كيف عرف اللبنانيون رفعت الأسد؟ طرابلس في مواجهة دور خفي لعم المخلوع بشار

صهيب جوهر

بينما ارتبط اسم رفعت الأسد في الذاكرة الجمعية السورية بمجزرة حماة وبـ”سرايا الدفاع”، فإن صورته في الذاكرة اللبنانية، ولا سيما في طرابلس وشمال لبنان، تشكّلت في سياق مختلف لكنه لا يقل دموية. فخلال ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، تحوّل رفعت الأسد إلى أحد أبرز مهندسي التدخل السوري غير المعلن في الشمال، مستخدماً شبكة معقّدة من الفصائل الفلسطينية، والمليشيات المحلية، والاختراقات الأمنية، لجعل طرابلس ساحة صراع مفتوحة تخدم حسابات دمشق الداخلية والإقليمية.
لم يكن حضور رفعت الأسد في لبنان حضوراً سياسياً تقليدياً، بل جاء بصفته لاعب ظلّ، يدير المواجهات من الخلف، ويغذّي الانقسامات، ويحوّل المدينة إلى مختبر أمني وعسكري في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
تحريض الفصائل الفلسطينية واستخدام المخيمات منصة قتال
في مطلع الثمانينيات، لعب رفعت الأسد دوراً مركزياً في الدفع نحو تفكيك وحدة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، عبر تشجيع انشقاقات مسلّحة داخلها، في إطار الصراع بين النظام السوري وقيادة ياسر عرفات. وتركّز هذا الدور في الشمال اللبناني، حيث كانت طرابلس والمخيمات المحيطة بها مسرحاً مثالياً لهذا الاشتباك.
وبحسب روايات لبنانية وفلسطينية متطابقة، حظيت فصائل مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، وفتح الانتفاضة بدعم مباشر، شمل تسليحاً نوعياً وصواريخ، نُشرت في مخيمي البداوي ونهر البارد، لإحداث انشقاقات بنيوية في الفصائل الفلسطينية حينها.
هذا التسليح لم يبقَ في إطار صراع فلسطيني – فلسطيني، بل استُخدم في قصف أحياء واسعة من طرابلس، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، وتحويل المدينة إلى خط مواجهة مفتوح، ودفع ثمنه سكانها والفلسطينيون معاً.

سرايا الدفاع وتسليح اليمين اللبناني
بالتوازي مع إدارة الصراع الفلسطيني، تشير شهادات محلية في شمال لبنان إلى دور مباشر لميليشيات سرايا الدفاع، بقيادة رفعت الأسد، في بيع أسلحة وصواريخ لمجموعات من اليمين اللبناني. الهدف، وفق هذه الروايات، كان تفجير خطوط تماس جديدة في القرى المختلطة طائفياً في الكورة والبترون، بما يوسّع دائرة العنف ويمنع استقرار الشمال.
وأدّت هذه السياسة إلى واحدة من أكثر المجازر دموية في تلك المرحلة، حيث قُتل أكثر من 400 امرأة وطفل في عمليات انتقامية متبادلة، تركت جروحاً عميقة في الذاكرة الجماعية لأهالي تلك المناطق، ورسّخت صورة رفعت الأسد كطرف لا يتورّع عن استخدام أي جهة لتحقيق أهدافه.
الحزب العربي الديمقراطي ودكّ طرابلس
في سياق تثبيت نفوذه المحلي، أسّس رفعت الأسد الحزب العربي الديمقراطي في منطقة جبل محسن وبعض القرى العكارية، مستنداً إلى هوية علوية واضحة، بعدما فشل في إخضاع حزب البعث في لبنان لسلطته المباشرة، نتيجة التوازنات داخل الحزب والمرتبطة بمواقع النفوذ في القيادة الحزبية في سوريا. وسرعان ما تحوّل الحزب إلى ذراع سياسية – أمنية مرتبطة بالنظام السوري، وترأس الحزب علي عيد، المعروف في الذاكرة اللبنانية على أنه أحد أدوات النظام الأسدي، حيث وصلت العلاقة بين رفعت، وعلي عيد إلى أن يسمي الأخير اسم نجله الأكبر على اسمه.
بلغ هذا الدور ذروته خلال حرب طرابلس عام 1983، حين أشرف رفعت الأسد شخصياً على حملة عسكرية استمرت نحو ثلاثة أشهر، هدفت إلى إخراج ياسر عرفات وقواته من المدينة. وشهدت تلك الفترة قصفاً كثيفاً للمخيمات الفلسطينية وأحياء طرابلس، ودماراً واسعاً طال مناطق مدنية، وسقوط آلاف الضحايا من الفلسطينيين واللبنانيين، في واحدة من أعنف مراحل الحرب الأهلية في الشمال.
كما أسس رفعت مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، كتائب المقاومة الطرابلسية، لمواجهة المد الإسلامي أولاً، وتأثيرات ياسر عرفات في المدينة، وتولى قيادة هذه المجموعة شخصية لبنانية مثيرة للجدل، وهي طارق فخر الدين، والتي ساعدت في ارتكاب مجزرة التبانة في العام 1985، بعد رحيل رفعت من المشهد.
فرق اغتيال وملاحقة المعارضين السوريين
لم يتوقف دور رفعت الأسد عند إدارة الحروب المفتوحة، بل امتد إلى العمل الأمني السرّي. إذ تشير شهادات لبنانية قديمة إلى قيامه بتأسيس شبكة اغتيالات خاصة، مهمتها ملاحقة عناصر جماعة الإخوان المسلمين السوريين الذين فرّوا إلى لبنان بعد أحداث الثمانينيات.
وبحسب هذه الشهادات، جرى تنفيذ عمليات اغتيال وخطف، نُقل على إثرها عدد من المطلوبين قسراً إلى دمشق، بالتنسيق مع ضباط من المكتب الثاني اللبناني في تلك المرحلة، ما جعل لبنان عملياً امتداداً أمنياً للساحة السورية.
رفعت الأسد في الذاكرة الطرابلسية
هكذا، لم يكن رفعت الأسد في وعي أبناء طرابلس “مسؤولاً سورياً سابقاً” أو “شقيق الرئيس”، بل شخصية لعبت دوراً مباشراً في تحويل مدينتهم إلى
ساحة تصفية حسابات إقليمية وسورية داخلية. صورة ارتبطت بالقصف، والحصار، والاغتيالات، واستثمار الانقسام الطائفي، وبقيت راسخة في الذاكرة الشمالية، حتى بعد خروجه إلى المنفى وغيابه الطويل عن المشهد.
ومع رحيله، تعود هذه الذاكرة إلى الواجهة، لا بوصفها مجرد صفحة من الماضي، بل كتجربة لبنانية مريرة مع تدخل أمني سوري شكّل أحد أكثر فصول الحرب الأهلية تعقيداً ودموية في الشمال.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى