
تطرح مسألةُ كيفية دعم التطلعات الشعبية المشروعة للحرية، مع معارضة الاستبداد الداخلي والتدخل الأجنبي الانتهازي في آنٍ واحد، إحدى أكثر المعضلات إلحاحاً في السياسة الدولية المعاصرة.
ويتفاقم هذا التحدي على وجه الخصوص عند دراسة حركات الاحتجاج في دولٍ ذات أهمية استراتيجية، حيث تصبح المطالب الحقيقية بالتحول الديمقراطي عرضةً للارتهان لحسابات جيوسياسية خارجية.
وتجسّد الاحتجاجات الجارية في إيران، التي بدأت أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2025، وتطورت بسرعة من مطالب اقتصادية إلى مطالب شاملة بالتغيير السياسي، هذا التوتر بوضوحٍ لافت.
يكشف التطور الأيديولوجي للاحتجاجات اتساع نطاق المعارضة وتعقيد تصور البدائل، ففي حين يحظى مطلب النظام السياسي الديمقراطي بتأييد واسع، تبدو التصورات التفصيلية للترتيبات المؤسسية أقل تبلوراً..
وقد وُصفت هذه الاحتجاجات بأنَّها الأكبر منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وهي تواجهنا نحن المراقبين، وبشكل خاص أبناء ثورات الربيع العربي بتحدٍ تحليلي وأخلاقي بالغ الأهمية يتمثل في صياغة إطار متماسك يُقر بشرعية المقاومة الشعبية للاستبداد، ويرفض في الوقت نفسه توظيف هذه المقاومة من قِبل قوى أجنبية تسعى إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية.
طبيعة الانتفاضة الشعبية وشرعية المطالب الديمقراطية
تجاوزت الاحتجاجات التي اندلعت في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، والتي جاءت في سياق الانهيار الاقتصادي والتراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية، إطار دوافعها المعيشية المباشرة، لتتبلور تدريجياً في شكل مطالب ذات طابع سياسي بنيوي.
فقد عكست الشعارات التي رفعت في المدن الكبرى والبلدات المختلفة مستوى متقدما من الاعتراض الشعبي على المرتكزات الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، وعلى سياساتها الإقليمية، فضلا عن رفض واضح لطبيعة نظام الحكم الثيوقراطي القائم.
وتشير استطلاعات الرأي العام إلى أنَّ نسبةً كبيرة من الإيرانيين، عبر المحافظات والمناطق الحضرية والريفية، ومن مختلف الفئات العمرية والجندرية، تُبدي معارضتها للنظام القائم.
ويُظهر اتساع قاعدة المشاركة، والتي شملت التجار والطلاب والعمال والمتقاعدين، أنَّ الانتفاضة الراهنة تختلف عن موجات احتجاج سابقة، وأنَّها تعكس عمقًا في الاغتراب الشعبي لا يمكن تفسيره بوصفه فعلًا لمجموعات معزولة أو نتيجة لتحريض خارجي.
وكان ردّ النظام الإيراني كارثياً في درجة وحشيته، إذ يشير تقرير هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية الأخير إلى مقتل 28 مواطناً وحملات اعتقال جماعية، وانقطاعات متكررة للإنترنت.
ويؤكد هذا القمع العنيف شرعية المطالبة بالتحول السياسي، إذ إنَّ الشعوب التي تتعرض لمثل هذه المعاملة تملك حقًا أصيلًا في مقاومة الاضطهاد والسعي إلى أنماط حكم بديلة تُصان فيها الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.
ويكشف التطور الأيديولوجي للاحتجاجات اتساع نطاق المعارضة وتعقيد تصور البدائل، ففي حين يحظى مطلب النظام السياسي الديمقراطي بتأييد واسع، تبدو التصورات التفصيلية للترتيبات المؤسسية أقل تبلوراً، وقد عبّر بعض المتظاهرين عن ميول ملكية، في حين ركّز آخرون على رفض النظام القائم من دون تقديم تصورات محددة لما ينبغي أن يحل محله.
ويعكس هذا التعدد تراكم مظالم متعددة الأوجه لدى مجتمع تلاشت فيه الحدود بين المعيشي والاجتماعي والسياسي، ومن ثمَّ، فإنَّ الحركة تمثل تعبيراً قوياً عن الإرادة الشعبية، لكنَّها قد تكون في الوقت نفسه عرضةً للتلاعب من قبل أطراف تسعى إلى فرض أجنداتها عليها.
أخطار التوظيف الجيوسياسي
باتت الاحتجاجات الإيرانية متشابكةً بعمق مع التنافسات الجيوسياسية الإقليمية ومنافسة القوى الكبرى، بما يهدد بنزع الشرعية عن الحركة ويمنح النظام الإيراني ذرائع لتبرير القمع أو فتح الباب أمام تدخل خارجي مدمّر.
ويظهر في الخطاب الذي تتبناه بعض الجهات الخارجية -إسرائيل على نحو خاص- خطر الخلط بين دعم التطلعات الديمقراطية وبين توظيفها لخدمة مصالح استراتيجية.
والخطاب الداعي إلى الإكراه العسكري، بما يشمل التلويح بالغارات الجوية الواسعة، يمثل نموذجاً للتدخل الذي يقوض الحركات الديمقراطية بدلاً من دعمها، وأعتقد أنَّ التدخل العسكري ينطوي على أخطار جسيمة، فقد لا يؤدي ضرب المواقع العسكرية إلى وقف حملة القمع، وقد يسهم بدلاً من ذلك في تشتيت الاحتجاجات وإضعاف زخمها.
كذلك، فإنّ الهجمات الأوسع التي تستهدف قوات الأمن قد تمتد عملياً إلى المجال الحضري المكتظ، بما يرفع احتمال وقوع ضحايا مدنيين ويهدد بتثبيط عزيمة المحتجين، أمّا استهداف القيادات السياسية فلا يضمن نتائج تخدم المتظاهرين، بل قد يحوّل التعبئة الداخلية إلى مقاومة وطنية ضد عدوان خارجي.
وبالمثل، فإنَّ الدعم الخارجي العلني المقترن بالإيحاء باستعداد للتصعيد العسكري يخلق ديناميكية شديدة الخطورة، فعندما تصدر أجهزة أو جهات أجنبية رسائل مباشرة للمتظاهرين توحي بتضامن عملي أو ميداني، فإنَّها تمنح الأنظمة الاستبدادية مادة دعائية فعالة.
رغم الطابع الدعائي لهذه السردية، فإنَّها تستثمر مخاوف يمكن فهمها سياسياً، إذ إنَّ أي تدخل عسكري خارجي قد يلحق ضرراً بالغاً بالناشطين المحليين عبر تمكين السلطة من تصوير المعارضة الداخلية على أنَّها امتداد لمؤامرة خارجية..
وعلى الرغم من أنَّ أطرافاً خارجية تنظر إلى تغيير النظام في إيران باعتباره وسيلة لإضعاف خصم إقليمي رئيس، وهي مصلحة قد تتقاطع ظرفيًا مع مطالب المحتجين، لكنَّها تختلف عنها في المقصد والغاية.
وقد استغلت الحكومة الإيرانية هذه الإشارات الخارجية لنزع الشرعية عن الاحتجاجات، ووصفتها بأنَّها أعمال شغب مرتبطة بحرب هجينة تقودها دول معادية ومعارضون في الخارج.
ورغم الطابع الدعائي لهذه السردية، فإنَّها تستثمر مخاوف يمكن فهمها سياسياً، إذ إنَّ أي تدخل عسكري خارجي قد يلحق ضرراً بالغاً بالناشطين المحليين عبر تمكين السلطة من تصوير المعارضة الداخلية على أنَّها امتداد لمؤامرة خارجية، وقد يصل هذا الإدراك إلى حد دفع مؤسسات عسكرية عادةً ما تتحفظ في الشأن الداخلي إلى إعلان دعمها العلني للحكومة، وتقديم القمع بوصفه دفاعاً وطنياً لا قمعاً سياسياً.
نحو تضامن دولي قائم على المبادئ
يقتضي رفض الاستبداد والتدخل العسكري معًا بناء إطار للتضامن الدولي يحترم حرية التصرف الوطنية، وحق المطالبة بالتغيير السياسي، وإمكانات التحول الديمقراطي الحقيقي، ويمكن من خلال تجارب ثورات الربيع العربي وبشكل خاص الثورة السورية استخلاص مجموعة مبادئ عملية من القراءة المتأنية لعلاقة الحركات الاحتجاجية بالفاعلين الخارجيين.
أوّل هذه المبادئ أنَّ التغيير لا تكون له آفاق حقيقية إلا إذا انبثق من الداخل، ومن ثم، ينبغي للدعم الدولي أن يعترف بمركزية الحراك السلمي المحلي بدل محاولة توجيهه أو مصادرته، ويتعين أن تتسم المساعدة الخارجية بالشفافية وأن تكون غير توجيهية وقابلة للاستدامة، بما يعزز بناء القدرات على المدى الطويل بدل إنتاج التبعية.
ويقع حق تقرير المصير السياسي، بوصفه مبدأً راسخًا في القانون الدولي، في قلب هذا التصور، إذ يُنتقص منه عندما تحل التدخلات الخارجية محل الإرادة الشعبية في تقرير المسار السياسي.
كذلك، فإنَّ الدعم الدولي الأكثر فاعلية يرتكز على أدوات دبلوماسية وسياسية بدل التدخل العسكري، وقد عبّر المحتجون أنفسهم عن تفضيلهم للدعم السياسي والدبلوماسي على أي تدخل عسكري.
ويسهم توثيق الاحتجاجات وتوثيق ردود فعل السلطات في بناء سجل واقعي يمكن أن ينهض بدور أساسي في مسارات المساءلة المستقبلية، كما يتيح رفع الوعي لدى صانعي السياسات وهيئات بناء السلام فرصاً لدعم انتقال ديمقراطي يعتمد الوسائل السلمية، ويعزز إمكانات التعلم المتبادل بين الناشطين عبر منصات الخبرات المقارنة من دون فرض وصاية خارجية.
ويكون التضامن العابر للحدود أكثر اتساقاً عندما يعزز الأصوات المحلية بدل أن يحل محلها، فالتضامن المبدئي يلتزم بمطالب المتظاهرين، ويرفض جميع أشكال العنف، سواء عنف الدولة أو التهديد باستخدام القوة الخارجية، ويصون الاستقلال السياسي للحركة.
كذلك، يرفض استغلال المعاناة من قبل أي جهة جيوسياسية، سواء عبر التلويح بالقوة بما يخدم مصالح خارجية لا تطلعات ديمقراطية، أو عبر تحويل الاحتجاجات إلى ذريعة لعمليات تغيير مفروضة، أو عبر انتهازية إقليمية تحكمها حسابات طائفية أو جيوسياسية، أو عبر تصوير أي دعم دولي مشروع بوصفه تدخلًا يبرر القمع الاستبدادي.
يستحق المتظاهرون في إيران تضامناً إقليمياً ودولياً يحترم استقلاليتهم ويدعم مطالبهم ويساند حقهم في تقرير مصير دولتهم السياسي، من دون فرض أجندات خارجية أو خيارات عسكرية،.
ويركز الدعم الفاعل على بناء قدرات ديمقراطية مستدامة من خلال حماية الحيز المدني، ودعم الإعلام المستقل، ومنظمات المجتمع المدني، وبناء القدرات حين تطلبها الجهات الفاعلة في الحراك، وتفعيل آليات المساءلة، بما في ذلك التحقيقات الدولية والتدابير الموجهة بحق المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
خاتمة
إنَّ المفاضلة بين الاستبداد والتدخل مفاضلة زائفة في جوهرها، صُممت لإغلاق المجال أمام احتمال حدوث تحول ديمقراطي حقيقي.
يستحق المتظاهرون في إيران تضامناً إقليمياً ودولياً يحترم استقلاليتهم ويدعم مطالبهم ويساند حقهم في تقرير مصير دولتهم السياسي، من دون فرض أجندات خارجية أو خيارات عسكرية، ويتطلب ذلك، في الوقت نفسه، معارضة القمع الوحشي للنظام ومعارضة التدخلات الانتهازية من القوى الخارجية.
ويمكن للمجتمع الدولي أن يدعم تطلعات الإيرانيين عبر التوثيق، والضغط الدبلوماسي، وتقديم أشكال مساعدة مدروسة للمجتمع المدني، وتفعيل مسارات المساءلة، وبناء تضامن يضع الصوت الإيراني في المقام الأوّل.
إنَّ الحفاظ على هذا الموقف المزدوج الرافض للاستبداد الإيراني وللتدخل الخارجي في آنٍ واحد يجسد تعبيراً متماسكاً عن حقيقة أنَّ التحول الديمقراطي لا يُستورد ولا يُفرض بالقوة، وإنما يُبنى من داخل المجتمعات.
فالتدخل العسكري الخارجي غالباً ما يقوض فرص الديمقراطية بدل تمكينها، في حين يمكن للتضامن الدولي، إذا التزم حدود المبادئ، أن يساند الحركات الشعبية من دون أن يهيمن عليها، ومن خلال هذا التوازن وحده، يمكن للمشاركة الدولية أن تخدم بصدق قضية التحول الديمقراطي الذي يناضل الإيرانيون أنفسهم من أجله.
المصدر: تلفزيون سوريا






