
ليس هناك شك في أنّ أربعة عشر عاماً من الصراع الدموي بين الشعب السوري وسلطة منظومة الاستبداد البائدة مزقت النسيج الوطني، وعمّقت المخاوف وعدم الثقة المتبادلة بين جميع المكوّنات الاجتماعية، بما في ذلك داخل الطائفة والجماعة الواحدة، وليس بينها فحسب.
وقد كشفت المرحلة الانتقالية، منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تهتك هذا النسيج في الساحل والسويداء وأخيراً في حلب.
ويبدو أننا أحوج ما نكون إلى إعادة رسم الخريطة الإدارية، بما يضمن للمكوّنات تمثيلها في مناطق توزعها على الجغرافيا السورية، طبقاً لأسس المصلحة العامة والكفاءة والفاعلية والمردودية، وهذا هو جوهر نظام الحوكمة الرشيدة التي تقوم عليها الدول.
شروط تأسيس الكيانات وصيرورة تطورها وضمان استمرارها مسألة أعقد من أن تتم وفقاً لاعتبارات عاطفية، بل هي تخضع لحسابات عقلانية تدخل في إطارها المصالح الاقتصادية والواقع الجغرافي والتوزع الديمغرافي..
إذ إنّ التوزّع الجغرافي لهذه المكوّنات وعدم توفّر وحدة الأرض لأي منها، تحصر مفهوم “حق تقرير المصير” بحقوق المواطنة الكاملة، من دون أي تمييز قومي أو طائفي أو مذهبي، بما فيها الحقوق الثقافية لكل منها.
ولا شك أنّ شروط تأسيس الكيانات وصيرورة تطورها وضمان استمرارها مسألة أعقد من أن تتم وفقاً لاعتبارات عاطفية، بل هي تخضع لحسابات عقلانية تدخل في إطارها المصالح الاقتصادية والواقع الجغرافي والتوزع الديمغرافي، ولا يعني ذلك عدم حصول عمليات فصل ذات طابع مغامر، وتتحدى كل معايير إنشاء الكيانات الواقعية وتصنع عنوة مسارات خاصة بها.
لكنّ هذه التجارب إما أن لا يطول بقاؤها كثيراً على هذه الحالة، ولا تلبث أن تجبرها الظروف على العودة للبحث عن صيغة جديدة للوصل والتواصل، أو أنها تبقى في وضعية العجز والتشوّه من دون القدرة على تجاوزه، بدءً من قدرتها على تظهير هويتها الخاصة وصولاً الى عجزها عن تطوير أوضاعها السياسية والاقتصادية.
إضافة إلى الموانع الخارجية لتقسيم سوريا، ليس فقط لأنّ القوى الإقليمية والدولية، صارت صاحبة القول والفعل في القضية السورية، إنما أيضاً لأنّ القوى الداخلية باتت أضعف من أن تؤثر في الواقع السوري بصورة ملموسة.
ويبدو أنّ مصالحة شاملة ستكون خطوة هامة على طريق المشروع الوطني السوري، والمقدمة المطلوبة للارتقاء بالعلاقة مع الوطنية الجامعة نحو مستويات أفضل تنسجم مع وقائع التاريخ والجغرافيا والتوزع الديمغرافي والمصالح المشتركة، وسيكون من دون شك لصالح الكرد والدروز والعلويين وكل السوريين بشكل عام في جميع المناطق السورية.
وهكذا، في ظل صراع الهويات والسرديات القائم اليوم، وكذلك المقتلة التي عصفت بسوريا، أصبح السوريون في حاجة ملحّة إلى عقد اجتماعي جديد، ينقلهم إلى الحالة الوطنية الجامعة، يخلق مساحة لمشاركة قوى سياسية واجتماعية واقتصادية في العملية السياسية الوطنية.
وهذا يستدعي أن تتجه القيادة المؤقتة للمرحلة الانتقالية نحو تشاركية سياسية واجتماعية، تتناول المواضيع والمسائل الأساسية كافة التي تهم جميع المكوّنات السورية الرئيسية، من خلال انخراط الجميع في عملية صياغة العقد الوطني الجديد، على أن تواكب هذه العملية ضمانات دولية وإقليمية في إطار الأمم المتحدة، توفر الضمانات لإنجاحها وتثبيت نتائجها وحماية هذه النتائج.
وما ينبغي قوله، إنّ الانطلاق من الهويات الفرعية فقط سيحمل نتائج سلبية قاتلة، لجهة الصراع بين الهويات المكوّنة للدولة، في حين أنّ قضايانا تتطلب تأسيس دولة عصرية، لا تسخّر السلطة لصالح هوية قومية أو دينية أو طائفية محددة على حساب باقي الهويات والمكوّنات، فنموذج الحكم في الدول ينبغي أن يجسّد كل هذه الهويات والمكوّنات الاجتماعية والسياسية.
إذا كان للامركزية الإدارية أن تكون صيغة مناسبة لاتحاد سوري طوعي، يطوي صفحة التصورات القومية والمركزية يقتضي الأمر أن تبادر سلطة المرحلة الانتقالية إلى التوجه نحو هذه اللامركزية، وأن تكون النخب السياسية والاجتماعية جادة في شأنها..
ولعلَّ مشروع اللامركزية الإدارية الموسّعة، على أساس جغرافي وليس قومياً أو طائفياً أو مذهبياً، سيكون مساهماً في وقف النزيف السوري، وبناء مستقبل سوريا الغد في إطار التعددية والديمقراطية والحوكمة الرشيدة، كما سيسهم في ازدهار البلاد اقتصادياً، وتماسكها كوحدة جغرافية تقطع السبيل أمام التقسيم والتشتت.
وإذا كان للامركزية الإدارية أن تكون صيغة مناسبة لاتحاد سوري طوعي، يطوي صفحة التصورات القومية والمركزية يقتضي الأمر أن تبادر سلطة المرحلة الانتقالية إلى التوجه نحو هذه اللامركزية، وأن تكون النخب السياسية والاجتماعية جادة في شأنها، وأن تقوم على تفاهم سياسي عريض، وتُراعى مقتضيات قيامها من استشارة السكان وتوفير تمثيل فعّال لهم، ومن توفير بيئة أكثر ملاءمة للاتحاد في البلد ككل، وفي المحافظات والمناطق والنواحي والبلدات.
إنّ الخيار ليس بين المركزية الطاغية، أو التقسيم، أو الفدراليات الطائفية والقومية، بل هو بين هذا كله وبين نظام ديمقراطي حقيقي، تُضمن فيه صلاحيات الحكومة المركزية، في المجالات الكبرى كالخارجية والدفاع والعملة وإدارة الموارد الاقتصادية الرئيسية، حكومة قادرة على حل القضايا المعلقة والشائكة. إنه أيضاً النظام الذي يضمن، في الوقت نفسه، أوسع الصلاحيات للمحافظات والمناطق والنواحي.
المصدر: تلفزيون سوريا





