الرقم الذي أخاف البلاد.. حكاية “حماة 82” بلسان أهلها

سامر القطريب

“لا يمكن للحياة أن تهبني أعظم من أم حسين، أمي التي قال لها الضابط البعثي: قولي إنو زوجك قتلوه الأخوان ومنعطيكي بيت.. جاوبتهم “لا مو هيك! الجيش هو الذي اعتقل زوجي!.. لم تكل ولم تمل أبدا، أتذكر أنها بعد مضي سنوات أخذتني معها إلى وزارة الداخلية للسؤال عما إذا كان أبي مسجونا في تدمر أو أي مكان آخر، قلعونا من المكتب وقال ما عاد ترجعوا تسألوا..”.
هكذا يروي المصور الفوتوغرافي حسين حداد ابن حي الزنبقي، جزءا من ذاكرته المليئة بتفاصيل ومرويات تهمس في الأذن عن “مجزرة حماة 82″، تلك المجزرة التي منع نظام الأسد ذكرها إلا باعتبارها “نصرا” على الأعداء، لكن همس تلك الأيام تحول بعد تحرير البلاد إلى صوت عال يطالب بالحقيقة والعدالة للضحايا.
حسين الذي كان طفلا لا يتجاوز العام عند ارتكاب قوات النظام المخلوع و”سرايا رفعت الأسد” للمجزرة، مازال متعلقا بعد 44 عاما بتفاصيل وجه أمه الذي يعبر عن الأمل، يقول حسين لموقع تلفزيون سوريا: “وجهها يتلألأ عند كل إشاعة متداولة بأن غدا سيكون هناك قرب ساعة العاصي أو عند مفرق جامع النوري مفرجٌ عنهم من سجن تدمر أو صيدنايا..”.
” مبنى قيادة الشرطة فوق بيتنا”
يروي حداد مشهدا من ذاكرته عند بلوغه سن السادسة: “كنا دائما نعرف أن أبي سيعود يوما ما! أتذكر ركام بيتنا في الزنبقي، قبل أن يبنوا فوقه مركز قيادة الشرطة! تمسك أمي يدي بقوة وتقول لي “هون كان بيتنا” أتذكر كيف كانت يدها قوية وصلبة وأتذكر أنني قلت لها يعني إذا بحفر هون بلاقي بيتنا؟ أسلئة الأطفال وكأنني كنت أريد أن أحفر بيدي كي أعرف كيف يمكن لبيتي أن يكون. كيف شكل القبو الذي بقينا تحت أنقاضه بعد أن حفرت أمي بيدها الكريمة وأنقذتنا!”.
بعد سقوط النظام المخلوع، استطاع أهالي مدينة حماة فتح بيوت العزاء لأحبائهم الذين قتلو وفقدوا في المجزرة، التي راح ضحيتها وفق تقارير صحفية ما يقارب 40 ألف شخص إضافة إلى 17 ألف مفقود، أحياء بكاملها دمرت وعائلات مسحت أو كادت تمسح من السجل المدني.
“نحن في حماة كنا نمشي على أجساد أهالنا دون أن يحق لنا التذكر، قهر يومي داخل شبه مدينة. لسنا شعب نشامة فقط، نحن الذين أجبرنا على المشي فوق جثث أهلنا دون أن نبكيهم”. يقول حسين.

يتابع حسين “تقول لي أمي إنها عندما استطاعت أن تخرج من تحت الأنقاض وفي طريقها من حيّنا إلى حيّ الشمالية كان هناك جنود يسألون بعض النساء إن كانت هذه الجثث تخصهم فيجبرونهم على البزاق على جثامين أحبائهم وأقاربهم.. سمعت الكثير من القصص المؤلمة واليوم في 2 شباط، أرجو أن لا يتحول هذا اليوم لذكرى فقط”.
لم ينتم والد حسين “محمد حسين حداد” إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تذرع نظام حافظ الأسد بها لاجتياح المدينة، عمل مدرسا لمادة الرياضيات وكان “منفتحا” ويهوى عملية الحساب.
“حماة 82” الرقم المرعب
يحلم حسين بإعادة إحياء المدينة من أحياء الزنبقي والشمالية والعصيدة والبارودية والأميرية والكيلانية والحوارنة وسوق السجرة والحاضر الكبير. ويشدد على أن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الدولة، تبدأ بفتح تحقيق جدي والاستماع للشهود و بدء العمل على إعمار أحياء المدينة، وإنصاف أهلها، “معروفة الألوية يلي شاركت بالمجزرة ليس صعبا على أي مهتم، ننتظر جدولة خطط ومشاريع للبدأ في المحاسبة وإنصاف أهل البلد”.
في الثامنة عشرة انتقل حسين للدراسة في حلب، وكان الرقم “82” عاملا حدد سير حياته وعلاقاته الاجتماعية في مدينة أخرى سمع أهلها عن “أحداث حماة” و”الإخوان المسلمون” ونظام لا يرحم”.
يروي حداد أنه ضمن الأحاديث العامة واليومية، كان الأصدقاء والمعارف يسألونه عن والده فيقول إنه توفي في العام 1982، هذا التاريخ كان كافيا لإثارة الرعب في قلوب المحيطين به إلا قلة منهم، ما دفعه لاحقا لتغيير تاريخ وفاة والده إلى العام 1985 والسياق الذي توفي فيه أيضا.
مجزرة حماة التي كانت عصية على التوثيق في ظل حكم آل الأسد أصبحت مرويات تُهمس وتتناقلها الأجيال، ويروي حسين أنه سمع رواية تقول إن رجلا كبيرا في السن أمروه باختيار أحد أبنائه السبعة ليقتل، لكنه رفض قائلا إما أن تطلقوا سراح الجميع أو تقتلوني، فقامت سرايا الدفاع بتصفيتهم جميعا رميا بالرصاص.
أما في المدن والبلدات الجارة لـ حماة، يقول أهال لموقع تلفزيون سوريا إن الحديث عن “حماة 82” خارج سردية النظام، كان بمثابة “الانتحار”، هذا الصمت والخوف مهد الطريق لاحقا لاتساع رقعة المجزرة، عقب اشتعال الثورة السورية 2011، وشملت المجازر محافظات ومدنا سورية انتفضت في وجه نظام الأسد المخلوع، لتصبح “حماة 82” مجازا عن “قوة الموت” التي امتلكها السلطة البائدة.
“طفل كبُر ليؤرخ المجزرة”
مهدي وليد الشققي باحث في التاريخ، من أبناء حي المدينة نزلة البراد، كان عمره وقت المجزرة “12 عاما” أي في الصف الثامن، يروى لموقع تلفزيون سوريا أجواء المدينة قبل ارتكاب المجزرة: “قام النظام البائد بالتحضير من خلال عدة ممارسات قبيل المجزرة لما لهذه المدينة من مكانة دينيه وعلمية وأدبية وسياسية فمن أحداث جامع السلطان عام 1964 والمدينة لم تهدأ كجمر تحت الرماد وهي تحت المنظار والمراقبه لكل حراك أو تجمع، فقد ظهرت عدة أدلة للمجتمع الحموي عن نية النظام السوري تجاه مدينتهم الغالية حماة وأهلها، منذ سنوات.. حيث أن قرار حمامات الدم في سوريا كلها متخذة منذ عام 1980، وأحداث نيسان عام 1981 من منع التجول (سبع أيام والآخر ثمان أيام) والاعتقالات العشوائية التي طالت مختلف شرائح المجتمع الحموي الفاعل وذوي المكانة، حيث استطاع أهل حماة ومجاهدوها أن يمنعوا السلطة من اجتياح المدينة، وجدت مخاوف من أن تنتقم السلطة في فرصة قادمة، وقد اعترف محافظ حماة (محمد خالد حربة) في خطابه بمعمل البورسلان بعد المجزرة أنه هو الذي منع حدوثها قبل موعدها المقرر بسنتين وهذا هو الدليل على النية المبيته تجاه مدينة حماة”.
سرايا الدفاع والتحضير للمجزرة
يقول الشققي إنه “في يوم 11 من تشرين الأول عام 1981 حرضت السلطة أجهزتها القمعية في حماة على اضطهاد أبناء المدينة بكل نسيجها وشرائحها لأي سبب كان، فحركت آلتها القمعية وهي فروع المخابرات والكتائب الحزبية المسلحة والكتائب العمالية ليعيثوا في المدينة فساداً، فأرسلت بتاريخ 7 من كانون الأول عام 1981 عدة آلاف من سرايا الدفاع لاضطهاد الشعب واعتقال آلاف المواطنين من كل القطاعات، وعلى مختلف أعمارهم وثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية. وصارت المدينة منذ هذا التاريخ تعيش أقسى أيامها بمناسبة تبديل البطاقات الشخصية الجديدة التي كانت ككمين للاعتقال، إذ نصبت السلطة حواجز ثابتةً وطيارة لسرايا الدفاع ومعهم مخبرين ملثمين (حسب ما شاهدت بأم عيني في تقاطع مدرسة الراهبات ومخفر الحسنين وشارع ابن الرشد وتقاطع نزلة الجلاء) لتفاجئ المواطنين للكشف عن هوياتهم وأمرتهم أن يسيروا رافعي الأيدي بالهويات أو أن يعلقوها على الصدور، واتخذت ذلك ذريعةً لإهانة المسنين والنساء وما تبقى من الأطباء والمهندسين بالضرب والسباب. ولم يراعوا حرمة النساء اللواتي ينزع عنهن سترهن أو يضربن بالعصي وأعقاب البنادق وكذلك أمروا الطالبات بخلع الحجاب أمام مدربي الفتوة”.
وكذلك من الأمثلة الشائعة بحسب الشققي، تفتيش المواطنين والمسدسات مسلطة على رؤوسهم أو ضربهم وشتمهم، فإذا تشابهت كنية أحدهم بأحد المطلوبين للاستخبارات يتم اعتقاله بطريقة وحشية بشكل مباشر، أوبتطويق حي بأسره كما حصل في حيي الباشورة والعليليات وباقي الأحياء، وإخراج الناس لإذلالهم وامتهان كرامتهم، وذلك بأمرهم بإدارة وجوههم إلى الجدار رافعي الأيدي ساعات ثم اختيار أفرادٍ بعينهم لحلق نصف شعر الرأس لأحدهم، أو حلق أحد طرفي شارب الآخر، أو نتف لحية الشيوخ العلماء والمسنين أو حرقها بقداحات الغاز، وقد طلب من أحد الرجال المسنين في (حي البارودية حسب ما سمعنا) وهو يبلغ السبعين من عمره أن يرقص بالقوة، فعاد إلى بيته ولم يخرج حتى مات كمداً بعد شهر. وفق الشققي.
لم يسلم أحد من سكان مدينة حماة من بطش جيش النظام وسرايا الدفاع آنذاك ويقول الشققي “في حينا (حي المدينة) لم يسلم جيراننا المسيحيون من الاضطهاد، فقد صوب أحد عناصر السلطة في القلعة سلاحه وضرب صليب كنيسة السيدة العذراء الكائنة في (حي المدينة) فكسره. كما تطاول عناصر السلطة على بناتهم فتحرشوا بهن كما في باقي شوارع وأسواق حماة”.
وبعد ذلك عمدت السلطة إلى تفجير البيوت بألغام الديناميت في أثر وشايةٍ أو تقرير من أي مخبر يفيد أن أحد المعارضين زار البيت أو تردد إليه. و “بدون إنذار لإخلاء البيوت أو السكان المجاورين، كما حصل في بيت ابن عمنا المهندس هاني الشققي في حي الباشورة وبيت ابن عمنا بشر الشققي الذي استشهد فيه ومنزل آل ذكرى في طلعة باب القبلي وبيوت آل العلواني في العليليات وبيت لآل القصاب بالشيخ عنبر وبالبارودية والعديد من البيوت ومصادرة بعضها من قبل حزب البعث”، وفق الشققي.
قبل يوم من بدء المجزرة في 1/ 2 / 1982
تناقل الناس أن هناك طائرات مروحية أنزلت كثيرا من عناصر الجيش في الملعب البلدي، كان السكون مطبقا يكسره أنين النواعير في مياه العاصي الضعيفة، ويسرد الشققي التفاصيل لموقع تلفزيون سوريا “أخذ بعض السكان الحيطة وما إن حل وقت المغرب فرغت الشوارع من المارة سوى لأمر طارئ وضروري وما إن جنّ الليل وصارت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وكان الجو باردا جدا والسكون يعم المكان حول منزلنا ونهر العاصي ضعيف الجريان جدا ونسمع صوت الناعورة المحمدية حيث كانت متوقفة عن الدوران، فجأة تخرج أصوات تشق سكون ذلك الليل القارص من المآذن القريبة والبعيدة بالتكبير والدعوة للجهاد معلنة صفحة جديدة من تاريخ حماة خاصة وسوريا عامة ببدء وانطلاق ثورتها ضد مستبد ظالم حكم البلاد بالحديد والنار فمن هنا كانت البداية”.

البداية: الثلاثاء  2 / 2 / 1982
في هذا اليوم ضجت حماة بأصوات الرصاص والمدافع والقاذفات، في الساعة التاسعة ليلاً طوقت قوات سرايا الدفاع التابعة لـ “رفعت الأسد” المدينة، ويوضح الشققي “في فجر تلك الليلة السوداء حيث كانت البداية الفعلية للمجزرة التي استمرت بعد ذلك شهراً كاملاً، وكانت سرايا الدفاع مع قوات مكثفة من الجيش النظامي تحاصر منزلاً في حي البارودية (حسب ما نقل لنا من الذاكرة الاجتماعية والشعبية في المجالس فيما بعد) وتشتبه بأن هناك مركزا للمعارضة ضد النظام في ذلك الحي، وفي تلك الليلة عمدت السلطة إلى إغلاق كل مخارج المدينة، وعزلتها عن العالم الخارجي، ورافق ذلك انقطاع الكهرباء، والهاتف، ودخلت المدينة منذ ليلة الثلاثاء في ظلام طويل. فقاوم بعض الشباب التابعين للطليعة المقاتلة وهب معهم شباب المدينة ورجالها ونساؤها وشيوخها للذود عن حياض مدينتهم وصون أعراضها وصمدوا مدة 27 يوما سطروا فيها البطولات الرائعة التي تذكرها أجيال حماة جيلا بعد جيل”.
وتابع “ما إن لاحظت السلطة هذه المقاومة والاستماتة بالدفاع عن المدينة حتى قام المجرم حافظ الوحش والمجرم أخوه رفعت بارتكاب عمليات الإبادة الجماعية التي تمت بحق المدينة من إعدام الآلاف إلى هدم وتدمير الأحياء على ساكنها وإلى تدمير الجوامع والكنائس، إلى نبش وجرف المقابر كما في مقبرة الحاضر ومقبرة باب البلد، كل ذلك تم فعلياً بعد أن سيطر الجيش النظامي على المدينة كلياً، وأصبحت أحياؤها تحت بطشه وفي قبضته”.
حماة بعد أن صمتت المدافع.. طمس معالم المجزرة
بعد صمت المدافع وقصف الطائرات لمدة شهر سكن كل شيء، قامت قوات النظام المخلوع بطمس معالم المجزرة ودفنت الشهداء في حمام الحلق وفي قبو أول طلعة جزدان وفي عمارة زهير مشنوق ومئات الأماكن والساحات وفي سور مقبرة سريحين، ويقول الشققي: “شاهدت بعيني سيارات الجيش تأتي من جهة باب الجسر باتجاه طلعة باب القبلي وهي محملة بالجثث لتأخذها لدفنها خارج حماة (أغلب الظن) عدا الجثث التي بقيت تحت الركام والدمار حتى الآن في حي الزنبقي والعصيدة والشمالية والكيلانية وبين الحيين، ثم انسحب الجيش وبقيت العناصر الأمنية. في محيط الأحياء المدمرة تجرأ الناس وخرجوا ليروا ما حدث ورأوا أن القيامة قامت فأخذ الأهالي بالبحث عن أقاربهم الذين استشهدوا ليدفنوهم”.
وبدأت تخرج أرقام أولية للشهداء وفقا لإحصاءات محلية، وجاءت الصدمة بعد أن أحصت منظمات دولية أعداد القتلى التي تجاوزت 40000 ألفا من الشهداء.
“حماة 82”.. الرواية الحموية
عاشت حماة 44 عاما مرغمة على الصمت، حتى قيام الثورة السورية عام 2011، التي حاولت إحياء الذاكرة الحموية عبر الأغاني والبيانات والكتابات الصحفية وغيرها.
وحول الصمت المطبق الذي كان يلف المجزرة يروي الشققي “كان يُمرر تاريخ 2/ 2/ 1982 للأجيال التي ولدت بعد المجزرة برواية قصص واقعية حدثت في كل شارع وزقاق عرفتها عائلات حماة كل حسب الحي الذي يقطعه مع ملاحظة عدم اختلاف في الروايات المنقولة من لسان شهودها الذين ما زالوا أحياء والتي كانت تروى بدقة لتحفظ في قلوب الأطفال والأجيال ليخلدها التاريخ”.
ويتابع “لذلك وبعد مرور أكثر من أربعة عقود أنظر كباحث تاريخي “حموي” إلى إظهار الحقيقة بدون مواربة أو تزييف لما جرى ليكون نقلا صادقا لأخذ حق دماء الشهداء الأطهار وتحقيق العدالة الانتقالية من المجرمين دون تجاوز لأحداث وأسباب مجزرة عام 1982 وذلك من خلال فتح الملفات الحقوقية والدعاوي القانونية على رموز هذا النظام وأعوانه وبهذا نأخذ بسوريا إلى بر الأمان والتوجه نحو البناء والإعمار”.
​ويضيف “فلو قُدّر لي أن أفتح مساحة للذاكرة في مدينة حماة أفضل إقامة نصب تذكاري ومتحف بانورامي في مدخل هذه المدينه الوادعة على ضفتي العاصي يخلد هذه الذكرى لتكون عبرة ودرسا نستمد منه القوة لعدم ضياع بلدنا مرة ثانية ويختصر حكاية هذه المدينة وشعبها الطيب والرائع والمحب لمدينته منذ التاريخ بمراحله مرورا بشباط الأسود سنة 1982 إلى يوم تحريرها وتحرير سوريا عامة على يد أبنائها المخلصين..”.
موت “مهندس المجزرة” لا يلغي المساءلة
في 21 من كانون الثاني 2026، مات مهندس مجزرة حماة، رفعت الأسد في دولة الإمارات العربية المتحدة عن عمر ناهز 88 عاما، وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان في بيان على موقعها الرسمي: إن وفاة رفعت الأسد تعد محطة مفصلية في مسار محاسبة المسؤولين عن واحدة من أبشع الفظائع الجماعية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وبصفته نائب الرئيس السوري السابق وأحد أبرز مهندسي مجزرة حماة عام 1982، فإنَّ وفاته قبل مثوله أمام قضاء سوري تُجسّد اكتمال الإفلات من العقاب على المستوى الوطني، لا بوصفها مصادفة بيولوجية، بل بوصفها نتيجة لسياسة ممنهجة اتبعها نظام حافظ الأسد في حماية أعمدة العنف المؤسسي، بما في ذلك رفعت نفسه، عبر توفير الغطاء السياسي والأمني لعمليات ارتُكبت بتنسيق مباشر وتحت إشراف أعلى مستويات السلطة، وعلى امتداد لأكثر من شهر. ومع أنَّ الوفاة تُغلق الباب أمام الملاحقة الجنائية المباشرة للشخص المتوفى، إلا أنَّها لا تُنهي أشكال المساءلة الأوسع نطاقًا التي تعمل بمعزل عن بقاء المتهم حيًا، ولا تُسقط إمكانات استرداد الأصول، ولا مساءلة الشبكات التي سهّلت الجريمة أو استفادت من عائداتها”.
ذاكرة حماة تنهض من تحت التراب
كبر الطفل الذي “دُفن يوماً حياً” تحت ركام بيته في حماة، لكنه لم ينسَ. حسين حداد، الذي عاش عقوداً يبتلع الخوف كما يبتلع الهواء ويغلق نوافذه على الحكايات الممنوعة، قرر أخيراً أن يواجه مدينته وذاكرته وجهاً لوجه. كما يقول.
و​من تحت القناطر المنهارة وفي الزوايا التي سكنها الصمت أربعة وأربعون عاماً في حماة، استخرج حسين صوره ليقيم معرضه في إسطنبول؛ ليس كمجرد توثيق بصري، بل كصرخة انفجرت بعد صمت ثقيل. يقول حسين إنه لم يمشِ في شوارع حماة فوق الأرض، بل كان يمشي فوق الذاكرة، يحاول استخراج نفسه من تحت أنقاض “حيّ” لم يعد موجوداً، ليعيد رسم تاريخ المدينة الذي حاول القتلة محوه.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى