
مع حلول شهر يناير/ كانون الثاني في المغرب الكبير، يتوقف الزمن قليلاً عند عتبة سؤال قديم: ما الذي يجمع سكّان شمال أفريقيا غير الجغرافيا؟ في البيوت المغاربية الأمازيغية تُطهى أطباق خاصّة، وتتبادل العائلات الأمنيات بموسم خصب. مشهد يتكرّر كل سنة، يحمل معه طبقاتٍ من الذاكرة الجماعية، ويفتح نافذةً على سؤال الانتماء في منطقة تشكّلت عبر تراكمات تاريخية متعاقبة.
ثمة شيء يشبه المفارقة في هذا الموعد السنوي. تتقدّم السنة الأمازيغية (2976) إلى الواجهة في شاشات التلفزة، في خطابات المسؤولين والاحتفالات، ثم تعود الأمور إلى مساراتها المعتادة. كأن أيّام نصف يناير (12 – 14) نافذة تفتح مرّة واحدة في السنة على سؤال الهُويّة. هذا التناوب بين الظهور والاختفاء يقول كثيراً عن علاقة المجتمعات المغاربية بتعدّدها: اعتراف يأتي في مواسم محدّدة، ثم يُترك معلّقاً بين الإعلان والممارسة.
المغرب الكبير نسيج معقّد من الطبقات؛ لغاتٌ تتجاور في البيت الواحد، حكاياتٌ تُروى بلهجاتٍ مختلفة، وطقوس تختلف من بلد إلى آخر. هذا التنوّع محصّلة تراكم تاريخي امتدّ قروناً. الأمازيغية كانت هنا قبل أن تصل العربية، ثم تعايشتا، وتمازجتا، وأنتجتا لهجاتٍ هجينةً تحمل من هذه وتلك. لكن الدولة الحديثة حين ظهرت اختارت طريقاً آخر: لغة واحدة للإدارة، سردية واحدة للتاريخ، نموذج واحد للمواطنة. ما كان يعيش في التداول اليومي بقي خارج المؤسّسة، والمسافة بين الاثنين بقيت معلّقة.
المغرب والجزائر سلكا مساراً مختلفاً في العقدَين الأخيرَين: الأمازيغية دُسترت لغةً رسميةً، يناير أصبح عطلة وطنية، وتم تفعيل خطط تعليمية لتدريس اللغة الأمازيغية. خطوات مهمّة تحمل معها رسالةً واضحةً: الهُويّة المغاربية أوسع من تعريف واحد. لكن الانتقال من النصّ إلى الواقع أبطأ ممّا يتوقّعه الناس. المحتوى الأمازيغي في الإعلام محدود، والفجوة بين الشعار والتطبيق تخلق إحباطاً، وشعوراً بأن الاعتراف بادرة أولية لم تنضج بعد إلى سياسة شاملة.
كانت الأمازيغية هنا قبل أن تصل العربية، ثم تعايشتا، وتمازجتا، وأنتجتا لهجاتٍ هجينةً تحمل من هذه وتلك
تقدّم تونس نموذجاً مغايراً. ركّز دستور 2014 في الهوية العربية الإسلامية من دون إشارة واضحة إلى المكوّن الأمازيغي، رغم وجود جمعيات ثقافية نشطة تطالب بالاعتراف منذ الثورة. يأخذ الاحتفال بيناير (الأمازيغي) في تونس طابعاً مدنياً بامتياز، تقوده مبادرات محلّية وأهلية أكثر منه مناسبةً رسمية. هذا التباين بين المغرب والجزائر من جهة، وتونس من جهة أخرى، يُظهر أن سؤال الهُويّة المغاربية متعدّد الإجابات، يتشكّل وفق السياقات السياسية والتاريخية والتوازنات الداخلية الخاصة بكل بلد. وهو ما يفتح سؤالاً لا عن الاختلاف بين الدول، بل عن معنى الهُويّة نفسها: هل تُقاس بالاعتراف الدستوري، أم بحضورها الفعلي في الوعي والممارسة؟
لكن ما الهُويّة أصلاً؟ هل هي قالب جاهز نرثه من الأجداد، أم بناء متحرّك نعيد تشكيله باستمرار؟ الأمازيغية في المغرب الكبير ليست كياناً ثابتاً؛ هي لهجات متعدّدة، وممارسات ثقافية متنوّعة، وذاكرة حيّة تتفاعل مع الحاضر. وحين تُختزل في خطاب الأصالة والجذور تفقد شيئاً من حيويتها. الهُويّة هنا نهر يجري، يحمل معه ما كان ويستقبل ما يأتي. يناير يذكرنا بهذا: إنه احتفال بالأرض، بالموسم الفلاحي، وبالتوازن بين الإنسان والطبيعة. رمزية عميقة تتجاوز الانتماء اللغوي، وتصل إلى معنى أشمل للعيش المشترك.
فكيف يُبنى مجتمع قادر على احترام تعدّده من غير أن يتحوّل هذا التعدّد عاملَ تفكّك؟ أي مستوى هو الأقدر على تشكيل الهُويّة: النصوص التي تعرّفها، أم الممارسة التي تعيشها وتعيد صياغتها؟ أمازيغية، عربية، إسلامية، متوسطية، أفريقية؛ هُويّات تتجاور داخل التاريخ وتعيد تشكيل نفسها عبر الزمن. وحين يُعاد تنظيم هذا التعدّد داخل أطر السلطة، تبرز لغة بوصفها لغة النفاذ المؤسّسي، بينما تنحصر لغات أخرى في فضاءات الاستعمال المجتمعي، فيتكوّن ترتيب رمزي ينعكس على التعليم والتمثيل والفضاء العام.
رصيد تاريخي وثقافي يمنح المجال المغاربي إمكانية بلورة أفق ثقافي واعٍ بذاته، يقوم على المعرفة والتعليم والإنتاج الرمزي
يضع الامتداد الجغرافي والثقافي للأمازيغية هذا الترتيب في سياق أوسع؛ إذ يكشف تاريخاً طويلاً من التفاعل داخل المجال المغاربي، تشكّلت فيه اللغات والثقافات قبل أن تستقرّ الحدود السياسية بصيغتها الحديثة. في هذا الأفق يتيح يناير التفكير في أشكال اشتغال عابرة للدولة الوطنية، من تبادل الخبرات في التكوين اللغوي، إلى البحث الجامعي في اللسانيات والأنثروبولوجيا، وصولاً إلى إنتاج ثقافي فنّي متنوع. عبر هذه المسارات يمكن أن تتشكّل صورة للذات أقلّ خضوعاً لمنطق التنافس الهُويّاتي، وأكثر اتصالاً بتاريخ مشترك لم يتحوّل بعد مشروعاً ثقافياً فعلياً، رغم ما يجمع المغرب الكبير من تواصل جغرافي وتداخل تاريخي وتشابك في المصائر.
يكشف يناير عن اختبارٍ لمدى قدرة المجتمعات المغاربية على الإصغاء إلى ذاكرتها العميقة. من خلاله تطفو طبقات الذاكرة، وتظهر المسافة بين الاحتفاء الرمزي والحضور الفعلي في الحياة اليومية. الهُويّات التي استمرّت عبر الزمن تشكّلت داخل الممارسة، داخل اللغة المتداولة، داخل العادات التي وجدت طريقها إلى الاستمرار. هذا الرصيد التاريخي والثقافي يمنح المجال المغاربي إمكانية بلورة أفق ثقافي واعٍ بذاته، يقوم على المعرفة والتعليم والإنتاج الرمزي بوصفها فضاءات لترسيخ التعدّد في صيغته الحيّة. عند هذا الحدّ، ربما يغادر سؤال الهُويّة دائرة الجدل، ويستقرّ في دائرة العمل، فتجد الذاكرةُ طريقها إلى الفعل الثقافي، ويبقى الأفق مفتوحاً أمام صيغ جديدة للعيش المشترك.
المصدر: العربي الجديد



