التقديرات والرهانات الخاطئة للحركات والأحزاب الكردية: تاريخ يتكرر

عمار السمر

مشهد الانهيار الذي يصيب الحركة الكردية في سوريا التي يهيمن عليها حزب العمال الكردستاني وفروعه السورية ليس بجديد في تاريخ الحركات الكردية في الشرق الأوسط. فتلك الحركات طالما حاولت استغلال اللحظة التاريخية لتحقيق أهدافها التاريخية والآنية، ولكنها غالباً ما راهنت على الدعم الخارجي بالدرجة الأساسية أكثر من قواها الذاتية وظروفها الموضوعية، مما أوقعها في سوء التقدير، بعد أن تجاهلت أو قرأت خطأً المتغيرات الدولية والإقليمية، وتعدى الأمر إلى سقوطها أحياناً في تجاهل التاريخ والجغرافيا أو التنكر لهما مما كان له آثار عميقة على الأكراد والدول التي هم مواطنون فيها. وبدلاً من استغلال تلك اللحظات التاريخية لتحقيق المزيد من حقوق الأكراد انقلبت وبالاً بسبب سوء التقدير.
ليس المقصود في هذا المقال نكران أو مناقشة حقوق الأكراد، ولا مناقشة البعد التاريخي للمشكلة الكردية التي نشأت بعد نهاية الدولة العثمانية وولادة القوميات في المنطقة دولاً بينما لم تلد القومية الكردية وبقيت في حالة مخاض حتى اليوم، وهي الحجة التي قدمتها لتسجيلي رسالتي للدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بعنوان” شمال العراق 1958- 1975: دراسة سياسية”. المقصود بالمقال استعراض تجربة كردية فيها الكثير من الشبه في العديد من مفاصلها بما يجري اليوم في سوريا.
التجربة الأولى للحكم الذاتي في العراق.. أول اعتراف تاريخي ونهاية مأساوية:
في عام 1970 اتفقت الحكومة العراقية مع الحركة الكردية التي كان يهيمن عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) بقيادة الملا مصطفى البارزاني، وصدر بيان آذار للحكم الذاتي. وكان ذلك تتويجاً لسنوات طويلة من الكفاح السياسي والمسلح. وكان ذلك الاتفاق مرحلة متقدمة من الاعتراف بالحقوق القومية للأكراد لم يتم الوصل و لو إلى جزء يسير منها في أياً من الدول التي يعيش فيها الأكراد. ولكن ذلك الاتفاق لم يصمد طويلاً ففي عام 1975 عادت الحرب بين الحكومة والحركة الكردية لتنتهي بهزيمة ساحقة للأخيرة.
قبل توقيع الاتفاق كانت الحرب سجال بين الأكراد وكل الحكومات العراقية التي جاءت بغض النظر عن خلفيتها (الملكية أو الثورية اليسارية أو القومية البعثية وغير البعثية) وحصلت الحركة على الدعم دوماً من أعداء أو خصوم العراق كإيران وإسرائيل ونظام الأسد، وهو ما كشفته الوثائق والمذكرات. وفي النهاية دخل حزب البعث والبارتي في مفاوضات أدت إلى إصدار الحكومة بيان أذار 1970 الذي كان خطوة تاريخية ساعدت ظروف داخلية واقليمية وخارجية في الوصول إليه. وتمَّ فيه الاعتراف بالوجود الشرعي للقومية الكردية، وأقرت جميع الحقوق الثقافية واللغوية للقومية الكردية، وتدريس الكردية في المدارس والمعاهد والجامعات ودور المعلمين والكلية العسكرية وكلية الشرطة. كما أوجب نشر الكتب والمؤلفات الكردية، واستحداث مديرية عامة للثقافة الكردية، وصحافة وبث تلفزيوني كردي، واعتبار عيد نيروز عيداً وطنياً. كما صدر قانون المحافظات الذي نص على لا مركزية الإدارة المحلية، وتمَّ استحداث محافظة دهوك، وصدر عفو عام عن كل من اشتركوا في الأعمال العسكرية ضد الدولة. كما تم الاتفاق على تعديل الدستور العراقي لينص على أن الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيستين (العربية والكردية)، وأن يقر الحقوق القومية الكردية وكل الأقليات ضمن الوحدة العراقية، وأن تكون اللغة الكردية رسمية إلى جانب العربية في المنطقة الكردية، وأن يكون أحد نواب رئيس الجمهورية كردياً. كما تضمن البيان إعادة إعمار المنطقة الكردية، وإعادة جميع الموظفين المدنيين والعسكريين المفصولين، وتقديم معاشات تقاعدية لعائلات المقاتلين الذين قتلوا، وإنشاء شرطة محلية من الأكراد ومواد أخرى كثيرة لا مجال لذكرها. وتقرر أن يتمَّ الحكم الذاتي بصيغته النهائية خلال مدة انتقالية أقصاها أربع سنوات. وقد أيدت مختلف القوى العراقية الاتفاق، ودخل في الحكومة العراقية خمسة وزارء أكراد اقترحهم البارزاني من حزبه. وقد منح الاتفاق البارزاني الشرعية زعيماً للأكراد فصار المتحكم الأول في منطقته فقام بتحطيم خصومه المحليين.
فبعد أن حصلت إيران من العراق على ما أرادته تركت الأكراد لمصيرهم ومنعت عنهم الدعم العسكري، وطلبت من الخبراء الإسرائيلين والأمريكيين مغادرة شمال العراق على عجل.
مرت العلاقة بين الحكومة والبارزاني خلال المرحلة الانتقالية بمرحلتين: الأولى الوفاق وتمَّ اختصار المشكلة أحياناً أمام الجماهير أنها من صنع الاستعمار، وتم البدء بتطبيق الاتفاق، وتعيين محافظين ومديري شرطة ومسؤولين محليين من البارتي. كما تم تأليف لجنة من حزب البعث والبارتي للإشراف على تنفيذ الاتفاق الذي على الرغم من الشكول المتبادلة تمَّ تنفيذ الكثير منه. مع ذلك بقيت هناك العديد من نقاط الخلاف بسبب تفسير كل من البارتي والحكومة لنهاية الاتفاق، فقد كان الملا يعتقد أن الحكم الذاتي خطوة نحو الاستقلال، بينما كانت الحكومة ترفض هذا التوجه. كما كان هناك خلاف حول تعيين ما هي المناطق الكردية فقد طالب البارزاني ببعض المناطق التي لا يمثل الأكراد فيها أكثرية، كما طالب بسلطات لتصريف العلاقات الخارجية الكردية، وبالاحتفاظ بالسيطرة على البيشمركة على الرغم من موافقته على دمجها في الجيش العراقي، وأن تكون كركوك مركزاً للحكم الذاتي بدلاً أربيل.
على الرغم من الخلافات بين الحكومة والبارزاني إلا ان المتغيرات الإقليمية والدولية كانت السبب الرئيسي لتأزم تلك الخلافات، وأغرت البارزاني وقيادته بإمكانية الحصول على المزيد من التنازلات أو الاستقلال. ومنها صعود دور إيران كحامية للخليج العربي بعد انسحاب بريطانيا أواخر 1971، وإعادتها علاقاتها بقوة مع البارزاني الذي حافظ على علاقاته مع إسرائيل، وحاول الحصول من خلال وساطتها على الدعم الأميركي، وتمَّ له ما أراد وقبلت الولايات المتحدة الأميركية لأول مرة عقد اتفاقية سرية بموافقة الرئيس نيكسون وكسينجر تنص على تزويد الملا بالمال والسلاح بعد أن غيرت سياستها نحو العراق بعد توقيعه معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي وتأميم شركات النفط وهو ما اعتبرته ضربة للغرب. ظن البارزاني أن الموقف الأميركي  الجديد ضمان كان ينتظره منذ أمد بعيد –ربما حزب العمال ظن ذلك عند استعانت به الولايات المتحدة- فرفع سقف مطالبه، ولم تفلح الوساطة السوفيتية في ثنيه عن موقفه.
دعم الأميركان للبارزاني كان سببه الرغبة في استنزاف العراق عقاباً له على الصداقة مع السوفيت وتأميم نفطه، ومعارضته اتفاقيات فض الاشتباك التي كان ينظمها كيسنجر بين مصر وسوريا وإسرائيل، ووجد كسينجر ضالته في الأكراد كما كشف لاحقاً عام 1976 تقرير “لجنة بايك” التي شكلها الكونغرس الأميركي للتحقيق في نشاطات C.I.A. وكانت إيران وإسرائيل مستعدتان لتقديم الدعم ضد عدوهما المشترك العراق حتى أن الملا زار إسرائيل سنة 1973. كل ذلك دفع البارزاني للتصريح لصحيفة هيرالد تريبيون الأميركية أنه مستعد إذا حصل على الدعم الأميركي للسيطرة على حقول نفط كركوك وإعطائها للشركات الأميركية، وقال أن الأكراد عامل مهم في الشرق الأوسط وأنهم يشغلون الجيش العراقي عن العمل ضد إيران وإسرائيل. كل تلك العوامل جعلت الملا يظن أن اللحظة التاريخية صارت مناسبة للانفصال عن العراق.
زادت الاتهامات بين الحكومة والبارتي وسارت نحو الحرب على الرغم من تدخل وزير الدفاع السوفيتي وزيارته بغداد لهذه الغاية ولكن طهران وواشنطن حرضتا البارزاني على الرفض، فاندلع القتال على الرغم من إصدار الحكومة لقانون الحكم الذاتي الذي رفضه البارزاني ووجه بيناً للأكراد دعاهم لحمل السلاح ضد الحكومة على الرغم من قلقه من عودة العلاقات الإيرانية العراقية عام 1973، وعدم الاطمئنان للدعم الأميركي والبريطاني والفرنسي الذي قد تغيره المصالح الاقتصادية.
لبى دعوة البارزاني للقتال عشرات الآلاف من الأكراد العراقيين وأكراد الدول المجاورة. كانت الحرب دموية بسبب ترسانة السلاح لدى الطرفين بالإضافة إلى إسناد وحدات إيرانية للبارزاني والاستعانة بالخبراء الإسرائيليين. وكان الدعم الأميركي والإسرائيلي يأتي عبر إيران التي تحكمت به.
قالت اللجنة إن هدف الولايات المتحدة من دعمهم لم يكن لتمكينهم من نصر ليحصلوا ولو على حكم ذاتي مما قد يؤثر على أكراد إيران حليفة أمريكا.
استطاعات البشمركة السيطرة على مساحات كبيرة في شمالي العراق. ولكن خلال سنة لم يستطع أياً من الطرفين حسم الحرب التي تحولت إلى استنزاف للطرفين كما أرادتها الدول التي دفعت نحوها، فإيران كانت تريد عراقً ضعيفاً، وإسرائيل تريد جيش عراق بعيد عنها، وأميركا تعرقل توسع السوفيت في الشرق الأوسط. هذا الحال دفع الحكومة العراقية للاتصال بالأطراف التي تدعم الأكراد وأهمها إيران، وكان صدام قبلها قد هدد البارزاني بأنه إذا لم يقبل الاتفاق معه فسوف يتفق مع الشاه. وبالفعل بدأت مفاوضات سرية مع إيران بوساطة الرئيس المصري السادات، توجت بتوقيع اتفاق الجزائر في آذار 1975 الذي تنازل فيه العراق على جزء من أراضيه ومنها نصف شط العرب لإيران مقابل تخليها عن الحركة الكردية.
قبل وقوع الكارثة علم البارزاني بتحركات ومفاوضات الحكومة العراقية من عدة مصادر منها نظام حافظ الأسد الذي حذره من قرب الاتفاق بين العراق وإيران، ولكن بدلاً من تغيير سياسته ظل متعلقاً بالأميركان، فأرسل في 16/1/1975 إلى الإدارة الأميركية بأنه على استعداد لتحويل كردستان العراق إلى ولاية أميركية، ولكن الأميركان لم يهتموا بعرضه ورفضوا السماح له بزيارة الولايات المتحدة، وأصروا أن تبقى العلاقة بينهما سرية. ومع تزايد قلق البارزاني ذهب إلى طهران لمقابلة الشاه فجرى إبقاؤه عدة أسابيع في انتظار موعد مع الشاه الذي كان يستعد لتوقيع اتفاق الجزائر الذي شاركت عدة دول من المنطقة في الوصول إليه حتى أن بعضها شاركت في خداع البارزاني.
علم البارزاني بتوقيع الاتفاق من الراديو وهو في طهران وفي نفس اليوم بدأت القوات الإيرانية المساندة له بالانسحاب دون إنذار، فبعد أن حصلت إيران من العراق على ما أرادته تركت الأكراد لمصيرهم ومنعت عنهم الدعم العسكري، وطلبت من الخبراء الإسرائيلين والأميركيين مغادرة شمالي العراق على عجل. وتزامن ذلك مع بدأ الجيش العراقي بهجوم واسع نحو معاقل الحركة الكردية مع الإعلان عن عفو عام. ولم تجدي مناشدة القيادة الكردية للأميركان الذين أوقفوا شحنة أسلحة كانت في طريقها للأكراد وحولوها إلى حزب الكتائب في لبنان حيث كانت الحرب الأهلية اللبنانية على الأبواب، وأخبر الشاه البارزاني أنهم يمكنهم متابعة القتال وحدهم.
صبت القيادة الكردية جام غضبها على خيانة الغرب – كما اليوم- وقررت متابعة القتال منتظرة عودة الملا من طهران الذي وافق قيادته في البداية على الاستمرار في القتال استناداً لما تملكه الحركة من 60 ألف مقاتل مجهز وأسلحة وذخائر كثيرة وسيطرتها على 40 ألف كيلو متر مربع من الأراضي الصالحة للقتال. ولكن الشاه أرسل له بضرورة ايقاف القتال وأنه عليهم الاستسلام إما للجيش العراقي أو الإيراني. وأمام هذا الوضع الصعب قرر البارزاني إرسال برقية إلى البشمركة وفروع حزبه بإلقاء السلاح والاستسلام للجيش العراقي أو الرحيل إلى إيران. بينما كان رأي بعض القادة مثل جلال طالباني الاستمرار في القتال. ثم انتقل البارزاني إلى إيران التي وضعت تحت أمره 100 بيت له ولأتباعه لأنها تريده تحت عينها. ومن هناك سافر إلى الولايات المتحدة للعلاج من السرطان والتواصل مع الأميركان، ولكن تمَّ عزله بما يشبه الإقامة الجبرية. وفي البداية دفعت C.I.A كلفة علاجه ولكن في المرة الثانية رفضت دفعها في تنكر واضح للبارازني الذي وثق بوعود الولايات المتحدة التي لم تكن تهتم بعشرات الآلاف من الضحايا الأكراد والعراقيين والدمار. فقد ورد في تقرير لجنة بايك للتحقيق أن الولايات المتحدة قررت دعم الأكراد بعد تأميم نفط العراق، ومجاملة للحليف الإيراني الذي طلب دعمهم، وقالت اللجنة أن هدف الولايات المتحدة من دعمهم لم يكن لتمكينهم من نصر ليحصلوا ولو على حكم ذاتي مما قد يؤثر على أكراد إيران حليفة أميركا. فالهدف كان استنزاف الجيش العراقي. وصرح البارزاني أنه تعرض للخيانة من إسرائيل وإيران والسوفيت والأميركان، وأنه عام 1972 لم يكن لم ليقبل التحالف مع الشاه لولا موافقة الولايات المتحدة.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى