
محمد تركي الدعفيس روائي وصحفي سوري متميز. البلم هذه الرواية الأولى التي قرأتها له، وهي من عنوانها “البلم” وهو قارب النقل البحري الذي يكون مطاطيا على الأغلب الذي أصبح شائعا كوسيلة لنقل اللاجئين السوريين خاصة الى اوروبا كأحد تداعيات الهروب بالملايين من سورية طوال سنوات الحرب التي امتدت لأكثر من عقد، التي أعلنها النظام البائد ضد الشعب السوري.
تعتمد رواية البلم في السرد على ضمير المتكلم على لسان الشخصية المحورية فيها “همام” واحيانا غيره من شخصيات الرواية، كذلك أعتمد السرد على لسان السارد العليم.
تبدأ الرواية حيث يتوجه همام الى مدينة ازمير التركية المحاذية الجزر اليونانية التي أصبحت مقصدا للهاربين من سورية إلى أوروبا عبر تركيا. حيث يعبرون البحر إلى الجزر اليونانية ومن هناك إلى مقصدهم احدى الدول الاوربية. هولندا او السويد او المانيا… الخ.
همام يبحث في إزمير عن مهرب مناسب ليتفق معه على تكلفة نقله إلى اليونان. ويلتقي بأحدهم يتفاوض معه على التكلفة. يتفقان على السفر بالبحر بواسطة البلم ويدفع له المبلغ المتفق عليه. وينتظر مع آخرين حتى يأتيهم توقيت الانتقال الى المكان المحدد ومن ثم يتم نقلهم، يعتمد ذلك على توقيت حركة الجندرما التركية والتنسيق مع المهربين وانتظار اللحظة المناسبة. سيتعرف همام الذي كان وحيدا على المرافقين له وهم حوالي خمسين شخصا رجال ونساء وأطفال ، يقضون ما تبقى من وقت انتظارهم بمعرفة بعضهم بعضا يتحدثون عن حالهم . هذا شاب اعمى وبصحبته اخته الصغيرة. وتلك فتاة ذاهبة لتلتحق بخطيبها الذي ذهب قبلها إلى أوروبا. وأولئك اسرة مكونة من أب وأم وأطفالهم الصغار وآخرين.
يتذكر همام والآخرين رحلة هروبهم من الداخل السوري الى الشمال ومن هناك الى تركيا و المعاناة والصعوبات التي مروا بها حتى استطاعوا الدخول الى تركيا ومنها توجهوا الى اسطنبول ثم الى ازمير.
لم تكن الرحلة سهلة وخاصة على الأطفال الذين لم يستطيعوا استيعاب انهم يهربون من الموت يلاحقهم، يتركون كل شيء وراءهم ويتوجهون إلى مجهول لا يدركون ماذا سيكون مصيرهم.
واخيرا جاءهم توقيت الذهاب إلى نقطة التجمع للذهاب الى حيث يتواجد البلم لينتقلوا الى اليونان ، لكن تكتشفهم الشرطة التركية التي احتجزتهم لفترة من الزمن ثم أطلقت سراحهم. ليعودون في محاولة أخرى للانتقال الى اليونان عبر مهرب جديد. في هذه المرّة تنجح المحاولة ويستطيعون الوصول الى البلم والركوب به. ولكن بصعوبة كبيرة. فهو أصغر من أن يحمل الكل، وكادت تغرق امرأة وابنتها وتم انقاذهم. واحتشدوا فوق بعضهم داخل البلم الذي لم يكد يسير قليلا حتى بدأ يتكسر وتدخل المياه اليه. وكاد يغرق. تساعد الكل في نضح المياه منه. ونجح البلم بالوصول الى الجزيرة متحطما، لكن ركابه كانوا جميعهم سالمين.
بدأ الجميع يتفقد أحوالهم، حاصرتهم الشرطة اليونانية. واخذتهم لتوثيق قيدهم في سجلّاتها ، وبعد ذلك تركتهم ليبحثوا عن الوسيلة المناسبة للانتقال إلى مقاصدهم من الدول الأوروبية. وكان لا بد أن يذهبوا إلى الحدود المقدونية التي سيعبرونها إلى مقدونيا ومنها الى الدولة التي يريدون. لكن مقدونيا قررت اقفال حدودها مع اليونان. والسبب حصول حالة إشباع من اللاجئين في الدول الاوربية، والحل أن يبقوا في اليونان الى اشعار آخر.
كان ذلك كارثة لاغلب اللاجئين الذين كانوا قد خططوا للذهاب إلى أوروبا. بعضهم لهم أهل سبقوهم الى هناك. والاغلب يعلم أن العيش في اليونان شبه مستحيل في بلد فقير وفرص العمل والحياة فيه ضعيفة.
بدأت الدولة اليونانية بتجميع الناس في “كامبات” – مخيمات أو ابنية قديمة مهجورة. تقدم لهم الحد الادنى من العيش على الكفاف. وهكذا بدأ البعض بالتكيف مع العيش هناك والبعض داوم يصرف ما حمله معه من مال ليعيش محافظا على كرامته. والبعض فكّر جديا بالعودة الى بلده في سورية.
في الكمب غاص همام أكثر في التعمق حياة المحيطين به. وهو نفسه جاء بلحظة باح بها بقصة حياته وغصّته. احب ابنة عمه وهي كذلك وانتظر حتى يتزوجها لكن اخاه الاكبر تزوجها ضمن عرف اجتماعي سائد وملزم، وخسر حب حياته. عرف واقع تلك الفتاة التي عاشت حياة مأساوية منذ طفولتها. يتيمة تعيش في كنف عمها. زوجة عمها تظلمها منذ طفولتها. وحينما كبرت خطبها قريبها الذي لجأ إلى أوروبا قبلها. وهي لحقته. لكن المنع في اليونان اثر عليها وصرفت ما كان معها. وخطيبها لم يعد يتواصل معها. حتى وصلت الى مرحلة قررت أن تبيع جسدها لتعيش، لولا أن ساعدها همام في إيجاد فرصة عمل لها في بيت تعيش به محافظة على كرامتها. وغير ذلك كثير.
لم يستسلم اللاجئون في اليونان لقدرهم أن يبقوا في اليونان. بدؤوا يجمعون انفسهم في اعتصامات يطالبون الحكومة بحل عادل لقضيتهم وأن يسمح لهم بالسفر إلى الدول الأوروبية ويأخذون فرصة عيش أفضل.
لكن ذلك لم ينفع.
استغل همام موهبة الرسم التي اعتمدها كوسيلة عيش و ليؤمن حياته حتى ينتهي حال منع اللجوء الى اوروبا. وساعد إحداهن على أن تعمل بكرامتها عند إحدى الأسر حتى لا تبيع جسدها لتعيش. وهكذا تكيف الأغلب بشكل ما ليؤمن لقمة عيشه. وعاد البعض من حيث أتوا الى بلدانهم في سورية.
أدرك اللاجئين أن هروبهم من بلادهم لحماية أرواحهم لم يمنع إحساسهم بأنهم فقدوا بلدهم سورية وفقدوا معها كرامتهم وانسانيتهم التي هدرت كما هدر الوطن كله.
ومرت حوالي السنة وقررت الدول الاوربية ان تستقبل أعدادا محددة من اللاجئين وفق برنامج محدد لكل دولة. وهكذا بدأت مشكلة اللاجئين السوريين المتواجدين في اليونان في طريقها إلى الحل.
تنتهي الرواية حيث يستمر همام في رسم لوحاته والعيش من مردود بيعها ، والآخرين اصدقاؤه في الكمب يتكيفون مع حياتهم بشكل ما. وينتظرون جميعا خلاص ما…
في التعقيب على الرواية اقول:
أن أي رواية هي شهادة على عصرها. والرواية بين يدينا شهادة على ماحصل مع السوريين الهاربين من الموت الذي لاحقهم في سنوات الثورة التي امتدت لثلاثة عشر عاما حتى انتصرت واسقطت النظام المستبد الظالم.
عالجت الرواية واقع الهاربين من “الحرب” كما قالت الرواية ولم تقل لنا حرب بين من ومن. ؟.
انها حرب النظام المستبد الظالم على الشعب السوري الذي خرج يطالب بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والحياة الأفضل. طالب بها بالوسائل السلمية عبر التظاهر ولم يستجب النظام وقرر أن يعلن الحرب على الشعب وبكل الوسائل الطيران والبراميل المتفجرة والقصف والتدمير والتهجير واستدعى حزب الله اللبناني وإيران وروسيا بسلاحها الذي حول سوريا الى مقبرة جماعية وكوم انقاض. لا ننكر أن المعارضين واجهوا النظام بالسلاح وأصبحت فعلا حربا غير متكافئة بعد ذلك. لكن المسؤولية تعود كاملة على النظام الساقط في وجود واستمرار هذه الحرب.
كتبت الرواية عام ٢٠١٧م ونشرت بعد عام. كان الشهداء بمئات الآلاف ومثلهم الجرحى وكذلك المعتقلين وكان النازحون في الداخل السوري واللاجئين في الخارج بالملايين…
هكذا كان حال السوريين وقتها…
لم يكن يكفي أن نقول هربنا من الحرب لنحدد شهادة للتاريخ ماذا حصل في سورية.
غير ذلك :
نجحت الرواية في الدخول لأعماق ابطالها انسانيا على كل المستويات. وإعادت سرد حكاية اللجوء السوري عبر البحر بالبلم وغيره وقدمت وثيقة تندرج تحت عنوان:
لكي لا ننسى. ونحافظ على حريتنا التي حصلنا عليها بعد ما قدمناه من أكثر من مليون شهيد ومثلهم مصاب ومعاق. وتدمير مدن وبلدات كثيرة. ثم انتصرنا واسقطنا النظام المستبد المجرم.
نعم … كان ثمن حريتنا غال جدا…






