” مجلس السلام” الترامبي من دون أهله

دلال البزري

نتذكر ذلك “اليوم التاريخي” في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي ترامب إنشاء “مجلس سلام” من أجل غزّة. وحشد عالمي يصفق له. و”مشروع سلام” وملحقاته، لا تجدهم في أي نص رسمي. إنما متناثراً هنا وهناك بين تسريبات ومسودات وبيانات للبيت الأبيض وخطب لترامب نفسه.
المشروع ذو عشرين نقطة: تخليص غزّة من الإرهاب والعناصر “المتطرفة” (حماس). إعادة بناء غزّة. إنهاء الحرب مباشرة. عودة الرهائن الإسرائيليين. إخلاء سبيل 250 سجيناً سياسياً محكوماً عليهم بالمؤبد، 700 غزّاوي قبضت عليهم إسرائيل في أثناء الحرب (يبقى 11 ألف سجين). توزيع عادل للمساعدات. إدارة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة (غير سياسية).
من مصادر أخرى، نعلم أن هذا المجلس سوف يجنّد كل الطاقات الدولية، وينسّق إعادة الإعمار ويشجع على الاستثمار فيه ويضمن الاستقرار.
وبعد البحث والتدقيق، نعلم أيضاً أن هناك نصوصاً أو أقوالاً أو قرارات صادرة عن “مسودة” المشروع، عُرف أن أصحابها هم ترامب نفسه، فضلاً عن مبعوثه ستيف ويكتوف، ووزير الخارجية ماركو روبيو والصهر جاريد كوشنر. وعلم المواطن البسيط مثلنا بوجود “المسوّدة” وأصحابها، وأنها نصّت في مكان ما: “على الدول التي تودّ المشاركة في هذا المجلس أن تدفع مليار دولار”.
النقاط الواضحة في المشروع، وقد وصلت إلينا مع انعقاد المؤتمر السنوي في منتدى دافوس، حيث جرى توقيع “ميثاق” مجلس السلام، ونشره رسمياً، وإعلان أسماء قائده الأعلى وأعضاء لجنته التنفيذية. كما هو متوقع، ترامب هو ذلك القائد الأعلى. والمجموعة “التنفيذية” غير مفاجئة أيضاً: ماركو روبيو وستيف ويتكوف، ثم جاريد كوشنر، وتوني بلير، الملقب بـ”بغداد” (لدوره “المجيد” في الغزو الأميركي للعراق)، فضلاً عن خمسة أسماء أخرى لاختصاصيين في العقارات والمال والعسكر. وما أسماه المجلس “الممثل الأعلى لغزّة”، البلغاري نيكولاي ملادينوف.
لا وجود لفلسطينيين في الإعلان الرسمي عن “مجلس السلام”. لا إشارة ولو تلميحاً إلى اللجنة “الفلسطينية التكنوقراطية”، ولا إلى السلطة الفلسطينية
لا وجود لفلسطينيين في هذا الإعلان الرسمي. لا إشارة ولو تلميحاً إلى اللجنة “الفلسطينية التكنوقراطية”، ولا إلى السلطة الفلسطينية. كلمتان تشيران إلى فلسطينية ما: “غزّة”، أي أرض غزّة التي ستُدار ويعاد بناؤها، “السكان الفلسطينيون” (ورنّتها بالإنكليزية مثل “السكان الأصليين”، أي الهنود الذين سُرقت أراضيهم)، بوصفهم المستفيدين من المساعدات. ثم “الجهات المحلية” الذين سـ”يشترونها لاحقاً”. وهذا يعني، بداهةً، أن القرارات التي سوف تُتخذ بشأن غزّة خارجية، وأن حلول المجلس أمنية ومالية، وأن التمثيل الفلسطيني غير تأسيسي، غير أساسي، وخاضع للمراوغة والمغْمَغة والتأجيل.
في الحفل نفسه (في دافوس) يتم إعلان “صلاحيات” ترامب رسمياً في هذا المجلس، بعدما مهَّدت له “المسودة”: في وسع ترامب أن يجمّد أي قرار، حتى لو نال الأغلبية. ترامب وحده يقرّر من يدخل إلى المجلس ومن يخرج ومن يُدعى. وحده يحدّد جدول الأعمال، وحده هو الحكَم. ويحق له تجاهل أولويات قدّمها “الأعضاء”. يحقّ له تعيين خليفته، الذي يتولى مباشرة مكانه بعد غيابه. ولا يحقّ لأي رئيس جمهورية أميركي مقبل أن يحتل مكانه. يحق له إغلاق المجلس، والتصرّف وحده باسم المجلس، من دون استشارة أعضائه القياديين، والتحكّم بصورة “غير مباشرة” في مليارات الدولارات. يبقى ترامب رئيساً مدى الحياة. ولا مجال لإقالته.
أما الدول الأعضاء المشاركة في المجلس، بعد حقّه بدعوتهم أو طردهم، كما طرد رئيس وزراء كندا لأنه لم يعجبه بخطابه المقاوم له… فيحقّ له أيضاً تجديد عضويتهم أو إنهاؤها، إدارة الأموال التي يأتون بها، فرض عقوبات عليهم في حال… ماذا؟ الدول ذات العضوية الدائمة هي التي ستدفع المليار دولار. والتي لا تدفع؟ غير معروف مصيرها بعد… ولائحة “الصلاحيات” طويلة وواضحة. عكس بقية عناصر “مجلس السلام”. ومنعاً للإطالة، لن نتكلم عن الفرق بين هذا المجلس ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي انتزع ترامب منه الموافقة على تأسيس هذا المجلس، ثم راح يغرد على حسابه الشخصي ما طاب له من نزوات.
القرارات التي سوف تُتخذ بشأن غزّة خارجية، وحلول المجلس أمنية ومالية، والتمثيل الفلسطيني غير تأسيسي، غير أساسي
تتعلق بقية هذا المقال بالفوضى والغموض اللذين ينتابان المراحل المختلفة من المشروع. كأن ترامب، المستعجل دائماً، يريد أن “يحرق” المراحل، ليصل إلى غرضه نصف المعلن، أي بناء الريفيرا الغزّاوية العزيزة على قلبه. في مشروع خمس مراحل، يشرف عليها مجلسه، ويفترض أن تنتهي بالسلام “التاريخي”. الأولى: وقف إطلاق النار. مساعدات، إطلاق سراح الرهائن والسجناء (وقف الحرب). الثانية: مرحلة أمنية ونزع السلاح. “تراجع إسرائيل عن بعض المناطق”. إبقاء إسرائيل في مناطق تعتبر “استراتيجية”. نزع سلاح حماس. نشر “القوة الدولية لتثبيت الأمن” (تحييد النزاع المسلح). الثالثة: إدارة مؤقتة لغزّة. إنشاء إدارة فلسطينية مؤقتة. إدارة الخدمات الأساسية (صحة، مياه، كهرباء، تربية)، إعادة تنظيم قوات الشرطة المحلية غير المسلحة (الحكم من دون حماس). الرابعة: مشروع ضخم لإعادة الإعمار. رقابة صارمة لإدارة الأموال المخصّصة لإعادة الاعمار و”التثبيت” (وهذا البند مضحك). الخامسة: توصَف بأنها “مؤجَّلة”. عنوانها الوضع السياسي والترتيب النهائي. الصلة بسلطة فلسطينية “معدّلة”. وهي مدرجة ضمن إطار إسرائيلي فلسطيني عريض. (ضمان الأمن لإسرائيل على المدى الطويل).
عدا عن أن هذه النقاط صيغت بعقلية “ضمان أمن إسرائيل”، فإن مراحلها متداخلة، بحيثُ لا يمكن أن تقول إننا انتهينا مثلاً من المرحلة الأولى، حيث وقف إطلاق النار إلى المرحلة الثانية، حيث نزع السلاح الحمساوي، إلى الثالثة… وصولاً إلى الرابعة، وهي الأهم، لأنها التي تحفز ترامب وكوشنر على بذل كل هذه “الجهود السلمية”.
بمعنى آخر، لا ينظر ترامب إلى المراحل السابقة، ليؤمن لنفسه تطبيق المراحل اللاحقة. كل المراحل داخلة بعضها في بعض، في فوضى يبرع في خلقها… كل مرحلة من مراحل المشروع لم تطبَّق. يستمر القتل والتهجير والحرمان من المساعدات، واحتلال إسرائيل نصف القطاع، ولا يسحب سلاح “حماس”، ولا تنتشر قوة “تثبيت” الاستقرار ولا تقام “الإدارة الفلسطينية” المؤقتة إلخ. ولكن المهم الوصول “رسمياً” إلى المرحلة المبتغاة، أي “إعادة الإعمار”. في دافوس أيضاً، إلى جانب عمه، يقدّمها كوشنر يقودها، ويصفها بـأنها”رؤية استراتيجية لإعادة بناء غزّة”. كيف تكون غزّة بإدراته في المرحلة الخامسة هذه؟
ستكون حديثة سياحية استثمارية، فيها “حرية سوق”، والعالم كله سيستثمر فيها. ستبدأ برفح ثم خانيونس، وتمر بما يصفه بـ”المخيمات المركزية” (أي دير البلح والنصيرات والبريج والمغازي)، وتنتهي في مدينة غزّة. وفيه ميناء ومطار، وشبكة طرق، معبر “مجدّد” في رفح.
سبق أن تقدم كوشنر بمشروعين “لإعادة إعمار غزّة”. الأول أسماه “سلام من أجل الازدهار” (عام 2019). برأس مال يتجاوز 50 مليار دولار. رفضه الفلسطينيون. والثاني “اتفاقية القرن” (2020) قال عنه إنه “طموح دمج رؤية سياسية للسلام مع برنامج اقتصادي كبير لتحسين حياة الإسرائيليين والفلسطينيين”. وفي المحاولتين، كان عمه في السلطة. ولكنه فشل في تحقيقهما. والمحاولة الحالية التي ترتبط بمشروع قدّمه العم ترامب نفسه منذ فبراير/ شباط العام الماضي. أعلنه في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو. قال فيه إنه “سيمتلك غزّة”، ويعيد إعمارها تحت إشرافه، “ينظفها ويرفع أنقاضها”. وإنه سـ”ينقل الفلسطينيين” إلى خارج غزّة، وسيبني “ريفييرا الشرق الأوسط”. لكن هذا المشروع كان صريحاً بمحو غزّة والغزّيين إلى حد أنه لم يلق استجابة لا عربية ولا دولية.
أما الآن، وقد أصبح رئيساً لـ”مجلس سلام”، فهل ينجح وريثه وصهره كوشنر في تحقيق حلمه؟ ويحوّل ريفييرا- غزّة إلى واقع حيّ؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى