مراجعة “حركة عدم الانحياز”: ماذا يعني أن تكون مستقلًا؟

كريم صفي الدين

وعلى عكس الانقسام الذي رافق الحرب الباردة، يفتقد الصراعُ الراهن إلى “عظمة العقيدة الأممية”، إذ تمحور بشكلٍ أساسي حول عوامل مادية مباشرة، أي اعتبارات مواردية واستراتيجية تبدأ بالنفط والغاز والأسواق، ولا تنتهي عند النووي والصواريخ والبواخر. وأضاف الإسلامُ السياسي ونقيضُه “الصليبي” في الغرب العاملَ “الحضاروي”، ولا سيما بعد أحداث 11 أيلول 2001، وحروب العراق وأفغانستان، والانتفاضة الثانية في فلسطين.
ولكن، رغم هذه التحوّلات في عنوان المواجهة العام، فإن القول إننا أصبحنا في عالم “ما بعد الأيديولوجيا” ليس دقيقاً. فمنطقة الشرق الأوسط تنفجر يومياً باحتمالات جديدة. وفي لبنان، تبرز حاجة كبيرة لدى شرائح واسعة إلى مشروع سياسي غير محصور بالنطاق المحلي اللبناني. فالسياسة اليوم هي أيضاً سياسة “كوكبية”، ولبنان لن ينجو وحده. ومن البديهي أن يكون البلد جزءاً من مشهد عالمي ذي موقف حاسم وجريء إزاء تحوّلات المرحلة، بالتوازي مع بناء مقوّمات دفاعية جدّية لمواجهة مخاطر صراع الإمبراطوريات الجديد. وقد تشكّل مراجعة “حركة عدم الانحياز” نقطة انطلاق، من دون الوقوع في رومانسيّات العمل السياسي والدولتي في القرن العشرين.

ما هي “حركة عدم الانحياز”؟
الحركة هي تكتّل من الدول سعى إلى عدم الانضمام رسمياً إلى أيٍّ من الكتل العسكرية الكبرى خلال الحرب الباردة. وقد تأسّست فعلياً في مؤتمر باندونغ عام 1955، وتجسّدت في قمة بلغراد الأولى عام 1961، بقيادة شخصيات مثل جواهر لال نهرو، وجوزيب بروز تيتو، والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. واستمرّت حتى اليوم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكن من دون دورٍ وظيفي فعّال، مع اختتام مرحلة مفصلية من تاريخ البشرية المعاصرة.
تصرّفت “الحركة” بشكلٍ ظرفي، مع الأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية الخاصّة بكل دولة، لناحية تموضعها ضمن النظام العالمي آنذاك. وترافقت أيضاً مع رغبة بعض قيادات الأحزاب الشيوعية في عالم الجنوب بالانفصال عن “الفلك السوفياتي”، نتيجة التجربة الستالينية المعقّدة والعنيفة. كما ترافقت مع رغبة الرئيس جمال عبد الناصر في التفاوض مع مختلف الأطراف بعد أزمته مع المملكة المتحدة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، رغم اعتماده بشكلٍ أساسي على الاتحاد السوفياتي في عددٍ من الحروب، ولا سيما في اليمن وفلسطين.
نتجت “الحركة” عن سياقات جغرافية ووطنية مختلفة، لكنها شكّلت مع مرور الوقت حالةً عالمية واسعة، قائمة على الاستقلالية، وانحيازٍ واضح نحو الاشتراكية و/أو الدولة التنموية، وتشجيع نظام عالمي متعدّد الأقطاب. ولكنها لم تطرح مبادئ واضحة ولا ممارسة مستدامة تتعلّق بالمساواة السياسية والحريات المجتمعية داخل مجتمعات الدول المعنية، ولذلك بقيت من دون رؤية سياسية مشجّعة على الحوار السياسي والثقافي النقدي والعملية الديمقراطية. أصبح الاستبداد هو الجواب الأمني السهل على وقائع اجتماعية معقّدة في عالم الجنوب.

“بربرية” القرن الحالي: من  “عدم الانحياز” إلى “الحروب الإبادية الباردة”
انتهت الحرب الباردة، وانتهى معها الاصطفاف العمودي الثنائي. ويُقال إننا دخلنا العصر الأميركي الشامل بعد سقوط جدار برلين، غير أنّ قوى إقليمية وعالمية بدأت، تدريجياً، برفض أو التفاوض مع هذا النموذج اقتصادياً وجيوسياسياً وثقافياً. ومع هذا التحوّل، بات المنطق أقلّ تعقيداً لدى القوى المنخرطة في النزاع الجديد وبعض مشجّعيها بين النخب: ثمة هيمنة أميركية، وثمّة من يناهض هذه الهيمنة، بصرف النظر عن هويته وتاريخه وسياساته. لم يعد ذلك هو المسألة الجوهرية؛ فالشرّ المطلق بات واحداً لا غير: استكبار استعماري ورأسمالي متوحّش، يتجلّى في حرب عسكرية وسياسية، بل وحتى “ثقافية”.
سياسياً، شكّلت حرب العراق عام 2003 الفضيحة الأميركية الكبرى: حرباً قامت على كذبة “أسلحة الدمار الشامل”. وبالتوازي، شهدنا صعوداً واسعاً للحركات المناهضة للحروب في مختلف عواصم أوروبا وأميركا الشمالية. وعربياً، مع فشل الأنظمة العسكرية وانهيار منظمة التحرير الفلسطينية عقب اتفاقية أوسلو، برز الردّ الإسلامي على السياسة الأميركية وحلفائها، سواء على مستوى الأنظمة أو البُنى المحلية أو الخطاب العام في الإعلام.
أما التفتّت الطائفي الذي أعقب حرب 2003 مباشرةً في العراق، فقد كرّس الاستثمار الإقليمي في الفصائل على أساس انتمائها الهوياتي وتموضعها الجيوسياسي. ومن هنا، بدأت تتشكّل “حرب باردة” بين إيران وخصومها الأصوليين، بطابع تطهيري طائفي وعرقي مُعلن.
تمثّلت تلك الحروب الباردة الصغيرة في لبنان بسلسلة من الاغتيالات. أمّا في سوريا، فقد بلغت خلاصتها النهائية، حين حوّل النظام السوري السابق البلد إلى مختبر عسكري مفتوح لكل لاعب إقليمي أو دولي، كبيراً كان أم متوسطاً. وباتت المكوّنات المحلية مجرّد امتدادات لدول وميليشيات تتنافس على بناء إمبراطوريات سياسية واقتصادية عابرة للحدود. سقط الأسد، وسقطت معه إمبراطورية إيرانية راكمت نفوذاً واسعاً في أربع عواصم عربية. لكن نموذج “الإمبراطوريات المتنازعة” ما زال قائماً، من أحمد الشرع وتركيا، إلى حكمة الهجري وإسرائيل.
أصبحت السلطة بحدّ ذاتها “الهدف”، وحلّت الطائفة محلّ العائلة والقبيلة. وزعيم “المجموعة” في منطقتنا لا يمتلك أوراق قوة مستقلة ومستدامة، ولا يبني هياكل مشجّعة على الابتكار والنمو على المدى الطويل. ما يملكه، في الغالب، هو علاقة غير مستقرة مع “إمبراطور” يفاوض بعبثٍ دائم على موارد تُوزَّع للحفاظ على السلطة، لا من أجل التنمية المستدامة أو التقدّم الجدي نحو مستقبل أنجح لشعوبنا.

كسب معركة “المعنى”: نحو استقلالية جديدة
رغم كل أزماتها، مثّلت “حركة عدم الانحياز” مبدأً سياسياً أساسياً، بل تحوّلياً، في العلاقات الدولية وإدارة شؤون الدول: تكريس حقّ تقرير المصير كترجمة فعلية ومادية مباشرة. ففي بدايات الحرب الباردة، ربحت الحركة معركة “المعنى” لدى مئات الملايين من المواطنين في مختلف أنحاء عالم الجنوب. أدرك هؤلاء أن الانقسامات المفروضة دولياً كانت، في جوهرها، نتاج اعتبارات مادية مباشرة للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بصرف النظر عن أهمية العنصر العقائدي في تربية أجيال من المدافعين عن هذه المحاور داخل بلدانهم. فعلى سبيل المثال، ورغم ضعف لبنان الموضوعي، وامتيازات الدول العظمى التاريخية داخل السوق المحلي والنخب العسكرية والأمنية، استطاع الحكم الشهابي أن يقدّم نموذجاً ناجحاً لضبط وتوظيف العلاقات مع الخارج في مسارٍ حقّق ما يمكن تسميته “الاستقلالية التدريجية”.
أما اليوم، وعلى عكس الرؤية التنموية في منتصف الستينيات، تراوحت الأنظمة المناهضة للولايات المتحدة و”سيطرتها الأحادية” بعد الحرب الباردة بين نوعين: أولها أنظمة إسلامية جمعت عناصر ثقافية ودينية وتنموية ووطنية، وثانيها أنظمة أغلبها عسكرية و/أو استبدادية، لا تقدّم أي مشاريع طموحة سوى المنافسة القومية والسلطوية المادية، طموحها الأخير هو أن تصبح امبراطوريات بحدّ ذاتها.
فشلت التجربة الأولى، فبالرغم من صلابة “عصبية” الإسلام السياسي العقائدي والإيماني كبديل عن ضعف وهشاشة الأنظمة القومية و”التحررية-الوطنية” في القرن الماضي، لم تنجح كتجربة دولة ومؤسساتية قادرة على الاستثمار بمقومات المجتمع أمام تحديات الأسواق العالمية.
أما النموذج الثاني، فيفشل أيضاً، إذ يراهن على جهل شعبه، على إسكات أصواته، وعلى تبعية الحاكم لإمبراطوريات تحدد هامش حركته ومناورته. في الواقع، هذه الدول البوليسية الفارغة تصنع “كوكباً بوليسياً فارغاً” يشبهها. لقد أصبحت طموحات القرن العشرين التحولية والثورية، مع حسناتها وسيئاتها، جزءاً من الماضي. ونشهد اليوم انتكاسة جديدة للثقافة السياسية، تتجه نحو نموذج لا يعرف سوى لغة التجارة بالسلع والبشر، من دون أي اتجاه نحو نظام سياسي وأخلاقي بديل يهدف إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية في عالمنا المعاصر.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى