
ما يجري في جنوب اليمن لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي بين “الشرعية” والمجلس الانتقالي الجنوبي، ولا حتى في صراع نفوذ محلي على السلطة والثروة. نحن أمام حلقة متقدمة من مشروع أشمل لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، يقوم على تفكيك الدول الهشّة، وإنتاج كيانات جديدة بوظائف أمنية وجيوسياسية دقيقة. في هذا الإطار، لا يمكن فصل التصعيد الإعلامي الإماراتي الأخير ضد السعودية، واتهامها بدعم القاعدة والإخوان، عن محاولة مقصودة لإعادة صياغة السردية الإقليمية تمهيداً لفرض وقائع ميدانية كبرى يجري التحضير لها منذ سنوات.
في اليمن، بات مشروع إعلان دولة الجنوب أقرب إلى التنفيذ منه إلى التلويح السياسي. الحديث لم يعد عن ضغط تفاوضي أو ورقة للمساومة، بل عن كيان يجري إعداده ليكون دولة جنوب عربي متحالفة مع إسرائيل، تؤدي دوراً أمنياً واستخبارياً مباشراً في خاصرة الجزيرة العربية. قيام مثل هذا الكيان سيحوّل جنوب اليمن إلى منصة متقدمة لمراقبة وابتزاز السعودية، وإلى “عين إسرائيل” الدائمة على باب المندب والبحر العربي، بما يغيّر قواعد الأمن الإقليمي بشكل جذري.
السعودية، التي اعتادت تاريخياً إدارة الأزمات بصبر طويل ونَفَس هادئ، بدأت تتعامل مع هذا المسار بمنطق مختلف كلياً. الانتقال إلى خطاب سياسي حاد، وفتح الباب أمام خيارات عسكرية محتملة، يعني أن الرياض باتت ترى فيما يجري تهديداً وجودياً، لا يمكن احتواؤه بالوساطات ولا بإدارة الخلافات. هذا التحول السعودي بحد ذاته مؤشر على أن مشروع دولة الجنوب لم يعد شأناً يمنياً داخلياً، بل جزءاً من إعادة رسم أمن الخليج والجزيرة العربية.
الصورة تزداد وضوحاً عند النظر إلى الصومال. إعلان “أرض الصومال” ككيان منفصل، واعتراف إسرائيل به، لم يكونا تفصيلاً معزولاً، بل خطوة محسوبة في مسار تفكيك الدول وتطبيع فكرة الانفصال كحل سياسي. اللافت هنا لم يكن فقط الاعتراف الإسرائيلي، بل امتناع الإمارات عن التوقيع مع الدول العربية والإسلامية على بيان استنكار هذا الاعتراف، في إشارة صامتة لكنها بالغة الدلالة إلى أن ما يجري في القرن الإفريقي يندرج ضمن الخريطة نفسها التي يُعمل عليها في جنوب اليمن.
علاقة إسرائيل بأرض الصومال ليست سوى جانب واحد من صراع نفوذ جيوسياسي واسع يمتد من الشرق الأوسط إلى البحر الأحمر، ويتجاوزهما نحو وسط آسيا وتفاعلات دولية أكبر. الوصول الإسرائيلي إلى البحر الأحمر ليس جديداً؛ بدأ منذ سنوات عبر إريتريا، ويتعزز اليوم بمحاولات تأسيس قواعد استخبارية وعسكرية في جنوب اليمن، وربما الدفع لاحقاً نحو قيام دولة منفصلة هناك. هذا التمدد يعني عملياً بناء طوق إحاطة استراتيجي بكل من السعودية ومصر، عبر نقاط ارتكاز تمتد من القرن الإفريقي إلى باب المندب.
كل هذه المسارات لا تقف عند حدود اليمن أو السودان أو الصومال، بل ترتد مباشرة على سوريا ولبنان. في سوريا، تسعى إسرائيل، بقيادة نتنياهو واليمين المتطرف، إلى ترسيخ حالة الجمود الجغرافي والسياسي: لا حرب شاملة ولا تسوية حقيقية، بل استنزاف طويل يمنع إعادة بناء الدولة ويُبقي الجغرافيا السورية مفتوحة أمام التدخلات.
السودان يشكّل بدوره حلقة مركزية في هذا المسار. صعود «الدعم السريع» وتحوله إلى قوة تنازع الدولة سيادتها، مع تقاطعاته الإقليمية وتلاقحه مع المصالح الإسرائيلية، يعكس نموذجاً متقدماً لتدمير الدولة من الداخل وإبقائها في حالة فوضى طويلة الأمد. هنا تبرز أهمية الدور المصري، ليس فقط من باب الدفاع عن أمنه القومي المباشر، بل لمنع تعميم نموذج التفكيك هذا على ساحات أخرى في الإقليم.
كل هذه المسارات لا تقف عند حدود اليمن أو السودان أو الصومال، بل ترتد مباشرة على سوريا ولبنان. في سوريا، تسعى إسرائيل، بقيادة نتنياهو واليمين المتطرف، إلى ترسيخ حالة الجمود الجغرافي والسياسي: لا حرب شاملة ولا تسوية حقيقية، بل استنزاف طويل يمنع إعادة بناء الدولة ويُبقي الجغرافيا السورية مفتوحة أمام التدخلات.
وفي لبنان، يجري العمل على رفع منسوب التوتر الداخلي إلى مستويات خطرة، عبر الدفع نحو اقتتال مذهبي أو تفكك سياسي، بالتوازي مع استخدام فلول النظام السوري البائد الأراضي اللبنانية كمنصة للهجوم على سوريا الجديدة، بما يعمّق الشرخ اللبناني–السوري ويمنع أي مسار استقرار بين البلدين.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل سلوك قسد وتهرّبها المتكرر من التزامات الانخراط في الدولة السورية. هذا التهرّب لم يعد مجرد خلاف على الصلاحيات أو الترتيبات الإدارية، بل بات مؤشراً واضحاً على تنسيق أوسع بين مكونات مشاريع التقسيم، برعاية إسرائيلية وإقليمية، ضمن مسار واحد متعدد الساحات. استخدام “قسد” للعنف، واعتداءاتها على مؤسسات الدولة السورية، وتلاقيها في لحظات معينة مع فلول النظام البائد من جهة، ومع جماعة الهجري في السويداء من جهة أخرى، يكشف نمطاً من العمل المتوازي الهادف إلى منع إعادة توحيد سوريا وإبقائها في حالة تفكك دائم.
هذا التداخل بين الساحات ليس صدفة، بل يعكس إدارة مركزية للمخاطر والأدوار، حيث تتحرك كل مجموعة في نطاقها الجغرافي، لكنها تلتقي في الهدف النهائي: منع قيام دول قوية وقادرة على استعادة سيادتها. من جنوب اليمن إلى شرق الفرات، ومن الصومال إلى السودان، تتكرر الأدوات نفسها، وإن اختلفت الواجهات.
غير أن هذا المشروع لا يتحرك في فراغ. الوجود التركي المؤثر، ولا سيما في الصومال، يشكّل عقبة حقيقية أمام تحويل القرن الإفريقي إلى ساحة نفوذ إسرائيلية خالصة. هذا الواقع قد يدفع الدول المستهدفة من مشروع الإحاطة — وفي مقدمتها السعودية ومصر وقطر — إلى التقاطع مع تركيا، ليس بدافع الأيديولوجيا، بل بحكم الضرورة الاستراتيجية وصدّ المخاطر المشتركة.
في الخلاصة، ما نشهده ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشروع “تغيير شرق أوسط” بطبيعة صفرية، لا يعترف بالتسويات ولا يحترم الخطوط الحمراء التقليدية. إما أن يُواجَه هذا المسار بتنسيق فعلي وفرض وقائع مضادة على الأرض، أو سيستمر في التمدد، من جنوب اليمن إلى القرن الإفريقي، ومنه إلى سوريا ولبنان، تاركاً وراءه دولاً منهكة وصراعات مفتوحة بلا أفق.
المصدر: تلفزيون سوريا






