
علينا الاعتراف، أولاً، بأنّ كل أطراف الحرب في السودان متورّطون في حالة ارتباك معقّدة، فقناعاتهم بالرغبة في الخروج من تحت رماد الحرب لا تبدو راسخة. هي رغبات متعدّدة تلتبس شروطاً متباينة. هناك مَن يُفضّل تركيب الأحداث في سياق الفوضى الراهنة، بحيث تصبح واقعاً لا مهرب منه. الاعتراف يبدّد هذا الالتباس، بقدر ما يقرّبنا إلى بناء جسور العبور لجهة السلام. مطالبة القوى المدنية، مثلاً، للعودة إلى الوطن من منطلق التحدّي لا يعبّر عن اعتدادٍ بالوقوف على أرض صلبة. على النقيض، يفصح عن حالة وجل من مواجهة حتمية. أكثر من ذلك ارتباكاً تؤشّر إلى التوغل في الاستبداد، فبعد التباهي باحتكار السلطة، وهو شعور زائف، يفضح هذا السلوك المنحرف عن الجنوح إلى زعم احتكار الوطن. هو جنوحٌ يشطّ بعيداً عن الواقعية، مثلما هو قصيٌّ عن أخلاقيات رجل الدولة. إنه الغُلو في أقذع حالاته تمظهراً، فهو لا ينطوي على مصادرة حقوق الاختلاف والتعبير فحسب، بل أبعد من ذلك مصادرة حق المواطنة.
***
نبرة السلطة الواثقة من قوتها لا تستهدف رعاياها بالتحقير والتخوين، دع عنك التحدّي مهما بلغت الخصومة. جنوح السلطة إلى التأجيج يعني، بالضرورة، استنفار مواطنين ضد مواطنين. ومن المؤسف تورّط فئةٍ من المثقفين في صبّ الزيت على التأجيج. هذا انغماسٌ فجٌّ في تعزيز الفوضى. ولكن علينا الاعتراف كذلك بوجود مثل هذه الفئة المؤمنة دوماً بممارسة القمع. هؤلاء أشدّ خطراً على الجهود الهزيلة المبذولة لإطفاء نار الحرب، فأكثر الأصوات حكمةً على هذا المضمار تطالب بفتح ممرّاتٍ إنسانيةٍ لإنقاذ ما يمكن من ضحايا النار، والنزوح، والجوع، والاغتصاب، والمرض. الصوت العالي الراهن إقليميّاً ودوليّاً ينادي بفتح ممرات إنسانية. وذلك لن يحدُث ما لم تبرُد فوهات النار. تلك هي الخطوة الأولى على درب السلام. عند هذا المنحنى، من المفترض بدء تصعيد وتيرة العمل السياسي على هدير العمليات العسكرية. قبل ذلك، ينبغي إعلاء نبرة التسامح والحكمة على نوبات التشنّج والانفعال.
***
كلاهما، العمل السياسيّ وتثبيت السّلام، يتطلّب تأسيس علاقات أفضل وأعمق بين الدولة والشعب، قائمة على الاعتراف والاحترام المتبادلَين. المناداة بفتح الممرات الإنسانية أولاً تعني استرداد السلام على مراحل. يفاقم هذا التوجّه حالة الارتباك والفوضى، إذ إنه يعترف ضمناً بالعجز إزاء إرساء السلام دفعة واحدة. تزيد القناعة بهذا المنطق معاناة الضحايا وأعدادهم ما لم تتزامن الجهود مع آلية ضابطة نافذة وفق برنامج مؤطّر داخل الأزمنة والأمكنة، فالممرّات الإنسانية تتطلب إسكات المدافع. هذه خطوة تستدعي، بالضرورة، الفصل بين القوات. هذا إجراء يستولد قوة مراقبة، بُغية ضمان إخراس المدافع. القوى السياسية مطالبة بإعداد الإجابات عن الأسئلة المطروحة في كل مرحلة.
العمل السياسي وتثبيت السلام يتطلبان تأسيس علاقات أفضل وأعمق بين الدولة والشعب
***
بما أنّ الاعتراف في مضمونه يعني إنكار ما هو غير عقلاني، فالواقفون على الربوة المقابلة مطالبون بإنكار المساواة بين الجيش بوصفه مؤسّسةً وطنية والمليشيا. لا تستند المسألة إلى مسوّغات قانونية أو مجادلات تجريمية، فلا تقنين وجود قوات الدعم السريع (وهو خطأ فاحش)، أو المحاججة بخروجها من رحم القوات المسلحة (وهذه جناية ثابتة) يمنحانها شهادة الحياة السياسية. هذه خطيئة وطنية مركّبة، لكن الاعتراف يستوجب كذلك عدم إنكار وجودها على الأرض بقوة السلاح. لا يمكن القفز على هذه المعادلة من أجل إنجاز مراحل السّلام. على النقيض، هي شرط محوري في ترتيبات ما بعد الحرب، كما يحدّثنا التاريخ. بغض النظر عمّن أطلق الطلقة الأولى أو أشعل فتيل الحرب، من غير الممكن إنكار وجود الأطراف أو تغييبها. تلك قاعدة بُنيت عليها جميع عمليات التسوية السلمية منذ مؤتمر باريس في 1918 مروراً بيالطا وبتسدوم في 1945 ثم مؤتمر هلسنكي 1975، إذ جرى تفريج التوتر بين كتلتَي شرق أوروبا وغربها. على النسق نفسه، حدثت في بروندي، وتحدُث حالياً محاولاتٌ على المستوى القُطري، بغية استرداد السلام الوطني، كما هي المحاولات الحالية في سورية واليمن.
***
إذا ذهبت التوجّهات إلى جهة تجريد المليشيا من السلاح، فلا بدّ من فكّ الارتباط بين الجيش ومليشياته ذات الصبغة الأيديولوجية وإخراجها من مسرح العمليات. أبعد من ذلك، لا بدّ من الاعتراف بحتمية تنقية المؤسّسة العسكرية برمتها من الشوائب الأيديولوجية. على قدر تسريع إيقاع الإصلاح، بالتزامن مع إسكات بؤر النار والتوتر، يقترب الشعب من السلام. الإصلاح يمنح الأولوية للجبهة السياسية، لكنه يستهدف، على نحو موازٍ بالأولوية نفسها، الجبهات الاقتصادية والاجتماعية. على الجبهتَين الأخيرتَين، تبرز أهمية العمليتَين التعليمية والثقافية. من المهم إسناد هذه المهام إلى الخبراء من أهل الاختصاص. إنها مهمّة أكبر من الحرب، إذ تستهدف بالضرورة إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية تستوعب الفسيفساء السودانية للتعايش بسلام. إنها دولة الخير والحب والتقدّم.
المصدر: العربي الجديد






