
يعيش العالم على وقع التهديدات المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة ثانية، خصوصاً بعد تصريح الرئيس ترامب إنّ المرشد في إيران مريض ويجب تغيير القيادة في هذا البلد. تتفاوت المواقف بين الطرفين المشكلين لحدّ المعادلة الأولى، فإدارة ترامب أكثر اتزاناً وتحفّظاً في مواقفها تجاه إيران من حكومة نتنياهو. يسعى ترامب إلى تحقيق مصالح استراتيجية عليا لبلاده، من خلال ممارسة أقصى حدود الضغط بالعقوبات والتهديد بالحرب، من دون الاضطرار إلى خوضها، إلا إذا استدعت الظروف القاهرة ذلك. على الضدّ منه، تسعى حكومة نتنياهو اليمينية المتطرّفة، ويسعى هو شخصيّاً إلى الحرب بشتّى السبل. تدرك الولايات المتحدة أكثر من غيرها عواقب الحرب على المستويات السياسية والاقتصادية في المديين، القريب والبعيد. ولذلك الإدارة نفسها منقسمة بين رأيين: يمثل الأول تيار المحافظين الجدد الذي بدأ يتزعزع بنيانه قليلاً، والذي يرى تغيير الأنظمة وتدمير الدول مهمّة واجبة، وتيار المحافظين من مجموعة MAGA (اختصارًا لعبارة … اجعل أميركا عظيمة مجدّداً)، والذي يرى أنّ أميركا أولاً وأميركا العظيمة تعني ألا تفرض على الآخرين كيف يكونون، بل أن تكون عظيمة بالكفّ عن ذلك، وأن تقدّم المثال القابل للاحتذاء به، لا فرضه على الآخرين. ترى حكومة إسرائيل الراهنة، المؤيدة بأكثرية شعبية يمينية متطرّفة، أنّ تقسيم إيران وتجزئة دول المنطقة وفرض الهيمنة على محيطها، ليست فقط أهدافاً استراتيجيةً، بل هي مهمّات مقدّسة، لا بدّ من القيام بها لأنها ستضمن أمن إسرائيل إلى أمد بعيدٍ جداً. وفي المقابل، اعتبرت إيران أنّ استهداف المرشد يعني حرباً شاملة/ وأنها ستردّ بكل قوّة على أي اعتداء عليها.
احتفلت إسرائيل قبل أيام بالطائرة رقم 1000 التي تحمل المساعدات العسكرية الأميركية لها بدءاً من حربها على غزّة، هذا عدا عن الشحنات البحرية. يؤكد هذا حقيقة الاعتماد المطلق على أميركا ليس لتحقيق النصر فقط، بل لاستمرار الوجود. إذن، لن تتمكن حكومة نتنياهو من بدء الحرب، ما لم تكن قد أخذت الضوء الأخضر من ترامب. ليس دعم إسرائيل مقتصراً على أميركا بالطبع، فأوروبا تعتبر إسرائيل جزءاً من المنظومة الغربية، وليس بعيداً عن الإيضاح ما قاله رئيس وزراء فرنسا الأسبق، إيمانويل فالس، وكرّره مراتٍ إنّه “إذا سقطت إسرائيل فإنّ أوروبا ستسقط معها”. هذه عقيدة ليست خاصة بفالس، وحده، بل بأوروبا أو بالغرب عموماً. وتدرك إسرائيل أنها بعد “7 أكتوبر” (2024) باتت تحت الوصاية الأميركية المباشرة، وقد أثبتت حرب الأيام الإثني عشر التي شنتها على إيران ذلك، فلولا الدعم الأميركي والتدخل المباشر منها لما كانت الحرب أساساً. التضارب في المصالح يجعل اتخاذ المواقف أصعب بالنسبة للجميع، سواء الإدارة الأميركية أو حكومة نتنياهو، لكنّ القرار، في النهاية، قرار ترامب الذي حجّم إسرائيل في ثلاثة مطارح مختلفة خلال الأسبوعين الأخيرين، سورية حيث منعها من استمرار التدخل، خصوصاً في معارك الدولة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفي غزّة حيث شكل مجلس السلام (والمجلس التنفيذي تحته) من دون مشاورتها أو إعطائها “الفيتو” المعتاد، وأخيراً في إيران، حيث أوقف القصف في آخر لحظةٍ، وإن ما زال يهدد به ويتحضّر له.
العامل الأساسي الفاعل في إيران اليوم هو الشعب الإيراني بغالبيته الكبيرة، الذي يقابله النظام الحاكم بكلّيته، أي بأجهزته والشرائح المستفيدة من وجوده وبقائه بهذا الشكل
العامل الأساسي الفاعل في إيران اليوم هو الشعب الإيراني بغالبيته الكبيرة، الذي يقابله النظام الحاكم بكلّيته، أي بأجهزته والشرائح المستفيدة من وجوده وبقائه بهذا الشكل. ليست إيران دولة هامشية أبداً، لا في الجغرافيا ولا في التاريخ. وبغضّ الطرف عن سلوك نظامها الحالي الذي يقوم أساساً على فكرة التدخّل في شؤون دول الجوار، وبصرف النظر عن الحساسية الكبيرة والمشاعر السلبية تجاه نظام حكمها وما سبّبه من مآسٍ لشعوب المنطقة العربية، فإنّ بقاء إيران موحّدة وانتقالها إلى نظام حكم متوازن، لا يقوم على العداء لشعوب المنطقة ودولها، مطلب داخلي إيراني، قبل أن يكون مطلباً خارجيّاً. الصدام بين الشعب الإيراني، بنسب متفاوتة من شرائحه القومية والطبقية والجهوية، ونظام الحكم حقيقة لا مراء فيها. عاشت شعوب المنطقة الأصيلة هنا على مرّ الزمن، وكانت الصراعات والحروب بينها جزءاً طبيعيّاً من دورة التاريخ، لكنّ قدوم العنصر الدخيل على المنطقة حوّل بعض الصراعات، أو حاول تحويلها على الأقل، إلى صراعاتٍ وجوديةٍ ليصرف النظر عن طبيعته هو ذاته باعتباره من خارج المنظومة الإقليمية برمتها، وتمّ فرضه عليها بقوّة العنف الاستعماري الغاشم.
سيضطر النظام الإيراني إلى إصلاحات بنيوية جذرية إن أراد لبلاده البقاء موحّدة
حتى وإن استطاعت الحكومة الإيرانية قمع الاحتجاجات الشعبية، التي دخل فيها هذه المرّة تجّار البازار، أي الحامل الأساسي للاقتصاد الإيراني، ستستمرّ الأزمة البنيوية والهيكلية، فانهيار العملة والتضخم المرعب سيبقيان المرجل الاجتماعي في حالة غليان. لم يكن استخدام ترامب أقصى أشكال الضغط على النظام الإيراني بهدف حماية الإيرانيين من القتل والتنكيل كما يدّعي، لكنّه، في الحقيقة، من أجل ضمان مسائل أساسية حدّدها في استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها نهاية العام الماضي. أول هذه الأهداف حماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وتعزيز السيطرة على طرق الإمداد البحري وسلاسل التوريد، وضرب مصالح المنافس الأكبر، أي الصين، ثم حماية إسرائيل وضمان تفوقها على جميع جيرانها. أوضحت مطالب ترامب ذلك بصراحة، وكانت العناوين الرئيسية الوقف الكامل للبرنامج النووي وتسليم اليورانيوم المخصب، تدمير الصواريخ الباليستية طويلة المدى، وهما الأمران اللذان رفضتهما إيران بشكل قاطع، لأنهما يمسّان الأمن القومي، رغم استعدادها للاستمرار في التفاوض على أساس الاحترام المتبادل.
من مصلحة الشعب الإيراني وشعوب المنطقة ودولها عدم نشوب الحرب، فالتجارب التاريخية تدلّ على أنّ إسقاط الأنظمة الديكتاتورية من الخارج بفعل المحتل أو تحت وقع ضرباته لا يأتي بالحرية للشعوب ولا بالكرامة أو بالديمقراطية، وتجربة العراق خير مثال على ذلك. يعلمنا التاريخ، مرّة تلو المرّة، أنّ شرعية أي نظام حكم لا تأتي من الخارج فقط، بل أساسها المتين يكون من داخل البلاد، فالشعب مصدر الشرعية الأول والرئيس. ويعني هذا، من حيث النتيجة، أنّ النظام الإيراني سيضطر إلى إصلاحات بنيوية جذرية إن أراد لبلاده البقاء موحّدة، وإن كان يهدف فعلاً إلى عصمتها من التفكّك والخراب كما فعل هو نفسه، أو ساعد على الأقل بإيصال عديد من بلدان المنطقة إلى ما هي عليه. قد يضطر العسكر إلى التخلي عن نظام ولاية الفقيه، ويذهبون إلى ديكتاتورية عسكرية بحتة تضبط الأمن وتنفتح على الغرب. سيضمن هذا لإيران النجاة مؤقّتاً من الانهيار، لكنّه لن يكون كافياً على المدى البعيد، فالشعب الإيراني يريد الحرية والكرامة والتنعّم بخيرات بلاده من دون حصار أو حروبٍ مع العالم بأسره. وهذا يعني أنّه سيبقى يناضل. فهل نشهد حرباً جويّة جديدة خاطفة بين إسرائيل وإيران، وهل ستتدخل أميركا وتسقط نظام الملالي؟ يتحدّد هذا كله خلال أيام، وإن كان صدر هذا اليوم ولّى فإنّ غداً لناظره قريب.
المصدر: العربي الجديد






