صدّام حسين في دمشق

معن البياري

تصطفّ سيارة أجرةٍ صفراء، مُتعبة، ولا سائق فيها نسأله، ماجد كيالي وأنا، أن يأخذَنا إلى حيث نريد، في دمشق. استوقََفنا أن صورةً كبيرةً لصدّام حسين يتظلّل بها الزجاج الخلفي من السيارة، مع عبارات تمجيدٍ به. استفظعتُ المشهد، رغم أنّ من المعهود أن أرى صور صدّام في سيارات أجرةٍ عديدةٍ في عمّان (وإنْ ليست بالمساحة الكبيرة هذه). ومع بديهيّة أن هذا الشذوذ في سلوك السائق لا يُقاس عليه، يضغط سؤالٌ على البال عن السبب الذي يجعل هذا المواطن السوري، الذي يحصّل رزقه من سيارة أجرةٍ متهالكة، يعتنق إعجاباً بالدكتاتور الفظ صدّام حسين، إلى حدّ إشهاره هذا الإعجاب أمام عيون الناس، فيما هو ممن تخلّصوا من الدكتاتور بشّار الأسد. وسؤالٌ آخر عن نسبة أمثال هذا الرجل بين السوريين الذين ما زالوا يقيمون على فرحهم الغزير بتخلّص بلادهم من حكم آل الأسد. وربما ثمّة سؤالٌ ثالث يمرُق إلى الخاطر بشأن المسافات البعيدة بين خطاب المثقفين (السوريين وغيرهم) الديمقراطية والتحرّر من الفساد والاستبداد من جهة والثقافة السياسية العامة لدى السوريين من جهة ثانية. ولك أن تذهب في جدالٍ مفترضٍ مع نفسك، فتقول إنّ السوريين لم يناهضوا بشّار الأسد ويثوروا عليه لأنه غير ديمقراطي، بل لأنه مجرم وقاتل، فقد كان في وُسعه أن يقود نظاماً أقلّ وطأة في بوليسيّته ومخابراتيّته، ومن دون لجوءٍ مكشوفٍ إلى القتل الأعمى، ويحدّ من تفشّي الفساد المتغوّل الذي أوجد حيتاناً سرّاقاً من عائلته وحاشيته والمقرّبين منه، فينجو من ثورةٍ عليه تزيحه. … ولكن افتراضاً ذهنياً كهذا سيكون كلاماً فارغاً، إذ لا يقوم على معرفةٍ أعمق بواقع السوريين الصعب والمعقّد والمربك.
أفادتنا نتائج استطلاع المؤشّر العربي الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، ونُشرت الصيف الماضي، بأنّ 61% من المستطلعة آراؤهم من السوريين اعتبروا الديمقراطية أفضل أنظمة الحكم، وأن 20% فضّلوا أنظمةً أخرى، فيما 6% يؤيدون نظاماً سلطوياً غير ديمقراطي. وهنا يطرأ سؤالٌ مفترض عمّا إذا كان الممتلئ احتفاءً بصدّام حسين، من الأخيرين، أم أنّه لا يُلقي بالاً لقصّة الديمقراطية والدكتاتورية هذه، ويرى في الرئيس العراقي المشنوق ضحية الولايات المتحدة التي يكره سياساتها، وبلغ به هذا الكره إلى أن يُري المارّة في شوارع دمشق غبطته بصدّام. … تركنا هذا الرجل، الغائب عن سيارته، في حيص بيص، بشأن بواعثه التي تجعله على هذا الحال، وبلا إجاباتٍ تحلّ استعصاءً في فهمها، وإنْ قد يُسعف اللجوء إلى ذلك “المؤشّر العربي” بتفسيرٍ، وفيه أنّ 9% من السوريين لا يعرفون ما هو الشكل السياسي المرجوّ لبلدهم، وقد يكون صاحبُنا هذا منهم، فلا يكون لوجود صورة صدّام كبيرةُ على سيارته أي دلالةٍ على صعيد خيار سياسي من أيّ نوع، وإنما هو “شعورٌ” وطنيٌّ وعاطفيٌّ فيه، ليس إلّا.
سقى الله تلك الأيام التي كان فيها حافظ الأسد لا يطيق اسم صدّام حسين، وقد أخبر عبد الحليم خدّام، بعد نحو عقدَين على رحيلَيْهما، أنّ صدّام أكثرُ رجلٍ كان الأسد يكرُهه (ثم ياسر عرفات). وطالما أنّ لكل مقام مقالاً، لك أن تفترض أن السائق إنما أراد، في محملٍ ما، أن يبثّ شيئاً من مقته عميد آل الأسد بإعلان محبّته صدّام. ويؤشّر في غضونها إلى “عروبيّته” في أمره هذا، فالرئيس العراقي الراحل حارب إيران وحاربته، وانتصر لفلسطين لمّا ضرب مرّةً إسرائيل التي لم تكن أقلّ حماساً من الولايات المتحدة لإسقاط نظامه في بغداد.
أولى أولويات السوريين التي لا يتقدّم عليها أيّ شأن أحوالهم المعيشيّة أمام شحّ فرص العمل وارتفاع الأسعار المطّرد ومحدودية دخولهم، وغلاء الكهرباء وانقطاعاتها. والراجح أن السائق المتحدّث عنه ممّن يكدّون ليُحرز عيشاً كريماً، غير أنه، في الوقت نفسه، يقيم على مزاج خاص، يجعل لصدّام موقعاً في حشاياه، فتضجّ أسئلةٌ حيرى بشأنه سيق بعضُها أعلاه، مع دهشةٍ مسوّغة، فصدّام حسين وليس غيره يجول في دمشق!

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى