عن “عَرَبَة الكُرد” وعنّا جميعاً

مالك داغستاني

قبل أكثر من عقد، بدأت تتوضح ملامح تحالف جديد، ينشأ بين مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي “PYD” الكردي، والقوات الأميركية في المنطقة. كان الهدف المعلن هو محاربة “تنظيم الدولة في العراق والشام”. حينها، وبالملاحظة البسيطة، كان جليّاً لمن أراد القراءة من دون نزوعات رغبويّة، أنه تحالف مرحلي يهدف إلى القضاء على إرهاب تنظيم “داعش” الذي استهدف، من بين ما استهدف في كثير من عمليّاته، أفرادا أميركيين وغربيين في المنطقة، وبشكل خاص على الساحة السورية. فالأمر لم يكن سرّاً، فالأميركيون كانوا عرضوا قبلها ذات العرض على “الجيش الحر” ولم يتم الاتفاق.
في تلك الفترة كتبتُ ما سوف يلي حرفياً، وكنت أخاطب الأصدقاء الكرد الذين أطرَبَهم ذاك التحالف، ووجدوا فيه ربما فرصةً تاريخية لن تتكرر لتحقيق الحلم الكردي المزمن والمشروع بإقامة دولتهم: “أنا لست فقط مع الفدرالية للشعب الكردي. بل أنا مع إقامة دولة كردية مستقلة على أرض كوردستان التاريخية. لكنَّ الرائحة بشعة يا أصدقائي، والانتهازية تكتنف كامل المشهد. وحصان العربة، لو انتبهتم، لا يقوده فارسٌ كردي. ولهذا أنا حزين على هذا الشعب النبيل، وخائفٌ مما سيُدفَع في يومٍ ما، ثمناً لما يحدث الآن”. يومها نالني من الملاحظات السلبية ما نالني، سواء من العرب ممن لا يقبلون بحقوق الكرد، أو من الأصدقاء الكرد الذين لم يعجبهم ما كتبت، كلٌّ لأسبابه. فابتعدت عن الشأن الكردي ولم أقترب منه حتى اليوم. وها أنا أعود هنا بحذرٍ بالغ، لعلمي أن الأعصاب مشدودة وفي ذروة حساسيتها. ولن أستغرب إن تكررت الملاحظات اليوم.
لا يجب للقضية الكردية، كما غيرها من قضايا الجماعات السورية، أن تكون عبئاً على الدولة الجديدة، وهذا مقتلٌ للطرفين.
يوم أمس 2 شباط/فبراير، وأنا أتابع المقاطع المصوّرة لدخول قوات أمن الحكومة السورية الجديدة إلى الحسكة واليوم إلى القامشلي، تذكّرت ما كتبتُه في آذار/مارس عام 2016. نعم، بعد عشر سنوات، وبعد كل ما جرى، من صراعٍ كان تناحرياً في بعض المحطات، بين كُرد وعرب المنطقة الموزعين على فصائل عسكرية متعددة. بدا المشهد لمعظم المراقبين، وكأن هناك طرفاً انتصر على الآخر، رغم أن كثيراً من الأصوات كانت تحاول تصوير ما يحدث على نحوٍ مختلف، وهذا طبيعي وجزء من فولكلور منطقتنا السياسي، يكاد يَسِمُنا جميعاً، نحن الذين ننتصر على الدوام ولا نعرف للهزيمة طعماً. ألم تنتصر حماس على إسرائيل وما زالت، وكذلك يفعل حزب الله يومياً في لبنان!
لستُ هنا بِواردِ قراءة تلك السنوات ومنعطفاتها السياسية، فجميعكم تعرفونها، ولا حتى بوارد القول إن الشطط في السير وراء الأمنيات التي لا تستند إلى وقائع ثابتة هو ما أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. أنا الذي أحاول دوماً الابتعاد، بل الهرب من السياسة بمعناها اليومي، فإن جلّ اهتمامي فيما أكتب ينصبُّ على الغد، وعلى كيفية الوصول إلى نقطةٍ تُشعِر الجميع، حقيقةً هذه المرة، أنهم ذاهبون إلى واقعٍ أفضل، من دون الوقوع في مطبات مشاعر النصر والهزيمة.
عند التفكير بمستقبل بلد مثل سوريا بعد ما مرّت به. يعلمُ، أو يجب أن يعلم، الجميع أن هذا المستقبل لا يجب أن ينبني على منطق الغالب والمغلوب، وبالتأكيد ليس على المشاعر الثأريّة، لأن هذا المنطق هو ما أوصلنا إلى ما كنّا نحاول الهروب منه، على الأقل بعضنا كان يحاول. ومن البديهي أنه لا يمكن لسوريا أن تدخل زمناً جديداً بنفس العقلية التي سادت لسنوات سابقة، كي لا نعيد دورةً أخرى مما جرّبناه. ويجب أن يكون واضحاً لمعظمنا أنه من غير الممكن للجماعات السورية المختلفة البحث عن أمانها الخاص على حساب أمان الآخرين، وحتى حين تنجح إحدى الجماعات بذلك لفترة مؤقتة، فإنها سوف تتفاجأ لاحقاً بتحوّل هذا الأمان إلى مصدر للخوف، حين تختل موازين السياسة التي لا موازين دائمة لها.
بالمقابل، لا يجب للقضية الكردية، كما غيرها من قضايا الجماعات السورية، أن تكون عبئاً على الدولة الجديدة، وهذا مقتلٌ للطرفين. وواجبنا أن نسعى جميعنا لتحويلها إلى ما يمكن وصفه بأنه اختبار لجدّية الدولة في إيجاد الحلول الجذرية والدائمة. فعلى الدولة في المركز الاعتراف بحقوق الكرد، ثقافياً وحقوقياً وسياسياً كباقي الجماعات، وهذا ليس منّةً ولا تنازلاً بقدر ما هو شرط من شروط الاستقرار. في المقابل، فإن بناء هذا الحق واستمراره كحالة مستدامة لا يمكن أن يستند إلى رهانٍ وقتيّ على قوة خارجية، ولا إلى معادلة صفرية ترى في الدولة المركزية عدواً أبدياً. فالدولة، مهما كان شكلها المقبل، يجب أن تكون إطاراً جامعاً، وإلا ستبقى الصراعات التاريخية كامنة وبحكم المؤجّلة.
بقليلٍ من البصيرة، سنجد أن أكثر ما نحتاجه اليوم هو إعادة تعريف النصر والفوز والربح على المستوى الوطني الجامع، من دون الخوض بمن انتصر أو هُزم آنيّاً من الجماعات السورية. فلن يكون فائزاً، بالمعنى الاستراتيجي من يستطيع اليوم، مع موازين القوى المحلية والدولية الحاليّة، السيطرة على الأرض وعلى المؤسسات، فكل ذلك قابل للتغيّر في ظروف مستقبلية مختلفة. ما يحتاجه جميع السوريون حقيقةً أن يشعر المواطن، كل مواطن، أنه محمي بالقانون والمواطنة المتساوية، بعيداً عن الجغرافيا المناطقية والاصطفافات العرقية والطائفية والولاءات المسلّحة. مع وجوب النزوع إلى إجماعٍ سوريّ بأن أي نصرٍ هو زائف عندما يتشكَّل كإحساسٍ لدى إحدى الجماعات، في حين يزرع شعوراً بالهزيمة والمهانة في قلب جماعة أخرى. وهذا الأخير شعور لا يموت، بل ينتظر لحظة انفجاريّة تالية.
خلال النقاشات التناحرية المحتدمة، بين معظم الأطراف، أتساءل أحياناً، أليس من الأجدى لو تراجع كل طرف خطوة، وكفَّ عن النظر إلى الآخر بوصفه مشروع خطر مؤكّد؟ في حين كان وما زال الأجدر والأجدى أن نبدأ برؤية بعضنا كشركاء وطنيين في كل شيء، والشراكة هنا بالتأكيد لا تعني الذوبان وإنكار الخصوصيات، بقدر ما هي نوع من الاتفاق أن نكون على أرضيّة واحدة.
أثبتت السنوات السورية الأخيرة، أن كل الصراعات التي تشكلت بفعل عوامل شاذّة وطنياً، قامت على الخوف من المختلف وضرورة هزيمته، إن لم يكن محوه من التاريخ. ومن البديهي أن الاستمرار بهذا المنطق لن يجلب لا استقراراً ولا حتى مستقبلاً لبلدٍ يراهن عليه معظم السوريين المتعبين. وأن تلك التحالفات التي قامت على الحاجة المؤقتة، لا تسهم بحالٍ من الأحوال، في إنتاج مصير وطنيّ جامعٍ ومشترك. يمكن القول من دون كثيرٍ من التدقيق، أن الجميع في سوريا، من دون استثناء عاش تجربة أنّه قوي ومنتصر في لحظةٍ ما، ثم هدفاً مطارداً ومستهدَفاً في لحظة أخرى. على هذه الدوامة ألا تستمر وكأنها قدر محتوم، فهي لن تجلب النصر لأي طرف، عندما نكررها بالعقلية ذاتها.
خلال النقاشات التناحرية المحتدمة، بين معظم الأطراف، أتساءل أحياناً، أليس من الأجدى لو تراجع كل طرف خطوة، وكفَّ عن النظر إلى الآخر بوصفه مشروع خطر مؤكّد؟ في حين كان وما زال الأجدر والأجدى أن نبدأ برؤية بعضنا كشركاء وطنيين في كل شيء، والشراكة هنا بالتأكيد لا تعني الذوبان وإنكار الخصوصيات، بقدر ما هي نوع من الاتفاق أن نكون على أرضيّة واحدة في دولة مدنية، تقوم سيادتها على قوانين غير تمييزية. دولة تستمد ربحها ونصرها وبالتالي كرامتها من كرامة وفوز مواطنيها جميعاً، من دون استثناءات لا ظاهرة ولا مخفية، وبالتأكيد من دون امتيازات مسكوتٌ عنها لطرفٍ على حساب الأطراف الأخرى. وهنا أشير إلى الحكام الجدد، فهذه المبادرة لا يستطيع السير بها، والنجاح في الوصول إلى مآلاتها سوى من يتربعون في سدّة الحكم اليوم. وعلى المعارضة بالتالي التركيز في نضالها على هذا الحقل.
بالمناسبة، لستُ واهماً هنا، لأقول إنّه في سبيل ذلك يجب التنازل عن الذاكرة والألم ولا حتى عن الشكوك تجاه الآخر، لو أردتم. ما أبحثُ عنه للأمانة هو الكيفية المعقولة لتحويل هذه الذاكرة المُثقلَة بالوجع إلى ما يمكن أن يكون أداة تَستثمِر في المستقبل، من دون الرجوع لعقلية تصفية الحسابات. وأن نختار وننحاز لفكرة التعايش ليس بالطريقة الكسولة أو لأنها الخيار السهل، إنما لأنها الخيار الوحيد الذي لم نجرّبه بعد بقناعةٍ وروحيّة إيجابية صادقة. هل بدوتُ لكم، كعادتي، رومانسيّاً واهماً ومثالياً؟ ربما لديكم بعض الحقّ، فهذا ما أنا عليه، ويبدو أنني لن أغادر مساحتي تلك بعد هذا العمر. طبعاً هذا لن يلغي معرفتي التامة أن الغد لن يكون مثالياً، وربما يظلُّ هشّاً لفترة طويلة. مع ذلك سأبقى أراه بعين من يريده أن يكون قابلاً للإصلاح، بعيداً عن تكرار تجارب الماضي المأساويّة.
سأختم هنا مثلما بدأت، بكلمةٍ لأصدقاء كرد نبلاء، عرفتهم وعرفت معادنهم الحقيقية في أسوأ الظروف، في فرع فلسطين وسجن صيدنايا، ولهم في العقل والقلب والروح ما لهم: يا أصدقائي، أعلم أن الوجدان والروح والمخيّلة الجمعية الكردية، كما عرفتها منكم، تقوم وترتكز على عالمٍ وتاريخ غنيّ حفِظَته، كحقائق وأساطير، روائع الموسيقى والأغاني والمرويات الشعبية التي تعتمد النبل والبطولة النزيهة، وهو ما لا يشبه على الإطلاق عالم السياسة اليوم. ربما هذا ما سوف يودي الآن إلى الشعور بمرارة الخذلان. مع ذلك، بعيداً عن وسخ السياسة التي أكره، ما زال رهاني الدائم الذي لن يتزحزح، على أن هذا الشعب، سيبقى حاملاً لتلك الروح البطولية النزيهة والنبيلة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى