حلب والتعامل مع الهواجس الكردية

صبا ياسر مدور

ما حدث في حلب من مواجهات لا يساعد بالتأكيد في تقديم انطباع جيد عن الاستقرار في سوريا، فليس من السهل استيعاب وجود معارك بالأسلحة الثقيلة في أحياء سكنية داخل ثاني أكبر مدينة في سوريا. لكن الحسم السريع لتلك المواجهات عاد ليعكس الاتجاه ويقدم الدولة بوصفها الطرف المهيمن على الأمن والقادر على تطبيق القانون. بدا ذلك كأنه أمر لا مفر منه، والأهم أنه لم يتسبب بخسائر كبيرة على المستوى الإنساني لا سيما بين المدنيين، كما أن معاملة الدولة للسكان النازحين جرت من دون تمييز لمرجعيتهم العرقية، وكان ذلك متوقعاً بالطبع. لكنه بالنسبة للسرديات الانفصالية، اعتبر انتكاسة حرمتهم من تسخيرها لبناء قضية ضد دمشق.

الأمر هنا يمكن أن يكون سبباً في بناء موقف تفاوضي جيد مع “قسد”، في إطار السعي لتنفيذ اتفاق آذار2025، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون أملاً حاسماً، فالمشكلة دوماً تكمن في التعقيدات التي تثيرها أطراف ناقمة داخل قسد، أو أطراف خارجية ما زالت تراهن على متغير الأقليات ليكون سبباً للفوضى، وإبقاء سوريا دولة هشة وقابلة للاختراق.
مثل هذه التصور يجسد افتراضات واقعية تعيها الدولة السورية من دون شك. ومن المتوقع أن تستثمر الحسم السريع في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لتبني سياقاً سياسياً وعسكرياً ومعنوياً يقود إلى تحييد العناصر الغاضبة والرافضة للاندماج ضمن الدولة داخل قسد، والمساعدة على تحقيق هذا الهدف بأقل الأضرار والخسائر الممكنة.
إن مدخل هذا الأمر يكون بتقديم نموذج للتعامل المنصف والمسؤول مع سكان الحيين من الأكراد بشكل خاص، وهو ما يحصل اليوم بالفعل، حتى على مستوى العمليات العسكرية وسعي القوات الأمنية لتجنيب المدنيين الذين يغادروا ديارهم أية مخاطر ممكنة، وقد وصل الأمر حد إعلان المناطق التي سيجري استهدافها، مع ما في ذلك من تناقض مع المتطلبات العملياتية المتعلقة بمفاجأة العدو في ساحة المعركة.

مثل هذا النمط من التعامل يقدم تصوراً مناسباً ومطلوباً وعملياً لسكان المحافظات الخاضعة لسيطرة قسد من الأكراد، فهؤلاء اعتادوا العيش تحت سلطة “دولة” وهمية شبه مستقلة، بمؤسسات وقوات أمن وموارد، بعيداً عن سيطرة دمشق. كما أنهم تغذوا طوال السنوات الماضية من فكرة إحاطتهم ببحر من الأعداء المفترضين، الذين تمثلهم الدولة السورية، وجيل كامل من هؤلاء السكان يعتقد أن الحكومة في دمشق بما يشمل النظام المخلوع أو السلطة الحالية، تتحفز للقضاء عليهم واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية أو تهجيرهم. وربما هذا الجيل من الشباب بوجه خاص لا يعرف حتى اللغة العربية التي يتحدث بها أعداؤه المفترضين.
جرى بناء هذه السرديات خصيصاً لتكريس المشاريع الانفصالية وبناء حواجز كان يؤمل لها أن تستمر، ويجب أن تتلاشى قبل أن استرداد الأراضي الخاضعة لقسد. وما يجري في حلب هو بداية هذا الجهد وأساسه، ويبدو أن الدولة السورية متنبهة لهذه الأولوية. لذلك كان اتصال الرئيس أحمد الشرع مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود بارزاني ضرورياً، لإرسال تطمينات للأكراد خارج وداخل سوريا. وهو عبّر عن ذلك بقوله إن الأكراد  “مكوّن أصيل وأساسي” من نسيج الشعب السوري، مؤكداً التزام الدولة “الكامل” بمساواتهم مع باقي أطياف الشعب “من دون تمييز”.

هذه المقاربة يمكن أن تكون أفضل بكثير جداً من التلويح بسوط الدولة وهيمنة الشرعية على “قسد”، فذلك يمكن أن يعزز من وجود المعارضين للاندماج مع الدولة، ويكون لهم دور تخريبي مؤثر، حتى لو كان محدوداً، والأخطر أن يقبل الناس بالاندماج مع الدولة وهم يشككون بنواياها، أو يعاملونها كخصم متغلب، فذلك سيفتح الباب للنكسة التالية، حتى وإن كانت غير منظورة حالياً.
وضع الأكراد في سوريا بحاجة إلى عناية خاصة، ليس فقط لأن ذلك من حقهم كمكون وطني كما قال الرئيس الشرع، لكن هذا المكون بالذات له خصوصية تتجاوز حساسية الأقليات وسعيها لاكتساب المواطنة الكاملة وكسر مخاوفها، فالأكراد قومية كبيرة تمتد عل أربع دول في المنطقة، ولئن كانت سوريا تضم أقل الأكراد عدداً، فقد أثبتت الأحداث أن الأمر لا يتعلق بالعدد، بل بالانتماء الوطني. ذلك أن الانتقال السكاني لا سيما من تركيا أمر ليس بالصعب، وفرص التمرد إن حصل لن يمنعه نقص العدد أو قوة الأمن، هذا فضلاً عن أن قضية الأكراد كانت دائماً سلاحاً بيد القوى الدولية والإقليمية لإثارة القلاقل واستنزاف الدول.
ما حدث في حلب فرصة لوضع مقاربات سليمة مع المكون الكردي بكامله، وليس “قسد” لوحدها. وهو ما نتوقع أن تنتبه له الدولة السورية وتتعامل معه بدقة وإخلاص.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى