
لم يولِ الإعلام المحلي والعالمي كبير اهتمام بالمفاوضات الروسية الأوكرانية الأميركية، التي جرت في أبو ظبي يومي 23 و24 الجاري. وتولى أطراف المفاوضات أنفسهم، بشكل أساسي، تغطية مجرياتها. ولاقى هذا الأمر إستحسان الطرف الروسي، إذ رأى فيها نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي السيناتور فلاديمير جاباروف، ميزة تفردت بها المفاوضات.
يُرجع البعض السبب في ذلك إلى عدم توقع أي نتيجة ملموسة قد تسفر عنها المفاوضات. وكان الجميع يدرك أن الروس والأوكران قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، من أجل تحاشي غضب ترامب، الذي كان سيسارع إلى إلقاء المسؤولية عن فشل المفاوضات على الطرف الذي كان سيجاهر برفضها. ولذلك، يرى عديدون أن المفاوضات جرت من أجل المفاوضات، وكانت في حقيقتها محاكاة لعلمية التفاوض.
الأميركيون يشاركون في المفاوضات لإقناع الطرفين الآخرين بقبول برنامج النقاط العشرين لتسوية الصراع الأوكراني الروسي، الذي طرحوه في تشرين الثاني/ نوفومبر المنصرم. وكانت أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون قد توافقوا مع الأميركيين على عدد من التعديلات خفضت مستوى ممالأة الخطة للمطالب الروسية. وقد أدى ذلك في حينها إلى رفض الروس للخطة الأميركية المعدلة، وأصروا على مناقشة صيغتها الأولية.
وحيال إصرار الأميركيين على إجراء المفاوضات على الخطة المعدلة، أعلنت روسيا أنها لا تقبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات إلا للتفاوض على مطالبها التي طرحتها في قمة ترامب- بوتين في آلاسكا. وتدعي روسيا أنه قد تم الاتفاق في القمة تلك على مطالبها بشأن ضم لأراضي الأوكرانية التي لا تحتلها. ومن المعروف أن تلك القمة قد انتهت من دون الاتفاق على أي شيء ملموس، وهو ما أكدته جميع وسائل الإعلام حينها، والتي سخرت من تصريحات ترامب بإيجابية القمة، وقالت إن بوتين يواصل التلاعب به.
الموقف الأوكراني بشأن التنازلات المتعلقة بالأرض، تبلور في جولات النقاش العديدة التي خاضها الأوكران إلى جانب حلفائهم الأوروبيين مع الأميركيين، والتي بنتيجتها انخفض عدد نقاط الخطة الأميركية من 28 إلى 20 بنداً. وقبلت بموجبها أوكرانيا بأن تتنازل عن الأراضي التي يبلغها خط جبهة القتال، على أن لا تعترف قانونياً بالأراضي التي تنازلت عنها لروسيا.
وعلى الرغم من أن الكثيرين يتفقون على أن المفاوضت التي جرت في الإمارات كانت “مفاوضات للمفاوضات” و”محاكاة لعملية التفاوض”، إلا أن الروس والأوكران يتفقان على أن أهميتها تكمن في كونها عقدت، وقد تتجدد الأسبوع المقبل، بعد أن بدت لفترة طويلة شبه مستحيلة.
المسألة المفصلية التي تقف عثرة في وجه الاتفاق على وقف الحرب الروسية على أوكرانيا، تبقى مسألة الأراضي الأوكرانية التي تصر روسيا على ضمها. ويكاد يقتصر إهتمام الإعلام الروسي التابع للكرملين بالمفاوضات بمدى التقدم في حل هذه المسألة وحجم التنازلات الأوكرانية بشأنها. في حين أن ما يشغل الأوكران هو وضع نهاية لعدوان روسيا عليهم، والذي لم يتوقف حتى أثناء المفوضات. إذ شهدت كييف إحدى أعنف جولات القصف الروسي في 24 الجاري. وعلق عليها وزير الخارجية الأوكراني بالقول أن صواريخ بوتين لم تقصف المدنيين الأوكران فحسب، بل قصفت طاولة المفاوضات أيضاً.
في تعليقه على جولة المفاوضات في الإمارات، رأى فلاديمير جاباروف، المذكور أعلاه، أن تركيبة الوفدين تشير إلى أن مسألة الأرض تقف على رأس جدول أعمال المفاوضات، و”نحن نتوقع تقدماً” في هذا الشأن. ويرى أن تكرار روسيا لشروطها بهذا الشأن، هو سبب القول بتوقعه هذا. ويقول إن ترامب نفسه أشار إلى أن موسكو تنتظر تنازلات بشأن الأرض من قبل كييف، وانسحاب أوكرانيا من تلك الأراضي “التي أصبحت دستورياً جزءاً من روسيا” (لم تعترف بهذا الضم سوى أنظمة مثل كوريا الشمالية ونظام الأسد المخلوع وأضرابهما).
ورأى جاباروف أن “الأمر الأهم هو أن المفاوضات مستمرة. وهذا بحد ذاته تطور إيجابي، ويجب أن نأخذه بالاعتبار”، وفق موقع bezformata الإقليمي الروسي في 24 الجاري.
موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW الألماني قال في 24 الجاري، إن أوكرانيا تقبلت باستياء متحفظ نهاية المفاوضات الثلاثية في أبو ظبي. وقال إن الأمر الأهم في المفاوضات، هو التواصل المباشر بين الأطراف. وتساءل ما إن كانت ستتكلل بالنجاح هذه العملية، أم أنها ستكون محاكاة لعملية التفاوض.
نقل الموقع عن زيلينسكي قوله على شبكات التواصل، إن جولة المفاوضات انتهت وغادرت الوفود من أجل تنسيق المواقف التي تبلورت في أبو ظبي، واحتمال العودة إلى طاولة المفاوضات الأسبوع المقبل.
نقل الموقع عن الخبيرة الأوكرانية في شؤون الأمن، آنا شيليست، تعليقها على المفاوضات بالقول إنها لم تسفر عن قرارات ملموسة، لكنها شكلت تغييراً في دينامية المفاوضات. ورأت أن أهم ما يميزها، هو سرعة تنظيم اللقاء وصيغتها الثلاثية، إذ تم الاتفاق اليوم في منتدى دافوس على عقد المفاوضات، وفي اليوم التالي عُقدت في أبو ظبي. ووصفت شيليست نية الطرفين مواصلة الاتصالات في المستقبل القريب بأنها إشارة مهمة. ورأت أن هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة لأوكرانيا، إذ يسمح باستمرار الولايات المتحدة بلعب دور فاعل في عملية التفاوض.
وللوقوف على رأي الأوكران في المفاوضات التي تسعى إليها منذ زمن طويل، طرحت “المدن” عدة أسئلة على أهم خبيرين أوكرانيين برأيها من بين أولئك الذين تستطلع عادة آرائهم في القضايا المتعلقة بأوكرانيا.
رئيس مركز الأبحاث السياسية الأوكراني فلاديمير فيسينكو، لم يوافق على الرأي القائل بأن المفاوضات كانت من أجل المفاوضات، وأن روسيا وأوكرانيا وافقتا على خوضها من أجل الاحتفاظ بالعلاقة مع ترامب. ورأى أن تركيبة الوفود الثلاثة تشير إلى الأهمية التي يوليها كل طرف للمفاوضات، إذ كانت تضم شخصيات عسكرية رفيعة المستوى. وأشار إلى أن المفاوضات تناولت جوانب فنية تتعلق بإنهاء الأعمال العدائية، ونقاط محددة لتنفيذ خطة ترامب للسلام. وهي المرة الأولى التي تُجرى فيها المفاوضات بشكل مباشر في إطار ثلاثي، بدلاً من الدبلوماسية المكوكية.
لا يرى الخبير إمكانية لتحقيق نتائج ملموسة قريباً. ويشير إلى أن بوتين مهتم بإمكانية التفاوض مع ترامب، “ولذلك بدأت المحادثات في أبو ظبي”. ورأى أنه قد تُتاح فرصة لإنهاء الحرب، “لكن ليس قريباً”.
رئيس مركز التحليل السياسي الأوكراني أوليغ ليسني، رأى أن مفاوضات في أبو ظبي ليست منصة لعقد “صفقة كبيرة” بقدر ما هي اختبار لما إذا كانت الصيغة الثلاثية قادرة على ضمان الحد الأدنى من إمكانية إدارة عملية التفاوض. وقال بأن موسكو وكييف “تسعيان جاهدتين” للحفاظ على ود ترامب. ورأى أن قبول بوتين بالصيغة الثلاثية للمفاوضات، هو مؤشر على اقتناعه بمحدودية الموارد مهما بلغ حجمها، وضرورة البحث عن خطة بديلة. وأشار إلى أن المفاوضات تطرقت إلى أمور ملموسة، إذ نوقشت تفسيرات نظام وقف إطلاق النار وآليات رصد انتهاكاته. كما نوقشت شروط تشغيل محطة زاباروجيا للطاقة النووية.
وعن اقتراح خبراء أوكران إطالة حرب الإستنزاف الحالية لإنهاك روسيا، وما إذا كانت أوروبا ستتقبل بهذا السيناريو، قال ليسني أن ليس لدى أوكرانيا فرصة للصمود منفردة بوجه روسيا، لكن مثل هذه الفرصة كبيرة للغاية مع أوروبا. وعلى أوروبا ألا تنظر إلى المساعدات لأوكرانيا على أنها تضحية، بل كاستثمار في أمنها الذاتي.
المصدر: المدن






