وصعبةٍ ومعقدة. ولمّا عوين تعدّد الأنشطة الموازية وكثرتها فذلك مما يشهد على بحث القائمين على المعرض عن مساحات حوارٍ وتداولٍ أخرى، وإنْ كان مأمولاً أن يكون الانفتاح أكثر تنوّعا وتعدّدية على أسماء سورية (وعربية إن أمكن)، من المؤكد أن حضورها ومشاركتها في فعاليات المعرض كانت ستزيده غنىً.
كان كريهاً من السلطة الساقطة أن معارض دمشق الدولية للكتاب كانت مناسباتٍ أخرى للتطبيل للرئيس الهارب وخُطبه، ولترويجٍ تافهٍ ل”حكمته” و”قيادته”، وليفرض على الناس أن يروا صوره في غير وجهٍ ووجه. وجاء ثميناً من أول معرض بعد التحرير أن لا صورة لأحد، لا للرئيس ولا لغيره، ولا لأي تزلّفٍ من أي نوع. ثمّة كتبٌ وناسٌ تأنسُ إلى بعضها، وتفرح باللقيا. ثمّة ما يمكن أن يُنقَد ويُنتقد، وما من الضروري مؤاخذته، غير أنك لا تزاول هذا كله من مدخل العداء والكيدية والتربّص، بل من باب الحرص على سورية الموحّدة، الثرية في تنوع إبداعات ناسها وفنونهم، وفي رقيّ نخبتها وتميّز إنتاجاتها. وما من نجاحٍ إلا وفي الوسع البناء عليه. ولئن بقيت بضعة أيام على اكتمال تظاهرة المعرض في دمشق، فإن نجاحه، ولو على أي درجةٍ ومستوى، سيكون أرضيةً لبناء نجاحاتٍ أخرى في غير شأن، في المضي بنهوض المؤسّسة الثقافية الحكومية بأدوارها، ومنها تنشيط المرافق التابعة لها، وصياغة برنامج عملٍ يشارك في تظاهراته ومناسباته كتّاب سورية ومثقفوها وفنانوها وأدباؤها في الوطن والشتات، وغير ذلك مما أهل الشأن أدرى بشعابه وخرائطه، وكذلك معقياته وصعوباته.
ليس المشهد العام في سورية وردياً، وليس له أن يكون كذلك والبلد كان في حفرة أسقطها فيه النظام القاتل المعلوم. ولأجل إعادة السياسة إليه، وإعادة الشأن الثقافي، بتنويعاته، واحداً من الأولويات الملحّة، ثمّة حاجةٌ لجهدٍ مركّبٍ وعويص، وطويل، شديد الإلحاح، لن يستقيم أن تنفرد جهة أو سلطة أو هيئة به، بل يلزمه بداهةً أن يشترك فيه الكل السوري المتعدّد، بروح دأبُها المواظبة والمثابرة. ولنا أن نحسب حسن التنظيم لمعرض دمشق الدولي للكتاب، وإتاحة العرض فيه من دون رقاباتٍ مسبقة، وإنْ للناظر أن يرى هناتٍ وتفاصيل غير مُرضية، نجاحاً طيّباً يجوز تثمينُه، واعتباره خطوةً في مسار ثقافي وسياسي ناهضٍ وواعد في سورية المستجدّة الجديدة، إن شاء الله.
المصدر: العربي الجديد


