ما سرّ الانسحاب الروسي من القامشلي؟

علي أسمر

في شمال شرقي سوريا، حيث يبدو الهدوء الحالي وكأنه مؤشر على بداية مرحلة جديدة، تخفي الهدنة القائمة صراعًا مؤجّلًا أكثر مما تعكس تسوية حقيقية. فالمواجهة بين الحكومة السورية الجديدة و«قسد» لم تُلغَ، بل أُعيد ترتيب توقيتها، لأن الخلاف بين الطرفين ليس خلافًا تقنيًا حول إدارة محلية أو ترتيبات أمنية عابرة، بل صراع عميق على مفهوم الدولة، وعلى من يمتلك القرار السيادي فوق الأرض السورية.
دمشق، بعد سنوات طويلة من الاستنزاف، تعود اليوم بخطاب أكثر وضوحًا وأقل قابلية للتأويل: دولة مركزية، وجيش واحد، وقرار أمني موحّد، وسيادة غير قابلة للتجزئة. هذا الخطاب لا ينبع فقط من تقاليد الدولة السورية، بل من تجربة مريرة أثبتت أن المناطق الرمادية والكيانات المسلحة ذات الطابع الهجين لم تكن يومًا عنصر استقرار، بل كانت بوابة دائمة للتدخلات الخارجية وإعادة إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.
إن إعادة تمركز «قسد» في المناطق ذات الأغلبية الكردية لا تعني تحصّنًا دائمًا، بقدر ما قد تتحوّل إلى نقطة ضعف إضافية، في حال جرى تفعيل سيناريو تطوير وتحديث اتفاقية أضنة بين أنقرة وواشنطن والحكومة السورية.
في المقابل، تحاول «قسد» تقديم نفسها بوصفها طرفًا قابلًا للاندماج داخل الدولة السورية، لكنها تصرّ في الوقت ذاته على الاحتفاظ بكتلتها العسكرية وبنيتها الإدارية وشبكة علاقاتها الخارجية، مستخدمة مفردات تبدو تصالحية مثل «الاندماج» و«اللامركزية» و«الشراكة». غير أن هذه المفردات لا تغيّر من جوهر الإشكالية شيئًا؛ فالدولة المركزية لا يمكن أن تتعايش طويلًا مع كيان مسلح يحتفظ بقرار الحرب والسلم خارج سلطتها، و«قسد» تدرك ذلك جيدًا، ولهذا تحاول شراء الوقت لا أكثر.
الهدنة الحالية، برعاية أميركية، لا تعبّر عن تقارب في الرؤى بقدر ما تعكس رغبة واشنطن في إدارة التناقض ومنع انفجار واسع في لحظة إقليمية حساسة. فالولايات المتحدة لا تملك مشروع حل جذري، بقدر ما تسعى إلى ضبط الإيقاع وتأجيل الصدام، وهي تدرك في العمق أن الفجوة بين دمشق و«قسد» بنيوية، وأن أي تفاهم مرحلي سيصطدم عاجلًا أم آجلًا بسؤال السيادة الذي لا يقبل أنصاف الحلول.
تقدّم الجيش السوري في أكثر من محور خلال المرحلة الأخيرة شكّل نقطة تحوّل أساسية في ميزان القوى، وأدّى إلى إحداث تغيّر لافت في سلوك «قسد»، حيث اضطرت عمليًا إلى التنازل عن مساحات ذات أغلبية عربية، بعد أن أدركت أن الاحتفاظ بها بات عبئًا أمنيًا وسياسيًا يصعب الدفاع عنه. لتعيد تمركزها داخل المدن والمناطق ذات الغالبية الكردية، في محاولة للتحصّن اجتماعيًا وتقليص هامش الاحتكاك مع الدولة. هذا التراجع لم يكن خيارًا استراتيجيًا بقدر ما كان انسحابًا اضطراريًا فرضته الوقائع الميدانية الجديدة.
غير أن المفاجأة الاستراتيجية لا تكمن في هذا الانكفاء بحد ذاته، بل في ما يمكن أن يترتب عليه لاحقًا. إذ إن إعادة تمركز «قسد» في المناطق ذات الأغلبية الكردية لا تعني تحصّنًا دائمًا، بقدر ما قد تتحوّل إلى نقطة ضعف إضافية، في حال جرى تفعيل سيناريو تطوير وتحديث اتفاقية أضنة بين أنقرة وواشنطن والحكومة السورية، بما يتيح عمقًا أمنيًا يصل إلى 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وهو ما يعني عمليًا أن هذه المدن نفسها قد تقع ضمن نطاق «مظلّة أضنة» الجديدة.
في هذه الحالة، ستكون أنقرة ودمشق قد أطبقتا الخناق على التنظيمات المسلحة من اتجاهين متكاملين؛ أحدهما سيادي يستند إلى شرعية الدولة السورية، والآخر أمني يرتكز إلى متطلبات الأمن القومي التركي، وبغطاء تفاهمات دولية تقلّص إلى حدّ كبير قدرة هذه التنظيمات على المناورة أو إعادة إنتاج الصيغ الرمادية التي ازدهرت خلال سنوات الفوضى.
هنا تحديدًا يبرز سرّ الانسحاب الروسي من مدينة القامشلي، وهو انسحاب لا يمكن قراءته كخطوة تكتيكية أو إعادة انتشار عابرة، بل كمؤشر على إدراك موسكو لاحتمالية تحوّل المنطقة مستقبلًا إلى ساحة نفوذ تركي، سواء عبر تحديث اتفاقية أضنة، أو من خلال صيغة أمنية بديلة يتم التوافق عليها بين أنقرة ودمشق وواشنطن. فروسيا، التي لعبت خلال السنوات الماضية دور الضامن ومنظّم التوازنات، لا ترغب في أن تجد نفسها طرفًا في ترتيبات جديدة لا تمسك بمفاتيحها.
ما يجري اليوم في هذه المنطقة لا يتعلّق بخرق هدنة أو تثبيتها، بل بصراع مؤجّل على شكل الدولة السورية وحدود السيادة والنفوذ.
الانسحاب الروسي يعكس قراءة براغماتية مفادها أن البقاء في القامشلي قد يضع موسكو في مواجهة غير مباشرة مع مشروع أمني تركي آخذ في التشكل، أو في موقع العرقلة لمسار تفاهمات قد ترى فيها دمشق وأنقرة مصلحة مشتركة. ولذلك فضّلت روسيا إعادة التموضع والنأي بنفسها عن مرحلة قد تكون أكثر خشونة، خاصة في ظل انشغالها بجبهات أخرى وإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية.
في هذا السياق، يبدو أن موسكو اختارت الخروج المبكر بدل التورّط المتأخر، تاركة هامش الحركة مفتوحًا أمام اللاعبين الآخرين لتحمّل كلفة التحوّلات المقبلة، وهو ما يفسّر غياب أي ردّ فعل روسي حاد على النقاشات المتزايدة حول أضنة وتطويرها، أو حول ترتيبات أمنية جديدة في شمال شرقي سوريا.
ما يجري اليوم في هذه المنطقة لا يتعلّق بخرق هدنة أو تثبيتها، بل بصراع مؤجّل على شكل الدولة السورية وحدود السيادة والنفوذ. هدنة اليوم قد تؤخّر الصدام، لكنها لا تلغيه، لأن التناقض بين مشروع دولة مركزية تسعى لاستعادة كامل سيادتها، ومشروع كيان مسلح يحاول البقاء تحت مسمّيات «مدنية»، هو تناقض وجودي لا يُحلّ بالبيانات ولا بالوساطات المؤقتة، بل بحسم سياسي أو أمني. والسؤال الحقيقي لم يعد إن كان هذا الحسم سيقع، بل متى، وبأي كلفة، وعلى حساب من؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى