
إنّ الحديث عن المسألة الكردية وتشكّلها موضوع تاريخي-سياسي معاصر، عمره تقريباً من عمر الدولة السورية الحديثة، وقد كانت مطالب وخيارات الأحزاب الكردية، قبل تسلّط “قسد” على الكرد، متوائمة مع حجمهم وقدراتهم في سوريا، وحريصة على الحفاظ عليهم، بتوزعهم على كامل الجغرافيا السورية.
وتفيد مصادر مختلفة أنّ مجموعات كردية قدمت في القرن الحادي عشر بصحبة صلاح الدين الأيوبي، وسكنت في بعض المدن الشامية والمناطق الساحلية، واندمجت وتعرّبت، مثل جبل الأكراد في الساحل السوري وحي الأكراد في دمشق.
وهناك الأكراد الذين وفدوا إلى سوريا في عشرينيات القرن الماضي، في زمن الانتداب الفرنسي، وتركز معظمهم في الجزيرة السورية بمحافظة الحسكة، ومنهم ظهر قادة وطنيون لعبوا دوراً بارزاً في الثورة السورية الكبرى وفي قيادتها، ولم يتصرفوا بصفتهم أكراداً بل كوطنيين سوريين.
وخلال عقود أكدت الأولوية السابقة ما هو مشترك بين الأكراد وسواهم من السوريين، أي النضال من أجل بلد تتحقق فيه الحريات العامة والخاصة، علماً أن العديد من الحقوق التي تنادي بها الأحزاب الكردية يندرج ضمن هذا المشروع: الحقوق الثقافية، وحق التعلم باللغة الأم، والحصول على الجنسية، وهذه الحقوق ليست خاضعة للمساومة السياسية.
تسبّب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في خلق شرخ بين كرد سوريا أنفسهم وبينهم وبين المجتمع السوري، إذ لم تكن حقوق الكرد ومظلوميتهم إلا مطية لها لتحقيق مصالح حزبية ضيقة..
إنّ الربط بين المسألة الكردية في سوريا وممارسات وتوجهات”قسد”، لا يخدم الجهد الساعي إلى تقديم حلول واقعية وطنية للمسألة الكردية، إذ إنّ مشروعها “مشروع إقليمي”، دخل إلى سوريا بناء على توافقات وتفاهمات مع النظامين الإيراني والسوري، منذ 2015، بهدف المصادرة على الورقة الكردية السورية، والسوريون الكرد يدركون قبل غيرهم الطبيعة التضليلية لهذه المشاريع.
ولكن، في غياب مقاربة واقعية متماسكة مطمئنة لهذه المسألة، من جانب السلطة الانتقالية الحالية، يكسب المشروع المزيد من التأييد، على الرغم من اقتناع الأغلبية بأنه مشروع الغاية منه تسجيل النقاط لشعارات وأهداف حزب العمال الكردي في تركيا.
لقد تسبّب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في خلق شرخ بين كرد سوريا أنفسهم وبينهم وبين المجتمع السوري، إذ لم تكن حقوق الكرد ومظلوميتهم إلا مطية لها لتحقيق مصالح حزبية ضيقة، بالتعاون مع النظام البائد المسبب الرئيسي للمظلومية الكردية في سوريا.
ولا شك أنّ متطرفي القوميين العرب يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن إيصال الكرد إلى مرحلة الكفر بالوطن الواحد والعيش المشترك، فهم طالما نظروا إلى الكرد كأغيار، وتجاهلوا قضاياهم وحقوقهم.
وقد ساد مفهوم “فوبيا الانفصال الكردي”، من دون تمعّن وتفكير واطلاع على الواقع، فمجرد مطالبة الكردي السوري بأدنى حق يتهم بالانفصالية ويحكم عليه أنه يسعى الى تقسيم البلاد واقتطاع جزء منها.
وفي حقيقة الأمر فإنّ غالبية الكرد السوريين لا يرون من مصلحة شعبهم الانفصال أو إعلان الاستقلال لأسباب وجيهة ذاتية وموضوعية، إذ إنهم يدركون أنّ القانون الدولي قد قيد مبدأ حق تقرير المصير بعدة قيود، حتى لا يؤدي إلى تفتيت الدول وزعزعة سيادتها، فلو أنّ كل الأقليات في الدول ستقول بأنّ لها لغة وتاريخ مشتركاً، وبالتالي تطالب بالانفصال عن الدولة الأم، فإنّ هذا يعني تفتيت الدول.
وفي الواقع فإنّ الأحزاب الكردية، منذ نشأتها في العام 1957، كانت على الدوام تطالب بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية للكرد في سوريا، وأهدافها تلك ما زالت تتصدر بياناتها، إذ تدرك أنّ توزّع الأكراد الديمغرافي على قسم كبير من الجغرافيا السورية، خاصة في مدينتي دمشق وحلب والساحل، واختلاطهم الكثيف في مناطق الجزيرة السورية وشرق نهر الفرات بالعرب وغيرهم من القوميات الأخرى، يجعل الخيار الوطني السوري خياراً مفروضاً موضوعياً بقوة الجغرافيا والديمغرافيا.
وفي هذا السياق، يجب على “قسد” الإعلان عن فك ارتباطها مع “حزب العمال الكردستاني” التركي من جهة، وتأكيد توجهاتها الوطنية السورية، ولعلَّ اتفاقها الأخير مع السلطة السورية على إيقاف إطلاق النار يشكّل بداية للحل المرضي، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، بما فيها دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، والاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
ليس من شك في أنّ المظلومية الكردية هي مظلومية وطنية سورية، لهذا تبدو الحاجة ملحة الآن إلى تنظيم وإطلاق حوار وطني واسع، يقوم به سوريون أحرار، يمتد ليشمل البلد بكامله، يفضي إلى عقد اجتماعي جديد، يضمن حقوق كل مكوّنات الشعب السوري في المواطنة المتساوية..
ومن المؤكد أنّ “المرسوم رقم 13″، الذي يتضمن الإقرار بأنّ اللغة الكردية لغة وطنية، خطوة مهمة على طريق تعزيز الاندماج الثقافي والحقوقي للكرد في سوريا، يعترف بهم باعتبارهم جزءاً أساسياً من المجتمع السوري، ويمنحهم حقوقاً ثقافية ولغوية واجتماعية، ومع ذلك، يظل التنفيذ العملي والتشريعات التفصيلية العنصر الحاسم لنجاح هذا المرسوم، مع تثبيت الحقوق السياسية لكل المكوّنات السورية.
إنّ التحدي لا يقتصر على انتزاع الاعتراف، بل على بناء ثقافة كردية سورية قادرة على مساءلة ذاتها، وعلى الانفتاح على محيطها، وليس من شك في أنّ المظلومية الكردية هي مظلومية وطنية سورية، لهذا تبدو الحاجة ملحة الآن إلى تنظيم وإطلاق حوار وطني واسع، يقوم به سوريون أحرار، يمتد ليشمل البلد بكامله، يفضي إلى عقد اجتماعي جديد، يضمن حقوق كل مكوّنات الشعب السوري في المواطنة المتساوية.
وإنه لأمر بديهي أنّ استعادة الدولة أولاً، وإرساء الدولة الوطنية الحديثة، والمجتمع الديمقراطي التعددي ثانياً، يشكلان حجر الزاوية في العقد الاجتماعي المأمول.
إنّ الأمر يتطلب بلورة عقد وطني جديد، وهذا يستدعي أن يتناول الحل القادم، الذي أقره قرار مجلس الأمن الدولي 2799، المسائل الأساسية كلها، التي تهم جميع المكوّنات السورية، من خلال انخراط الجميع في عملية صياغة هذا العقد، مع توفير الضمانات لإنجاحه وتثبيت نتائجه وحماية هذه النتائج.
مما يستوجب الانخراط في إنتاج نظرة سورية راهنة إلى سائر القضايا السورية، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال من الصراع القومي إلى الحوار الوطني، الهادف إلى بناء الدولة الوطنية الحديثة، دولة كل مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات.
المصدر: تلفزيون سوريا





