
آن لسورية ولرجالها الفاعلين، الباحثين عن سورية آمنة ونامية أن يبدأوا بإدارة أزمة توشك أن تستمر، ما قد يؤدّي إلى ديمومتها، وإحلال العطالة الدائمة، إن لم أقل الصراعات الدامية… وذلك ما يسعى إليه أعداء سورية، فلابد للسوريين أن يعودوا إلى الإمساك بخيوط مبادرة وطنية، وبإرادة حرة، للذهاب نحو استعادة وحدتهم الوطنية الراسخة، إذ لم تعد الأزمة السورية مجرّد صراع داخلي على سلطة أو نظام حكم، بل تحوّلت، مع مرور الأيام، إلى حال خطرة تهدّد وحدتها، وتجعلها مع ديمومة أزمتها، تفسح في المجال لتدخُّل قوى إقليمية، ودولية، لها مصالح نفعية تتعامل مع سورية على أساسها، لا بوصفها دولة ينبغي إنقاذها، بل ملفّاً تجب إدارته وفق مصالح دولية.. ومن هذا العمق، يكمن جوهر الأزمة السورية اليوم..
أما المسألة الأكثر أهمية، ولعلَّها الأخطر، فهي التي تتكشَّف عن نيات غير حميدة، تمارس في الكواليس ما يجعل التصدِّي لها ضرورة أوليَّة، على الرغم من أنها لا تتعلق بـ “مؤامرة” كما اعتدنا الهروب إليها! فمن السذاجة تكرار رأيٍ كهذا.. الحقيقة أكبر مما يطلق عليها مثل هذه التسمية وأعمق، وحتى إذا كان الأمر كذلك، فلابد من البحث عمَّن يُمسك بخيوط اللعبة، لأجل الإحاطة بها والكشف عن جوهرها ومآلها.
ما يلاحظ اليوم أن الأمور لا تتجه إلى حلول واضحة. ولعلَّ مكمن خطورتها في هذا الجانب. إذاً، لابد من استقراء وجهة خيوط المصالح، ومن الذي يمسك بها ويطلقها، ولأية جهة تعمل؟ فمن يمسك بخيوط اللعبة لا يعلن عن نفسه! ولا إلى أين يأخذ أو يأخذون سورية؟ فلا مساعي مرئية نحو التقسيم، وفي الوقت نفسه، لا طريق واضحاً لاستعادة وحدتها.. فما هو مرئي تكريسُ حال الـ: بين.. بين. فلا حرب تحسم من خلالها نتيجة ما، ولا سلام يُنهي استنزافها الدائم، ما يجعل منها كياناً هشاً قابلًا للتطويع.. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الدولة السورية اليوم وكأنها فراغ سياسي وأمني، لا بنية سيادية متماسكة، بل فراغ يستميل الراغب بنفوذ ما.. ويُدار بميزان توازنات المنطقة الذي تضبطه قواها بما يمنع الانفجار الشامل، ولا يسمح بأي نهوض حقيقي.
أخطر ما قد تُدفع إليه سورية اليوم ليس الانقسام المعلن، بل الاعتياد على إدارة الانقسام بوصفه قدراً طويل الأمد
أما التنوّع السوري، الذي كان يمكن أن يكون مصدر غنى حضاري، فقد جرى التعامل معه أنه وسيلة حماية، وتقسيم. لا مشروع مواطنة يوحي بالاطمئنان. بل ثمّة ذهاب إلى عزل مناطق تحت ذرائع الخصوصية.. والنتيجة مجتمع يتجاور ولا يتماسك. ومن هنا الخطر الحقيقي. خطر الاعتياد على التمزّق، وهذا ما يهدّد سورية اليوم، فليس التقسيم الجغرافي المعلن، بل التعوّد النفسي، والسياسي على التقسيم والانقسام. حين يكتفي كل طرف بجزئه، ويتعامل مع الوطن بوصفه عبئاً نظريّاً لا مصلحة عملية، تصبح الوحدة شعاراً فارغاً، مستحيلة التحقق.
لقد أُنهك السوريون بالحرب، وبالخطابات المتناقضة، وبسياسات التخوين المتبادل، حتى باتت فكرة الدولة نفسها موضع شك لا بوصفها أداة قمع فقط، بل إطاراً جامعاً فقدَ معناه. ومن هنا تجيء الوحدة تلبية لمصلحة مشتركة لا بما هي خطاب غائم قد يكون قابلًا للتحقق، فالوحدة السورية لن تُبنى من خلال شعارات حالمة أو حنين إلى مثلها، بل لابد من تحويل الأمنية إلى مصلحة يومية ملموسة يشعر بها المواطن، مهما كان انتماؤه، وأيًّا كانت منطقته.. إذ حين تحمي الدولة الفرد أكثر مما تحميه جماعته، وحين يضمن القانون سلامته أكثر مما يفعله السلاح، وحين يغدو الانتماء الوطني ملاذاً آمناً لا خطراً.. عندها فقط تستعيد الوحدة معناها الحقيقي والمتطّلع إليه. وعلى ذلك، لا بد من إعادة تعريف الوطنية السورية كما حقيقتها:
ما يهدّد سورية اليوم، ليس التقسيم الجغرافي المعلن، بل التعوّد النفسي، والسياسي على التقسيم والانقسام
ليست الوطنية إنكار المظالم، ولا طمس الهويات، بل الاتفاق على إدارة الخلاف داخل الدولة لا خارجها، وعلى تحويل التنوّع من مصدر خوف وصراع إلى إطار قانوني منظم. وعلى ذلك فقط، يمكن التمكين لدولة واحدة تدار بعقلانية وتلبّي مصالح مواطنيها على قاعدة المواطنة المشتركة، فالوحدة لا تعني مركزية خانقة تُعيد إنتاج الاستبداد، كما أن اللامركزية يجب ألا تكون مدخلاً للتفكيك. فالمطلوب هو: دولة واحدة، بقرار سيادي واحد وقوانين واحدة، وسلاح واحد مع إدارة محلية مرنة، وصلاحيات واضحة، وعدالة في توزيع الموارد.. وبذلك فقط يمكن طمأنة المكوّنات من دون نسف فكرة الدولة من الأساس. ويمكن للنخب هنا أن تلعب دورها قبل أن يمارسها الشارع، فالشارع السوري متعب، مجروح، محمّل بالذاكرة والخسارات. فلا يمكن تحميله اليوم عبء صياغة مشروع وطني متماسك. تقع المسؤولية اليوم على النخب الثقافية والسياسية، القديمة منها والجديدة، في كسر لغة الثأر والتخوين، واستبدالها بلغة عقلانية تتحدّث عن المستقبل، لا عن تصفية الماضي فقط.
أخطر ما قد تُدفع إليه سورية اليوم ليس الانقسام المعلن، بل الاعتياد على إدارة الانقسام بوصفه قدراً طويل الأمد، فحين تُعتمد إدارة الأزمات بدلاً من حلّها، ويُؤجَّل معنى الدولة باسم التوازنات، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، حينها يغدو الوطن مساحة تجارب وانتظار، لا مشروعاً لمستقبل واضح المعالم..
لا يكون الخروج من هذا النفق الغائم بتسوياتٍ هشة، ولا بشعاراتٍ جامعة خاوية، بل باستعادة فكرة الدولة العادلة بوصفها مصلحة مشتركة لا يمكن الاستغناء عنها. دولة تجعل الاختلاف آمناً، والانتماء ممكناً، والمستقبل شأناً عامًاً لا غنيمة تؤجل. عندئذ فقط تصبح الوحدة خياراً عقلانياً، لا أُمنية أخلاقية فحسب، بل إرادة سياسية لا مجرّد شعار يُستدعى عند الشعور بالخطر.
المصدر: العربي الجديد






