غرينلاند: هل يكرّر الأميركيون سيناريو لويزيانا؟

مدى الفاتح

أثار الرئيس الأميركي ترامب الدهشة بعمليته التي خطف فيها الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وبتصريحاته عن نيّته الجادة لضم كل من كندا وغرينلاند. يرد المتابعون ذلك لشخصيته التي لا تعبأ سوى بالمصلحة، ولا تكترث للقانون الدولي ولا لأعراف العلاقات مع الدول. لكن ما يحدث من تحرّكات أميركية لا يفسره فقط سلوك ترامب الخاص، حيث تخبرنا القراءات الأكثر موضوعية أن عملية فنزويلا مثلاً كانت ناجمة عن تشاور مع مسؤولين عسكريين وسياسيين، وكذلك المواقف الأخرى المتعلقة بالتدخلات الأميركية في أكثر من مكان، بما فيها تهديداته أخيراً إيران.
ترامب، الذي سأله صحافي عن سبب التراجع في فنزويلا، ولماذا لم تشمل العملية الاستمرار في الغزو وتفكيك مؤسّسات النظام، قال إنه لا يريد أن يكرّر تجربة العراق، حين حرص الجميع حينها على إنهاء كل وجود لنظام “البعث”، وانتهى الأمر إلى أن تحولت كوادر قديمة إلى سند للمقاومة المسلحة ولتنظيم داعش الإرهابي الناشئ. وتقدّم هذه الإجابة دلالة على أن الرجل لا يخطّط منفرداً ولا يستسلم لتهوّره ورغباته الخاصة، بل يتحرّك وفق رؤية مبنية على تجربة. ومما يمكن الاتفاق عليه أن عملية توغّل عسكرية في كاراكاس كانت ستكون لها تكلفة كبيرة، وربما كانت ستنشئ تعقيداتٍ لا يمكن التكهن بنتائجها.
تمثل شخصية ترامب عاملاً لا يمكن تجاهله، ولكن يصعب أن يقال إن كل ما تفعله أميركا سلوك جديد وشاذ في مسيرة تاريخها، حيث تميز التاريخ الأميركي المعاصر بالتدخّل المباشر أو غير المباشر في الدول، عبر تنفيذ عمليات عسكرية، والمساهمة في قلب أنظمة حكم وفي قمع ثوراتٍ أو تمويلها، بل يمكن القول إنه لا توجد منطقة في العالم إلا وتدخلت فيها الولايات المتحدة بطريقةٍ من الطرق. وفي هذا السياق، من المفيد التذكير بالطريقة التي نشأت بها الولايات المتحدة، واعتمدت على تمدّد المستوطنين، ثم استحواذهم على الأراضي، التي يرون أنها مفيدة. وقد تم الاستيلاء بداية القرن التاسع عشر على لويزيانا، التي تضاهي مساحة غرينلاند، حينما شعر الأميركيون أنهم بحاجة إليها، وإلى ما فيها من موارد. حدث هذا في زمن توماس جيفرسون، أحد الشخصيات المركزية في تاريخ الولايات المتحدة وأحد من يعرفون بـ “الآباء المؤسّسين”، الذين كتبوا إعلان الاستقلال عن بريطانيا. لم يكن جيفرسون رجل أعمال بأفق سياسي ودبلوماسي محدود، مثل ترامب، بل كان محامياً وخبيراً قانونياً ومساهماً في تطوير البحث العلمي وفي وضع القوانين. وكان يُعرف بامتلاك أكبر مكتبة شخصية في الولايات المتحدة. كانت طريقة تفكيره مشابهة لطريقة تفكير ترامب من حيث إيمانه بضرورة التوسع وفرض النفوذ.
تمثل شخصية ترامب عاملاً لا يمكن تجاهله، ولكن يصعب أن يقال إن كل ما تفعله أميركا سلوك جديد وشاذ في مسيرة تاريخها
كثيراً ما يُشار إلى عملية شراء ولاية لويزيانا، الأرض التي كانت تملكها فرنسا، في 1803 بأنها من أهم إنجازات جيفرسون. الطريف أنه اشتراها بثمن بخس يقدّر بسبعة دولارات للكيلومتر الواحد، ما يساوي حالياً 150 دولاراً.
مع اختلاف الخلفيات، يلتقي ترامب وجيفرسون في منطقهما ويجعلاننا نفكر أكثر في التشابه بين لويزيانا وغرينلاند. كان جيفرسون يرى أن التأخر في ضم هذه الأراضي، ذات الموقع الاستراتيجي، قد يعني سقوطها في يد قوى أخرى، كالروس أو البريطانيين أو الإسبان. نرى المنطق نفسه عند ترامب، الذي يخشى أن تمتد اليد الروسية إلى غرينلاند التي تقع حالياً تحت النفوذ الدنماركي، تماماً كما كانت لويزيانا تابعة لفرنسا، لكن الفارق أن الدنمارك تظهر تمسكاً كبيراً بغرينلاند، كما أن المواطنين هناك لا يبدو أنهم مستعدون لتبديل ولاءاتهم، على عكس ما حدث قبل قرنين في لويزيانا.
يذكُر المؤرخون أن رجال قبيلة ماندان اللويزيانية، على سبيل المثال، كانوا معجبين بالأميركيين القادمين، ويرون فيهم مظاهر قوة، إلى درجة أنهم لم يتشاركوا معهم الذرة فقط، التي كانت مهمة من أجل إبقائهم على قيد الحياة، ولكن النساء أيضاً. للشرح نقول إنه وفقاً لأعراف تلك القبيلة، كان منح المرأة لممارسة الجنس مع رجل قوي يعني لهم انتقال قوته إلى زوجها، وهو ما عرف عند علماء الأنثربولوجيا بتقليد “رقصة الجاموس” الذي كان شائعاً آنذاك هناك.
ماذا يمكن للدول الأوروبية أن تفعل لمنع غرينلاند من مواجهة مصير لويزيانا؟
تأخذ المسألة في حالة غرينلاند بعداً آخر، فلا تعد الصفقة متعلقة بالشعب الرافض فقط، ولا حتى بالدولة الراعية، وإنما تتجاوز ذلك لتصبح قضية تحدٍّ أوروبية، تعبر فيها دول الاتحاد عن التضامن وعن رفضهم مخطط شراء الجزيرة. لكن السؤال هنا: ماذا يمكن للدول الأوروبية أن تفعل لمنع غرينلاند من مواجهة مصير لويزيانا والتحوّل إلى مجرّد ولاية أميركية إضافية؟
أدلى الرئيس ترامب، السبت الماضي، بتصريح تعهد فيه بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الأوروبيين، والتي ستبدأ بفرض 10% في الأول من الشهر المقبل (فبراير/ شباط) على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا. وسوف تزيد هذه الرسوم حتى تصل إلى 25% في يونيو/ حزيران المقبل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق يسمح لواشنطن بإتمام عملية الشراء. ولم يتأخّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرد على هذا التصريح بمنشور مضمونه التأكيد على الموقف الفرنسي والأوروبي، المتعلق بضرورة احترام سيادة الدول، كما شدّد على أن المعاقبة عبر الرسوم الجمركية لن تثنيهم عن موقفهم.
يعترض أميركيون على مخطط ترامب، بل تواجه مساعي الاستحواذ على غرينلاند اعتراضاتٍ في داخل الحزب الجمهوري نفسه. على سبيل المثال، يقول دون بيكون، وهو عسكري، وممثل لولاية نبراسكا حالياً في مجلس النواب، أن ترامب إذا لجأ إلى استخدام القوة في موضوع غرينلاند، فسوف تكون هذه نهاية حقبته الرئاسية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى