
تظهر تطورات المشهد الإيراني عمق الأزمة الداخلية بشقيها المعيشي والاجتماعي، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تشابك ما يجري مع الديناميات الإقليمية والدولية، ومخاطر تفاعلها في الدول المجاورة وبينها تركيا التي تقلق لأكثر من سبب.
تلوح موجات الاحتجاجات الشعبية في المدن الإيرانية والتوتر الحاصل مع أميركا مصحوبا برسائل التهديد الإسرائيلي، باحتمال انتقال هذا التوتر والتصعيد إلى دول الإقليم . فارتدادات الفوضى في إيران قابلة للتحول إلى أزمة سياسية وأمنية وربما جغرافية كما يريد البعض.
من هذا المنطلق، تصبح أسئلة مثل: كيف تقرأ طهران التطورات الداخلية عندها وكيف تتعامل معها؟ وهل هذه التطورات ستجبرها على إعادة قراءة سياساتها ومواقفها في المنطقة؟ وما الذي يقلق أنقرة في المشهد الإيراني؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في هذه المرحلة؟ وكيف يمكن لتركيا أن تتعامل مع هذا الواقع الجديد؟ ليس مجرد تساؤلات بفضول تحليلي، بل جوهر الرؤية الاستراتيجية التي تحاول أنقرة من خلالها حماية مصالحها وموازنة نفوذ شركائها الإقليميين والدوليين. من هنا تحمل هذه التطورات من منظور تركي العديد من المخاطر المباشرة على الأمن القومي والمصالح الإقليمية، خصوصا نتيجة التهديدات الأميركية والإسرائيلية اليومية والضغوطات التي تمارس على طهران.
تلتقي تصريحات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، والمتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر شليك، وزعيم حزب الحركة القومية اليميني دولت بهشلي، عند رفض أي تدخل خارجي مع إعلان أن إيران يجب أن تعالج مشاكلها لوحدها داخليا. لكن ما تعرفه أنقرة جيدا اليوم هو أن المشهد الإيراني لم يعد مسألة داخلية بحتة، وأن الوضع هناك بات مرتبطا بالتوازنات الإقليمية الجديدة. من هنا تسعى تركيا لرسم خارطة طريق جديدة مصحوبة بالكثير من السيناريوهات في التعامل مع تطورات المشهد الإيراني.
أي خطأ إيراني كبير في إدارة الأزمة قابل للتحول إلى انفجار شعبي واسع يتجاوز مسألة وجود أزمة مركبة تشمل الاقتصاد المتدهور، والضغوط الاجتماعية، وتراكم السياسات الداخلية والخارجية التي أثقلت كاهل الشعب. تضع هذه التحديات إيران أمام تقاطع طرق يفرض عليها إعادة تقييم سياساتها الداخلية والخارجية، مع مراعاة التوازنات الإقليمية الجديدة.
لذلك ما يقلق تركيا هو ارتباط هذه التحولات بالاستقرار الإقليمي وارتداداته عليها من خلال موجات لجوء سبق أن عاشته مع دول الجوار، أو تحولات غير متوقعة في المواقف الإيرانية تجاه سوريا والعراق ولبنان، وارتدادات أميركية–إسرائيلية أوسع، وهو ما يعني دفع أنقرة لمراجعة كل حساباتها الاستراتيجية في المنطقة.
ترفض تركيا، وفق التصريحات والمواقف السياسية الصادرة عن قياداتها، التدخل العسكري الخارجي في إيران ليس دفاعا عن سياسات طهران، بل لمنع أي تصعيد قد يجر المنطقة إلى الفوضى، مع السعي لتأمين مصالحها الحيوية والتوازنات الإقليمية. من هنا تواجه أنقرة جملة من التحديات والمخاطر بسبب الأزمة الإيرانية يتقدمها: احتمال حدوث موجات لجوء باتجاه أراضيها تسهّل لبعض المجموعات الإرهابية استغلال مثل هذه الفرص لتسجيل اختراقات أمنية داخل مدنها. الغموض الذي قد تحمله تعقيدات المشهد على مسار ومستقبل العلاقات التركية–الإيرانية التجارية، وارتدادات ذلك على مصالحها الاقتصادية وتفاعله في الداخل التركي الذي يعيش منذ سنوات العديد من المشاكل الاقتصادية والمعيشية. إلى جانب محاولة اقتراب إسرائيل من حدودها الشرقية بعد محاولات اختراق جغرافي من حدودها الجنوبية والغربية.
تشير جميع المعطيات وتصريحات القيادات السياسية الأميركية والإسرائيلية إلى التقاء خطط ومصالح البلدين في محاولة لعب الدور الحاسم في رسم مسار ومستقبل الأزمة في إيران . بين أبرز الأهداف المعلنة وغير المعلنة: فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني ومنع أي صعود وتمدد سياسي وعسكري إيراني في الإقليم . إضعاف النفوذ الإقليمي لإيران، خصوصا في العراق ولبنان وسوريا، ومحاصرة سياساتها في اليمن وخطوط الطاقة . التحكم في الحسابات الإقليمية، بما يتيح لإسرائيل الفرصة لتوسيع رقعة التأثير الأمني والجيوسياسي دون مواجهات مباشرة واسعة النطاق. ردع إيران عسكريا ومنع أي تحرك إقليمي يمكن أن يشكل تهديدا مباشرا على مصالح ونفوذ البلدين، بما في ذلك وجود إيران أو حلفائها قرب الحدود الإسرائيلية.
من حق تركيا أن تقلق وتبحث عن زيادة التنسيق المتعدد الجوانب وأهداف على المستويين الإقليمي والدولي، فتصعيد من هذا النوع سيكون له ارتداداته الحتمية على مصالحها ونفوذها الاستراتيجي في المنطقة.
تسعى تركيا وفق هذه المعادلات والتوازنات إلى موازنة مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية مع تجنب أي تصعيد مباشر، وتحاول تأمين استقرار المنطقة عبر الوساطات والتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة. وتتعامل مع الأزمة الإيرانية بحذر استراتيجي، فأي تغير في توازن القوى الإقليمي يؤثر على خطوط الطاقة والممرات اللوجستية التي تمر عبر أراضيها، قد يعزز نفوذا غير متوازن في مناطق تمددها ونفوذها.
وهذا ما يقود أنقرة للبحث عن مخرج دبلوماسي واستراتيجي يقلل المخاطر على حدودها، مع متابعة دقيقة لكل تحركات إيران وإسرائيل، وتجنب الانزلاق العسكري المباشر متمسكة بالعمل على تسهيل قنوات الحوار الإقليمي والدولي.
تختلف الأزمة الإيرانية الحالية عن سابقاتها؛ فهي ليست مجرد اضطرابات داخلية بأسباب معيشية وحياتية يومية، بل انعكاس لتحولات إقليمية وضغوط دولية متزايدة وتراجع في ثقل ونفوذ إيران على أكثر من جبهة.
من هنا فإن أفضل خيارات طهران في هذه المرحلة الصعبة بحسب العديد من العواصم، البحث عن فرص التواصل المباشر مع الإدارة الأميركية رغم كل جهود العرقلة الإسرائيلية، وهو خيار قد يتيح لطهران إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية والتخفيف من الضغوط الداخلية. السيناريو الأقرب والأكثر عملية وواقعية يمر عبر المصالحة السريعة مع الخارج لضمان مساحة من المناورة، ثم العمل على الإصلاح الداخلي بما يتماشى مع المستجدات الإقليمية والدولية.
القلق التركي ليس مجرد خوف من ارتدادات الداخل الإيران نفسها، بل من سلسلة تفاعلات إقليمية تتعارض مع مصالح تركيا ونفوذها في الإقليم وتشمل سوريا والعراق ولبنان والملف الفلسطيني. تعرف أنقرة أن فشل إيران في إدارة أزماتها قد يعني فوضى واسعة، وقد يفرض على تركيا استراتيجيات غير مريحة لإدارة الحدود وحماية مصالحها.
تواجه إيران هذه المرة تحديات غير مسبوقة تتجاوز حدودها الداخلية، مما يجعل خياراتها مرتبطة بالتوازنات الإقليمية. الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لم تعد خيارا داخليا فقط، بل ضرورة لمواجهة الحراك السياسي والأمني الأميركي–الإسرائيلي ضدها. خيار إيران لم يعد محصورا بالداخل، بل أصبح مرتبطا بشكل مباشر بردود الفعل الإقليمية والدولية.
وما يقلق أنقرة أيضا هو أن الخطر لا يكمن فقط في إضعاف النظام الإيراني، بل في احتمال انهيار بنية الدولة نفسها، بما يحمله ذلك من سيناريو فوضوي يشبه تجارب عاشتها على حدودها في العقود الأخيرة. وهذا القلق لا يقتصر على تركيا وحدها، إذ تتقاطع حساباتها مع مواقف عربية تسعى إلى منع أي تصعيد عسكري ضد إيران، انطلاقا من مخاوف مشتركة تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار أسواق النفط، واحتمالات انزلاق المنطقة إلى فوضى مفتوحة يصعب التحكم بمساراتها.
من هذا المنظور، لا تنطلق المقاربة التركية من مقولة الدفاع عن النظام الإيراني، بل من رفض سيناريوهات التغيير القسري من الخارج. إضعاف طهران أو دفعها إلى الانهيار السريع قد يطلق سلسلة ارتدادات أمنية وجيوسياسية تتجاوز إيران نفسها، وتمس مباشرة التوازنات الإقليمية بكاملها.
المصدر: تلفزيون سوريا






